مدن أعالي الفرات: “مدينة هيت"

                                             

                           قاسم محمد داود

 

              مدن أعالي الفرات: “مدينة هيت"

على الضفة الغربية لنهر الفرات وبالتحديد في الجهة الشمالية من مدينة الرمادي عاصمة محافظة الأنبار تقع مدينة هيت مدينة النواعير وينابيع القار. حيث تبعد عنها مسافة تقدر بحوالي 70 كيلومتر، أما عن العاصمة بغداد فتبعد مسافة تقدر بحوالي 190 كيلومتر، سماها الآشوريون اتوم أو هيتوم بمعنى القار لاحتوائها على عيون القار وينابيع المياه الساخنة. تعد هيت من أقدم المدن التي سكنها الأنسان في العالم أذ يقدر عمرها بما يزيد على خمسة آلاف سنة، وأستمر التواجد البشري فيها دون انقطاع على امتداد آلاف السنين، منذ عهد السومريين حتى يومنا الحالي. كانت هيت تمثل منخفضاً مائياً في عصور سحيقة وكانت المياه تتجمع من روافد وأودية تصب في الفرات وفيضان ضفتيه بالإضافة إلى موسم الأمطار والمنابع المائية لتشكل ارضاً خصبة صالحة للزراعة. وكان السومريون قد اكتشفوا وجود القار في هذا المكان منذ عصر فجر السلالات، واستعملوه في البناء وفي طلاء القوارب لمنع نفوذ الماء. ونشأت في هيت قرى زراعية منذ الألف الرابع قبل الميلاد. وفي العهد الأكدى حينما قام الملك سرجون الأكدى (2334 ــ 2279 ق.م)، بتوحيد مدن العراق القديم فضم إلى دولته دويلات المدن السومرية المنتشرة في أنحاء بلاد سومر وسار غرباً متوجهاً إلى بلاد الكنعانيين في سوريا وعند مروره وجد هذه القرى الزراعية وأستقر فيها جيشه الزاحف غرباً ودعاها (توتول) وتعني مدينة الدلاء، وكان أول أسم عرفت به هذه البلدة. وتتضح أهمية البلدة فيما سجله سرجون نفسه في شكر (داكان) إلاه الخصب والزرع الذي أعطاه المنطقة العليا التي تشمل توتول وماري عاصمة الآموريين الأولى سكان أعالي الجزيرة الفراتية. وفي عهد الملك نرام ـ سين أبن سرجون الأكدى (2291ــ 2255 ق.م) الذي شن حملات عسكرية في غرب بلاد سومر وأكد لتثبيت مملكة والده، ورد في "نص أكدي مسماري مدون على تمثال برونزي من العصر الأكدى إشارة إلى أن انتصاراً حققه الملك نرام ـ سين على عدة مدن مهمة منها توتول سيف الآلة داكان". أدى ضعف الملوك الأكديين الذين خلفوا نرام ـ سين إلى تمرد في المدن السومرية الخاضعة للحكم الأكدى وتأسيس مملكة سومرية ضمت مدن العراق القديم وذلك سنة (2120 ق.م)، واتسعت هذه المملكة لتشمل مدن أعالي الفرات التي تمتعت بالاستقلالية ومن ضمنها مدينة توتول. وعندما مدت مملكة ماري حدودها في العام (1950 ق. م) تقريباً لتشمل حوض الفرات الأعلى ونهر الخابور، في عهد ملكها لكت ـ ليم وصلت سيطرتها إلى مدينة توتول وخانات او عانات (مدينة عانة). وفي عام (1850 ق.م) استطاعت مملكة اشنونا التي نشأت على ضفاف نهر ديالى تحت حكم ملكها ابيق ـ ادد ان توسع حكمها لتشمل منطقة الفرات من جديد وكان من جملة المدن التي احتلتها هي توتول. ظلت مدن أعالي الفرات يتنازعها كل من البابليين والكاشيين ومن ثم الآشوريين وفي عصرهم سميت هيت (ايرو) وصارت من المدن المهمة، وفي القرن الحادي عشر قبل الميلاد استولى عليها الآراميون. وفي العام (911 ق.م) كانت ايرو أي هيت هي ومعظم مدن الفرات الأعلى تحت سيطرة الآشوريين، ووجدت الواح طينية تذكر مدينة ايرو قرب منابع القار في عهد الملك نوكولتي ننورتا الثاني (890 ـ 884 ق.م) أن الجنود كانوا يسمعون أصوات الآلهة المنبعثة من مواضع وقباب سميت (اشمينا) وهي إشارة إلى خروج الغاز المصاحب لمنابع القار القريبة، وقد ظلت هاتوم أي هيت جزءاً من الدولة البابلية ــ الكلدية حتى سقوطها في عام (539 ق. م). (رؤوف عماد عبد السلام. هيت من أقدم العصور حتى الاحتلال البريطاني مجلة الحكمة. العدد 39 (2005) ص142 ـ 150). وقد سمى المؤرخ الأول هيرودتس مدينة هاتوم بـ أس وذكر أنها على مسيرة ثمانية أيام من بابل، كما ذكرها مؤرخو اليونان الآخرون مثل ايزيدور وبطليموس باسم "اد قار" وهو مركب من أد البابلية وقار وهي لفظة نبطية عربية بمعنى قار. ويذكر أن دخول الجيش الروماني إلى مدينة "دي اقيرا" سنة 363م حسب ما رواه زوسيمس مؤرخ الحملة باسم "داكيرا" وهي دقيرا بالسريانية وذو قير بالعربية، والذي ذكر أن المدينة لها عدد من الأسماء عرفت بها منها "اهي" أو "اهدقيرا". ثم يقول إن المدينة عرفت بالنبطية باسم "هيد" أو "هد" وحرف الهاء يستعمل كأداة تعريف في هذه اللغة وكذلك في العبرية ويمكن الاستنتاج بأن اسم المدينة قد تطور من "اد" أو "ات" البابلية وتعني القار، ثم "اهدقيرا" العبرية أو "هد" أو "هيد" النبطية فصار هيت، وهو الاسم الحالي للمدينة وبه عرفها الكتاب العرب الأقدمون. اما في العصر الفرثي فقد بدأت المسيحية في الانتشار في بلاد الرافدين ولذا لم يكن مباحاً للوفود الأجنبية القادمة إلى قطيسفون العاصمة مباشرة قبل أن ينتظروا في بلدة هيت. وقد تعرضت هيت إلى التخريب أثناء الحرب الرومانية ــ الساسانية. ففي عام 363 م قاد الإمبراطور جوليان (331ــ 336 م) جيشاً كبيراً يعززه أسطول نهري في الفرات فمر الجيش أولاً خلال قرقيسيا وكانت تعتبر نقطة التقاء حدود البلاد الرافدينية ـ الرومانية ومنها أنحدر الأسطول إلى دورا ـ يوربس ثم إلى يانا أي عانات حيث واصل السير وبلغ مدينة دياكيرا أي بيت كيرا بالآرامية أي بيت القار. وقد وصل الجيش الروماني إلى هيت فوجدها شبه خالية. وقد وصف القائد اميانوس مرسيثلنيوس بأن الجيش حينما نزل المدينة وجد أنها مليئة بالغلال ووجد بعض النسوة فقتلهن. ولاحظ وجود معبد على قمة عالية، وقد تحول هذا المعبد فيما بعد إلى كنيسة ومع ذلك قام الجيش الروماني بتهديم المدينة. وفي الزحف العربي الإسلامي نحو العراق في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، وجد الجيش صعوبة في اختراق مدينة هيت التي كان أهلها قد حفروا امامها خندقاً اخترق وسط المدينة، وحصنوا منها الأجزاء الأخرى، لكن بعد معالجات استطاع الجيش الإسلامي بقيادة عمر بن مالك بن عُتبة بن نوفل بن عبد مناف الزهري، وكان على مقدمة هذا الجيش الحارث بن يزيد العامري من فتح المدينة سنة 631 م (16هـ)، وفي هذه السنة مُصرت البصرة والكوفة. تقع مدينة هيت التاريخية على تلين متجاورين يحيط بهما سورها القديم الذي ينتهي شرقاً بالضفة الغربية لنهر الفرات، ويحيط بسور المدينة خندق للحماية من الغزوات العسكرية. وقد وصف المؤرخون والجغرافيون العرب هيت وذكروا قلعتها وسورها وخندقها من خلال وصفهم لها؛ فقد ذكر الأصطخري (ت:341هـ/956م) في كتابه “صورة الأرض” فقال: "هيت مدينة وسطى تقع على الضفة الغربية لنهر الفرات وعليها حصن عامرة آهلة". كما وصفها ابن حوقل (ت:367هـ/979م) قائلاً: "وعليها حصن وهي من أعمر المدن". ووصفها المقدسي (ت:380هـ/875م) في كتابه ’’ أحسن التقاسيم’’ بأنها: "كبيرة عليها سور على الفرات". وقال عنها الإدريسي (ت560هـ/1166م) في كتابه ’’ نزهة المشتاق في اختراق الآفاق’’: "وهيت مدينة من غربي الفرات عليها حصن وهي من أعمر المدن". وذكرها القزويني المتوفي (682هـ/1283م) في كتاب ’’ آثار البلاد وأخبار العباد’’ فقال: "هيت مدينة محصنة بقلعة متينة، وتقع مباشرة على الضفة الغربية لنهر الفرات".

     

                       منارة المعمورة في مدينة هيت

ويذكر الطبري حصار المسلمين لمدينة هيت عام 16 هـ إبان فتح العراق فيقول: "فقد نزل المسلمون على أهل هيت الذين أغلقوا أبواب المدينة الثلاثة، وتحصنوا بسورها وقلعتها المنيعة وخندقها، وبعد حصارها تم فتحها صلحاً". وقد أحدث المسلمون بعد فتح هيت بعض التغيرات في قلعتها التي وجدوها عامرة آهلة خاصة بعد مشاطرتهم الكنيسة، إذ يعتقد أن جامع الفاروق الذي بني عام 16هـ والذي ما تزال مئذنته قائمة حتى اليوم في قلعة هيت قد أنشأ لأول مرة على نصف كنيسة هيت التاريخية وفقاً لاتفاق الصلح بين الفاتحين وأهل المدينة، وقد ألحق الشطر الثاني من الكنيسة بالجامع بعد زيادة عدد المسلمين وانسحاب النصارى إلى بلدانهم. وفي عام 905م/293هـ "استباح القرامطة هيت وقتلوا خلقاً من أهلها وأخذوا ما قدروا عليه من المال وكانوا بقيادة القرمطي أبن غانم. وكانت المدينة في عام 1058م/ 450هـ تحت حكم قريش بن بدران العقيلي صاحب الموصل.
أما المواقع الأثرية في هيت فهناك عدة مواقع في داخل المدينة وفي ضواحيها بعضها أطلال وبعضها آثار قائمة مثل جامع الفاروق وقلعة هيت، وهناك بقايا مستوطنة قديمة غرب مدينة هيت والتي تبعد عنها بحدود (5 كم) تسمى المعمورة أو (المعيميرة) وفيها منارة تشبه إلى حد كبير منارة جامع الفاروق من حيث الارتفاع والتصميم، كما توجد بالقرب منها بقايا مستوطنة قديمة تعرف باسم (المقلوبة)، زارتها المس بيل سنة 1909 وكتبت عن بقايا جدار أو سور من الحجر والجص والمنطقة كانت ومازالت واحة صحراوية تعتمد في زراعتها على عيون الماء التي تعرف بـ (عيون المعمورة)، يقصدها الزوار وطلاب المدارس من خلال السفرات المدرسية.
ولاتزال منابع المياه المعدنية الحارة أو العيون الساخنة من أبرز معالم مدينة هيت، ومن بينها عين تقع في المركز لا يزيد قطرها على بضعة أمتار تخرج منها مادة القير بحالة سائلة وفي بعض الأحيان تنطلق مثل نافورة ماء وهي تطلق صوتاً مصحوب بلهب. ومن معالم هيت النواعير ومفردها ناعور، وهي واسطة رفع المياه من النهر إلى الأراضي المحاذية عندما تكون أعلى من مستوى مجرى النهر، ويدور الناعور حول محوره بفعل قوة دفع المياه، وينقل المياه بأوان فخارية خاصة مربوطة حول محيط الناعور تسكب الماء في ساقية مرتفعة تنحدر تدريجياً لكي ينساب الماء، وكانت النواعير من اهم وسائل الري في مدن أعالي الفرات. وتصنع النواعير من خشب التوت على شكل دائرة قطرها نحو 10 أمتار. وصناعة الناعور تمتاز بالدقة، يتقنها نجارون مختصون، لا تنتهي مهمتهم بصناعته ونصبه في مكانه، بل يبقون مسؤولون عن صيانته وأدامته.

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

540 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع