مفهوم الإمامة في النظرية السياسية في الإسلام: الجزء الأول


خالد الدوري

مفهوم الإمامة في النظرية السياسية في الإسلام: الجزء الأول

عرّف علماء الأمة السلف منصب الرئيس الأعلى للدولة بتعاريف متعددة إلّا أنها تكاد جميعها تكون متقاربة المعنى ومتداخلة. بل ومتشابهة باللفظ أحيانا الى حد بعيد. والواقع ان اكثر من تَحَدّث عن الإمامة هم الفقهاء والمتكلمون، حيث صنّفوا فيها تآليفهم ، وهذا يعني أنّ مباحث هذا المنصب وثيقة الصلة بالفقه وبالكلام على حد سواء. وسنحاول ان نستعرض فيما يلي جزء من التعاريف التي اوردوها عن الإمامة، لنرى مدى التداخل في المفاهيم، وكذلك مدى الإتفاق الحاصل بينهم على صيغ متقاربه المعنى. وكونها من البحوث الكلامية فهي بالتالي تعاريف أشبه ما تكون بالفلسفية، ويعوزها التقييم لملاحظة الفروق الدقيقة بينها. وسأقتصر في هذا الجزء على إستجلاء رأي البعض من علماء السلف وسأناقش نقاط التقاطع والإتفاق في تعاريفهم، وأُرجئ بيان تعاريف البعض الآخر ممن خاضوا في نفس الموضوع، الى الأجزاء التالية. وذلك خشية الإطالة، على أن نرجح لاحقًا أحد التعاريف الذي أرى أنّه الصياغة الأنسب لوظيفة ومفهوم منصب السلطة الأعلى في الدولة (1).
1- تعريف الماوردي:
ويُعَبّر الماوردي عن رئاسة الدولة بقوله: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا)(2)، ولجزاله هذا التعريف ووضوح معناه المُعبّر عن حقيقة دور الإمامة في انها الأمين على إقامة الشرائع والشعائر بين المسلمين، وحماية البيضة من كل اعتداء خارجي، ومن ألإخلال بالأمن الداخلي، وإدارة دفة البلاد، فقد اقتبس كثير من الباحثين خصوصًا (المعاصرين) هذا التعريف واعتمدوه في دراساتهم. كما وقد استخدم ابن خلدون هذا التعريف مع تغيير بسيط في اللفظ إذ يقول عن الإمامة: (بانها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا)(3)، حيث استخدم لفظ (خلافة عن صاحب الشرع) بدلاً من (خلافة النبوة) والمعنى واحد. اذ المقصود بصاحب الشرع هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، بإعتباره المُبلّغ عن ربه بالوحي كتاب الله الى الناس كافّة، وبهذا يكاد يكون التعبيران متطابقين لفظاً ومعنى.
كما إختار محمد بن الأزرق الأندلسي لفظًا قريبًا من لفظي ابن خلدون والماوردي فَعَبّر عن الإمامة بانها (نيابة عن الشارع في حفظ الدين وسياسة الدنيا)(4). ويمكن ان نستنتج من التعريفات السابقة جملة حقائق نوجزها في التالي:
أ - ان الخلافة هي نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تنفيذ الحكم الاسلامي وليس نيابة في التشريع والوحي، وهي ليست ملكا او حقا شخصيا أو إمتيازًا مخصوصا لفردٍ او لفئةٍ معينة.
ب - مهمتها حماية ونشر وتنفيذ تعاليم الشريعة الاسلامية، وحمل الناس عليها.
ج - الحكم بين الناس والفصل في منازعاتهم ورعاية مصالحهم وتسيير الشؤون الحياتية من اقتصادية وادارية وقضائية وسياسية واعلامية...
د - انها عامة تنسحب هيمنتها على جميع المسلمين ومن في حكمهم من رعايا دولة الاسلام.
2- تعريف الكتّاني:
ذكر عبد الحي الكتّاني في تراتيبه الإدارية بأن الخلافة او الإمامة هي: (الرئاسة العظمى، والولاية العامة الجامعة، القائمة بحراسة الدين والدنيا)(5) وقد اورد قيد الاطلاق "بالرئاسة العظمى" تمييزا لها عن سائر الرئاسات المدنية والعسكرية الاخرى، وهو قيد مناسب، إلا انه عاد لبيان الرئاسة العظمى بأنها (الولاية العامة) وهذا بخلاف ما يقرره جمهور العلماء من ان الإمامة وكالة عن الامّة في تدبير شؤونها، وليست من باب الولاية (6).
وحين نذكر هذا لا ننكر ان الإمامة في واقعها ولاية عامة على الرقعة الاسلامية جميعا. الا اننا يجب ان لا نقف على تعابير كانت تؤدي في مرحلة من المراحل دورها كاملا باداء المعنى المطلوب في حينه، بل يجب ان نتعقب المصطلح الشرعي الأكثر تعبيرًا عن ماهيّة الإمامة، سواء اكان التعبير قديما او حديثا فتعبير الكتاني لا يستثني النبوة، وعليه فاننا نعتقد ان الدكتور محمد سليم العوا كان اوفر حظا في التعبير في هذا الموقف، حينما عَبَّر عن الإمامة: (بانها تنظيم رئاسة الدولة الاسلامية تنظيما يشمل اختيار الرئيس وتقرير حقوقه وواجباته)(7)، فهو قد بين بعض ابعاد معنى التنظيم بكونه مشتملا على (اختيار الرئيس)، والنبوة لا تدخل تحت هذا الاسم، لكون الاختيار خارج الحدود البشرية. فهو وإن لم يُصرّح، إلا انه استبعد النبوة ضمنيًا. في حين لم تَسلَم بقية التعريف عن نوع من الغموض او العموم في ماهية التنظيم، وما يشتمله من تفصيلات. فصيغة العموم في تعريف الدكتور العوّا غير المستندة على اسس معلومة، تفقد التعريف قوة روحية، هي الزم له فيما لو ربط رئاسة الدولة، بينبوعها الاصيل، وهي كونها خلافة عن النبوة.

المصادر والمراجع:
(1) ملاحظة: بحث الإمامة هنا – والأجزاء التالية - يقتصر على رؤية ومنهج أهل السُنّة فقط. أما الشيعة فلهم منهج ورأي آخر مختلف. ونفرد له – إن شاء الله - فصولاً فيما بعد.
(2) الاحكام السلطانيه لمحمد بن حبيب الماوردي/ ص5 شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر - ط2- 1386هـ - 1966م.
(3) مقدمة إبن خلدون ص 151 تحقيق عبد الله محمد الدرويش/ الناشر: دار يعرب 1425هـ - 2004م.
(4) بدائع السلك في طبائع الملك لأبي عبد الله بن الأزرق 1 /110 بتحقيق الدكتور محمد عبد الكريم- الدار العربية للكتاب/ مطبعة الشركه التونسية لفنون الرسم بتونس محرم 1397 هـ - 1977 م.
(5) نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الادارية للعلامة المحدث عبد الحي الكتاني/ ج1 ص2 الناشر حسن جعنا - بيروت
(6) لمزيد التوضيح تُراجَع الكتب التالية: الانصاف في معرفة الراجح من الخلاف لأبي الحسن المرداوي 10/ 311 بتحقيق محمد حامد الفقي- مطبعة السُّنّة المحمّدية- طبعة- 1377 هـ - 1957 م. وكتاب كشاف القناع للبهوتي 6/159 طبع مطبعة الحكومة /مكة 1394 هـ. والقواعد لإبن رجب - القاعدة (61) مطبعة الصدق الخيرية بمصر- طبعة1- 1352 هـ - 1933 م. وكتاب السياسة الشرعية لابن تيمية ص 13- 14. وتولية الإمام بين النظرية والتطبيق للدغيمان ص 7 و 344 رسالة دكتوراه باشراف الدكتور عبد العال احمد عطوه مقدمة للمعهد العالي للقضاء 1401 هـ - 1981 م. والفرد والدولة في الشريعة الاسلامية للدكتور عبد الكريم زيدان ص 36 السلسلة رقم (5) الصادرة عن الاتحاد الاسلامي للمنظمات الطلابية- دار القران الكريم 1398 هـ - 1978 م.
(7) في النظام السياسي للدولة الاسلامية للدكتور محمد سليم العوّا ص 118 طبع المكتب المصري الحديث/ الطبعة الثالثة - 1979 م.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

975 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع