
الاستاذ الدكتور نزار الربيعي
الدرابين البغدادية: الذاكرة المكانية والاجتماعية في بغداد القديمة
تمثل الدرابين البغدادية أحد أبرز المظاهر العمرانية والاجتماعية التي ارتبطت بتاريخ بغداد عبر قرون طويلة، إذ شكلت هذه الأزقة الضيقة شبكة الحياة اليومية لسكان المدينة القديمة، وكانت أكثر من مجرد ممرات تربط البيوت والأسواق والمساجد، بل فضاءات اجتماعية وثقافية أسهمت في تشكيل الهوية البغدادية وترسيخ قيم الجيرة والتكافل والتعايش. وقد ارتبطت صورة بغداد التقليدية في الذاكرة الشعبية بصورة الأزقة المتعرجة والبيوت المتقاربة والشناشيل المطلة على الدروب الضيقة التي كانت تحتضن تفاصيل الحياة اليومية للسكان وتختزن قصصهم وذكرياتهم.
نشأت الدرابين في بغداد ضمن سياق تاريخي وعمراني خاص فرضته طبيعة المدينة منذ العصور الإسلامية المبكرة، ثم تطورت خلال العهد العباسي والعثماني لتصبح جزءاً لا يتجزأ من النسيج الحضري. وكانت الحاجة إلى توفير الحماية والخصوصية والتكيف مع المناخ الحار من أهم العوامل التي أسهمت في ظهور هذه الأزقة الضيقة والمتعرجة. وقد ساعد هذا النمط العمراني على تقليل تأثير أشعة الشمس المباشرة وتوفير الظل لمعظم ساعات النهار، فضلاً عن دوره في الحد من حركة الرياح المحملة بالغبار خلال أشهر الصيف.
ولم تكن الدربونة مجرد ممر عمراني، بل مثلت وحدة اجتماعية متكاملة. فقد كانت العلاقات الإنسانية داخلها تقوم على معرفة متبادلة بين جميع الأسر تقريباً، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضاً، ويتشاركون الأفراح والأحزان والمناسبات الدينية والاجتماعية.
وتحتفظ الذاكرة البغدادية بأسماء عدد كبير من الدرابين التي كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية لسكان المدينة القديمة. فقد اشتهرت دربونة الهيتاويين في الميدان بكونها موطناً لعائلات نزحت من مدينة هيت واستقرت في بغداد منذ أجيال، بينما ارتبطت دربونة الفحامة بالمهن المتعلقة بالفحم والوقود. أما دربونة صبابيغ الآل فقد اكتسبت اسمها من الحرفيين العاملين في صباغة الأقمشة، في حين اشتهرت درابين الفضل وقنبر علي بكونها مراكز للتفاعل الشعبي والتجاري وكانت تشهد حركة دائمة للباعة والحرفيين والزوار.
ومن الأسماء التي ما زالت تتردد في ذاكرة كبار السن عكد النصارى وعكد الأكراد وعكد الجام وعكد المفتي وعكد النقيب وعكد حمادة وعكد الدنكجية، وهي تسميات تعكس التنوع الاجتماعي والمهني والسكاني الذي عرفته بغداد عبر تاريخها الطويل. وكانت بعض هذه الأزقة تحمل أسماء شخصيات دينية أو علمية أو أسر بغدادية عريقة، فيما حمل بعضها الآخر أسماء مهن أو جماعات سكانية ارتبطت بالمكان لسنوات طويلة.
وتميزت الدرابين البغدادية بخصائص عمرانية فريدة؛ فبعضها كان شديد الضيق حتى إن المارة كانوا يضطرون إلى إفساح الطريق لبعضهم عند التقابل، بينما كانت درابين أخرى تتسع نسبياً لتسمح بتجمع الأطفال أو مرور العربات الصغيرة. كما اشتهرت العديد منها بالشناشيل الخشبية المتقابلة التي كانت تمنح الأزقة ظلالاً شبه دائمة خلال أشهر الصيف.
ولم تكن شهرة بعض الدرابين مرتبطة بعمرانها فحسب، بل بطبيعة سكانها أيضاً. فقد عرفت بعض الأزقة بالتدين، واشتهرت أخرى بالعلماء أو التجار أو الحرفيين، بينما ارتبطت درابين معينة بالكرم والتكافل الاجتماعي حتى أصبحت مضرباً للأمثال في الأوساط الشعبية. وكان البغداديون كثيراً ما يعرّفون أنفسهم بالمحلة أو الدربونة قبل أي تعريف آخر.
وعكست الدرابين طبيعة المجتمع البغدادي القائم على التعددية والتعايش، وأسهمت في ترسيخ قيم التسامح والتعاون وحسن الجوار. كما ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالعمارة البغدادية التقليدية ولا سيما الشناشيل الخشبية التي تعد من أبرز رموز المدينة.
وشكلت الأزقة مسرحاً مفتوحاً للحياة اليومية، حيث أصوات الباعة المتجولين وروائح الخبز والأطعمة الشعبية وألعاب الأطفال التقليدية مثل الدعبل والصكلة والسبع حجارة، وهي جميعاً صور ما زالت حاضرة في ذاكرة البغداديين.
ومع تسارع التحولات العمرانية خلال النصف الثاني من القرن العشرين تعرضت الدرابين البغدادية إلى تغيرات كبيرة، إذ أزيلت أجزاء واسعة من النسيج العمراني التقليدي واختفت العديد من الأزقة القديمة أو تغيرت معالمها بصورة جذرية. ومع ذلك ما تزال الدرابين تمثل جزءاً مهماً من التراث البغدادي المادي وغير المادي.
إن دراسة الدرابين البغدادية تكشف عن عمق العلاقة بين المكان والإنسان في بغداد القديمة، وتبرز كيف استطاع السكان عبر الزمن أن يحولوا الأزقة الضيقة إلى فضاءات نابضة بالحياة والتفاعل الاجتماعي. ولذلك فإن الحفاظ على هذا الإرث وتوثيقه يمثل ضرورة ثقافية وتاريخية من أجل صون الهوية البغدادية ونقلها إلى الأجيال القادمة.

560 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع