بمناسبة مرور سبعين عاماً على صدور القانون المدني العراقي اضاءة على تاريخ القانون المدني العراقي

                                                     

                     المحامي أحمد مجيد الحسن

بمناسبة مرور سبعين عاماً على صدور القانون المدني العراقي اضاءة على تاريخ القانون المدني العراقي

من المعروف أن العراق كان جزءاً من الدولة العثمانية منذ سنة 1534 لغاية سنة1917، وكانت تطبق فيه أحكام الفقه الاسلامي في المعاملات كافة.

وبعد أن أخذت الدولة العثمانية بأسباب الحضارة الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر، كلفت لجنة علمية مؤلفة في ديوان العدلية في اسطنبول برئاسة ناظر الديوان سنة 1869- 1870،https://ar.wikipedia.org/wiki/1286_%D9%87%D9%80

لتقنين القضاء والأحكام الفقهية الإسلامية، فشرَّعت (مجلة الأحكام العدلية)، وهي مجموعة من التشريعات مكونة من ستة عشر كتاباً، أولها كتاب البيوع وآخرها كتاب القضاء، صدر آخر أعدادها سنة 1882.

و(مجلة الاحكام العدلية) قانون مدني مستمد من الفقه الحنفي، تشمل مجموعة من أحكام المعاملات والدعاوى والبينات، وصيغت أحكامها في مواد ذات أرقام متسلسلة عددها (1851) مادة، على نمط القوانين الحديثة، ليسهل الرجوع إليها والإحالة عليها، ورتبت مباحثها على الكتب والأبواب الفقهية المعروفة.
وبعد انتهاء العهد العثماني وتأسيس الحكم الوطني سنة 1921، استمر العمل بالمجلة في العراق، ولكن تبين للعاملين في مجال القانون والقضاء آنذاك أنه من الضروري العمل على تعديل كثير من النظم القانونية حتى تساير النمو المطرد في حركة التعامل وتستجيب لما جدَّ من اوضاع في نطاقها، لذا كان لابد أن يتناول هذا التعديل قواعد المعاملات المالية في القانون المدني بوصفه دستوراً للمعاملات الخاصة، ومناطاً للقواعد العامة التي تطبق في شأنها.
كانت وزارة العدل قد فكرت جدياً بوضع مشروع قانون مدني جديد، إذ لم يكن للعراق قانون مدني آنذاك، وعبارة (القانون المدني) العراقي كما يقول العلامة المصري الكبير السنهوري الذي تولى رئاسة لجنة اعداد مشروع القانون " هو تعبير جديد غير مألوف في العراق، حتى بين رجال القانون أنفسهم، وإذا ذُكر هذا التعبير فانه لاينصرف الى مجموعة من النصوص تنتظمها وحدة متجانسة محبوكة الاطراف، بل يتشتت ذهن السامع بين خليط من الاحكام القانونية، بعضها تشتمل عليه (مجلة الاحكام العدلية)، والبعض الاخر يتناثر في قوانين تركية عتيقة، هذا إذا لم نجده مختفياً في مجموعات أخرى لا تحمل اسم القانون المدني، كقانون المرافعات وقانون الاجراء (التنفيذ)".
وكان في العراق حينذاك مجموعات متفرقة من القوانين، فضلاً عن (مجلة الاحكام العدلية) المذكورة انفاً، قانون الاراضي لسنة 1858، وقانون التصرف في الاموال غير المنقولة لسنة 1913، وقانون تقسيم الاموال غير المنقولة لسنة 1911، وقانون الانتقال لسنة 1867، وقانون وضع الاموال غير المنقولة توثيقاً للدين لسنة 1913، وغيرها من القوانين المدنية التي ورثها العراق من الدولة العثمانية، وكانت تقوم على مباديء متناقضة، وتستمد أصولها من مصادر متباينة.
في سنة 1943 ألفت لجنة من الفقهاء برئاسة العلامة (السنهوري) الذي كان قد ترأس لجنة تشريع القانون المدني المصري سابقاً، وهم:
1. السيد نوري القاضي نائب الرئيس. والاعضاء:
2. السيد محمد حسن كبة.
3. السيد حسن سامي تاتار.
4. السيد انطوان شماس.
5. السيد عبد الجبار التكرلي.
6. السيد منير القاضي.
7. السيد نشأت السنوي.
8. السكرتير الاداري السيد كامل السامرائي.
عقدت اللجنة المذكورة اجتماعها الاول يوم الاثنين 30/8/1943، في قاعة مجلس الوزراء برئاسة الدكتور السنهوري، وبحضور كل من السيد حسين الاعظمي والسيد حامد مصطفى امناء السر الفنيين.
بدأ العلامة السنهوري حديثه بالأشارة - تسجيلاً للتاريخ - الى لجنتين سبقتا اللجنة الحالية، هما:
الاولى/ ألفت سنة 1933، برئاسة محمد زكي البصري رئيس مجلس النواب السابق، التي قررت اعتماد المجلة اساساً لعملها مع ادخال التعديلات اللازمة عليها لتماشي حاجات العصر الحاضر.
الثانية/ أٌلفت سنة 1936وكانت برئاسة رشيد عالي الكيلاني وكيل وزارة العدلية وعضوية محمد زكي البصري رئيس مجلس النواب والدكتور عبد الرزاق السنهوري عميد كلية الحقوق في بغداد في ذلك الحين ونوري القاضي رئيس ديوان التدوين القانوني وداود السمرة نائب رئيس محكمة التمييز وحسن رضا .عضو محكمة التمييز والحاج حمدي الاعظمي المدون القانوني وعبد الجبار التكرلي النائب في مجلس الامة.
وكانت خطتها هي خطة اللجنة الاولى عينها، وقد بدأت هذه اللجنة العمل فعلاً ووضعت مشروعاً في البيوع، ولكنها لم تستمر في عملها.
في سنة 1938 قدم نوري القاضي مذكرة لوزارة العدلية اشار فيها الى اللجنتين السابقتين، واقترح تأليف لجنة ثالثة تعمل على الاساس المتقدم نفسه، ولكن هذه اللجنة لم تؤلَّف.
لذا عُدت هذه اللجنة لسنة 1943 هي اللجنة الثالثة.
وفي الجلسة الاولى المذكورة بين الدكتور السنهوري أن الاعمال التحضيرية لمشروع القانون المدني تتضمن:
1. النصوص الفقهية المستخلصة من أمهات كتب الفقه الاسلامي، وهي اقوال الفقهاء التي تتصل بما جاء في نصوص المشروع، وأن تكون الشريعة الاسلامية هي الاساس، فالعراق أول بلد عربي يرفع لواء الفقه الاسلامي ويضع الشريعة الاسلامية الى جانب أرقى الشرائع وأحدثها، وليس صحيحاً ان قانوناً غربياً أجنبياً عن البيئة يمكن أن ينتزع من بيئته ويعطى للعراق، فيصلح لبلد لم يألفه ولم يتعود عليه، فالقانون ليس وليد إرادة المشرع يقول له كن فيكون- بل هو نبت البيئة ووليد التقاليد الطويلة المتعاقبة – هذا الى أن الفقه الاسلامي لايقل في الرقي ولا في سمو المنطق القانوني عن أي نظام قانوني آخر. فليس مفهوماً أن نعدل عنه الى قانون أجنبي ما دمنا نستطيع أن نصل الى النتيجة نفسها عن طريق المحافظة على تقاليدنا القانونية.
والمجلة عندما نتخذها اساساً للمشروع يجب أن يدخل عليها حذف وتعديل وإضافة، وأن تبوب على غرار القوانين العصرية، وكذلك اعتبار الفقه الاسلامي كلاً لا يتجزأ دون الاقتصار على مذهب واحد فقط، فكل قول لفقيه مسلم يعتبر فقهاً اسلامياً نأخذ به إذا كان أنسب الاحكام لما تقتضيه حاجات العصر.
2. محاضر الجلسات التي تعقدها اللجنة، وستدون فيها ما يجري من المناقشات.
3. مذكرة ايضاحية توضع للمشروع النهائي بعد الفراغ من بحث المشروع التمهيدي.
4. مناقشات الهيئات التشريعية التي سيمر عليها المشروع.
وقد وجه السنهوري نظر اللجنة الى أن مهمة المشرع هي غير مهمة الفقيه وغير مهمة القاضي، فلا يحسن أن يكثر المشروع من التعريفات والامثلة الفقهية، فإن هذا من عمل الفقيه، ولا يحسن أن يتوغل مشروع القانون في التفصيلات التطبيقية، فإن المشرع لا يستطيع ان يحيط بكل شيء، بل يجب أن يترك هنا التفصيلات للقاضي، وهو الذي يتولى تطبيق لقانون على ما يعرض عليه كل يوم من الحوادث والأقضية.
فأقرت اللجنة ما تضمنته كلمة العلامة السنهوري رئيس اللجنة من المباديء الخاصة بوضع مشروع القانون المدني العراقي.
استمر عمل اللجنة زهاء 3 سنوات الى أن أتمت وضع مشروع القانون.
وقد راجعت مشروع القانون بعد إنجازه لجنة هي الأخرى من كبار الفقهاء ورجال القانون، وهم:
1. السيد حسين جميل – المحامي، نقيب المحامين لاحقاً.
2. السيد انطوان شماس – رئيس ديوان التدوين القانوني.
3. السيد عبد الجبار التكرلي - عضو محكمة التمييز.
4. السيد منير القاضي – عميد كلية الحقوق.
5. السيد داود السعدي - المحامي.
6. السيد حسن عبد الرحمن – المحامي.
7. السكرتير – السيد كامل السامرائي – معاون سكرتير مجلس الوزراء.
وفي كانون الاول سنة 1947 وجه السيد (جمال بابان) وزير العدلية انذاك كتاباً الى السيد (منير القاضي) لاعداد مذكرة ايضاحية عن القانون المدني العراقي، لعرضها على اللجنة الحقوقية في مجلس النواب، لان لائحة القانون المذكور ما زالت قيد الدرس في تلك اللجنة تمهيداً لتشريعه.
وكُلفَ السيد (منير القاضي) بذلك، بوصفه أحد اعضاء اللجنة التي دأبت على انجاز مشروع القانون المذكور، برئاسة العلامة الدكتور (عبد الرزاق السنهوري)، وكان السيد (القاضي) كما جاء في كتاب الوزير من العاملين على اخراج ذلك الاثر القيم الى حيز الكمال.
وجاء في كتاب الوزير انه يأمل أن ينجز (القاضي) عمله خلال مدة لا تزيد على اسبوعين، وذلك لما عهد فيه من دراية وأهلية للقيام بإعداد هذه المذكرة على الوجه الذي يساعد على أيضاح ذلك القانون وإيصاله الى مرحلة التنفيذ.
وأضاف الوزير أنه يعتقد أن (القاضي) مستعد لذلك لسبق اشتغاله فيه، فيرجوه أن لا يألو جهداً لانجاز المذكرة موضوعة البحث خلال المدة المذكورة.
إستمد مشروع القانون أحكامه كما جاء في المذكرة الايضاحية المختصرة من المصادر الاتية:
1. مجلة الاحكام العدلية.
2. مرشد الحيران، وهو كتاب في الفقه الحنفي ألفه (محمد قدري باشا) وهو من رجال القضاء في مصر المتوفى سنة 1886.
3. الفقه الاسلامي بمذاهبه المختلفة.
4. القوانين المدنية العراقية التي كانت موجودة حينذاك.
5. مشروع القانون المدني المصري، الذي استمد احكامه هو الاخر من:
أ. الفقه الاسلامي.
ب‌. القوانين المدنية الحديثة كالقانون المدني السويسري، والقانون المدني البولوني، والقوانين الجرمانية، والمشروع الفرنسي الايطالي، ومن القانون المصري والقانون الفرنسي.
أما المصادر التفسيرية، وهي المرجع الذي يجلو غامض القانون، فهي الفقه والقضاء في العراق وفي البلاد العربية التي تتقارب قوانينها مع القانون المدني.
أما النظريات التي استند اليها مشروع القانون فهي:
أ‌. نظريات الفقه الاسلامي.
ب‌. القواعد الكلية في الفقه الاسلامي.
ج. نظريات الفقه الغربي بعناصره الثلاثة ( اللاتيني - الجرماني السكسوني)، وأهمها:
1. (نظرية الحوادث (الظروف) الطارئة.
2. نظرية التعسف في استعمال الحق.
3. نظرية حسن النية.
4. نظرية تجزئة العقد، فقد يكون صحيحاً في شطر منه وباطلاً في شطر.
5.نظرية التنفيذ بطريق الغرامات التهديدية.
6. نظرية التنفيذ بطريقة التعويض.
7. نظرية السبب في العقد.
8. نظريات الدولي الخاص.
9. نظرية الشخصية المعنوية.
10. نظرية المسؤولية التعاقدية.
11. نظرية المسؤولية عن عمل الغير وعن الاشياء.
12. نظرية التضامن بين المدينين.
13. نظرية حوالة الحق.
14. نظرية الوفاء مع الحلول.
15. – نظرية الوفاء بطريق العرض والايداع.
16. نظرية التجديد والانابة في الوفاء.
17. نظرية استحالة التنفيذ.
18. نظرية التقادم.
وهذه النظريات كما ورد في المذكرة لها أساس في الفقه الاسلامي، عدا:
1. نظرية حسن النية.
2. التنفيذ بطريق الغرامات.
3. نظريات الدولي الخاص.
4. نظرية الوفاء مع الحلول.
5. نظرية الوفاء بطريق العرض والايداع.
6. نظرية الشخصية المعنوية.
فبالنسبة للشخصية المعنوية، عقب العلامة (القاضي) بقوله "وقد يقال ان (للوقفِ) شخصيةً معنوية يعترف بها الفقه الاسلامي".
وهنا يبدو ان العلامة (القاضي) غير متيقن أو غير مقتنع من ذلك لقوله (وقد يقال) وهي عباة قلقة غير مؤكدة.
أما قوله إن مبدأ (حسن النية) ليس له اساسٌ في الفقه الاسلامي فهي مسألة فيها نظر، لارتباط هذا المبدأ بالقواعد الاخلاقية التي يؤكد عليها الاسلام.
ومن هنا جاء ارتباط حسن النية في الفقه الاسلامي بالاخلاق ارتباطاً وثيقاً، فقد وضع الفقه الاسلامي مبدأ حسن النية اطاراً عاماً للتصرفات كافة ومنها العقود، وقد جاءت الدراسات الجامعية المصرية والفلسطينية التي اطلعت عليها مؤخراً لتثبت اعتداد الفقه الاسلامي بمبدأ حسن النية في العقود وغيرها.
اما بالنسبة (للسبب) من أن ليس له اساس في الفقه الاسلامي، فتلك مسألة حميدة، لان القوانين الغربية الحديثة الان، ومنها قانون القانون المدني الفرنسي في تعديله الاخير في سنة 2016، قد تخلت عن السبب كركن من أركان العقد.
والجدير بالملاحظة أن القواعد التي تقدمت الاشارة اليها، قد استمدت من مصادر متباينة؛ فبعضها أخذ من الفقه الاسلامي مباشرة، وبعضها نقل عن الفقه الاسلامي مقنناً في المجلة، والبعض الاخر هو من القوانين العثمانية القديمة.
وهذه القوانين بدورها قد اشتقت أحكامها بوجه خاص من القانون الفرنسي والعرف المحلي، واقتضى التطور اصدار كثير من التشريعات الخاصة في بعض مسائل القانون المدني، اشتقت أحكامها من هذه المصادر ومن مصادر أخرى.
على إن اشتقاق الاحكام من تلك المصادر المتباينة، لم يقترن بأية محاولة من محاولات التنسيق مع المسائل التي تنظمها هذه الاحكام.
وقد ترتب على ذلك أمران:
الاول. تعذر استخلاص أحكام عامة تسيطر على القانون المدني بأسره، كأحكام النظرية العامة للالتزام، ولهذه الاحكام أهميتها لا باعتبارها مرجعاً يلجأ اليه القانون إن افتقد الحكم بصدد مسألة من المسائل فحسب، بل باعتبارها مرشداً يسدد خطى المشرع في وضع التشريعات الخاصة.
الثاني. خلو قواعد القانون المدني العراقي من معنى التجانس، وهو معنى لا يتوفر الا عن طريق تنسيق جامع تتماسك بفضله الاحوال العامة، وتهذب الاحكام التفصيلية تهذيباً يحكم ارتباطها فيما بينها، ويحلها المحل المناسب في كنف هذه الاصول، ولا يتيسر هذا التنسيق ما بقي النشاط التشريعي موزعاً متقطعاً، ولكنه يتاح بتعديل شامل يتناول قواعد القانون المدني في جملتها، دون ان يقتصر على جوانب او فروع منها.
لذا عني معدو مشروع القانون بهاتين الناحيتين عناية خاصة، فحرصوا على أن يجمعوا شتات قواعد القانون المدني بين دفتي تقنين واحد، وبذلك عادت أكثر القواعد المشتتة الى مكانها المناسب من هذا التقنين.
ومن ابرز الامثلة على ذلك، وضع الاحكام التي تضمنها قانون الاراضي والاحكام المتعلقة بالتأمينات العينية في صعيد واحد مع سائر الاحكام الخاصة بالملكية والحقوق العينية، وقد جهد المشرع في التنسيق بين الاحكام التي اشتمل عليها، فألفت بين ما استمد من الفقه الاسلامي وبين ما اشتق من غيره من المصادر، وبذلك تظل للفقه الاسلامي مكانته، وتظل الاسباب موصولة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
وبهذا تسنى له أن يحقق غرضين :
1- إفساح المجال لأحكام كلية تتركز فيها نظريات عامة، أخصها نظرية الالتزام.
2- الثاني وهو الاخطر ، التمهيد للقانون المدني العربي.
والمعروف حين ذاك أن بلاد المشرق العربي تنقسم الى فريقين :
1- بلاد المجلة: وهي بلاد كانت تعتمد اعتماد رئيسا على ( مجلة الاحكام العدلية ) كالعراق وفلسطين وشرق الاردن.
2- بلاد التقنين المدني الحديث : وهي بلاد أخذت بنظام التقنين، واقتبست من تقنينات الغرب، لا سيما التقنين الفرنسي، كسوريا ومصر ولبنان وتونس ومراكش، علما أن معظم بلدان المجلة في يومنا هذا، قد أخذت بالتقنين الحديث كالاردني سنة 1976وآخرهم فلسطين وغزة سنة 2012.
وقد رأت لجنة تشريع القانون المدني العراقي أن يكون مثالاً لما ينبغي أن يكون عليه التقنين المدني في البلاد العربية، فجُعل مزاجا متألفاً يجمع بين قواعد نقلت عن الشريعة الاسلامية، و قواعد نقلت عن التقنينات الغربية .
وهو بتكوينه هذا يحكم التنسيق بين هذين المصدرين، فيتسع لمواجهة اوضاع الحضارة الحدية ويستحث الجهود لدراسة الفقه الاسلامي دراسة مقارنة تمكنه من مسايرة الاوضاع الحديثة، وبهذا يمهد السبيل لقانون المدني العربي.
إن إحياء الفقه الاسلامي على النحو المتقدم، ما من شك من أنه سيصبح مصدراً يفيض بالحياة والحركة ويكون خليقاً بأن يؤسس عليه وحده، تقنين مدني حديث.
ولم يالُ المشروع جهداً في التنسيق بين الأحكام التي استقاها من مصدريه الاساسين ؛ الشريعة الاسلامية والقوانين الغربية فاندمجت جميعا في ضرب من الوحدة يكاد أن يخفي معه ازدواج المصادر وتباينها، وبذا يسرت جمع كثير من التطبيقات من مجلة الاحكام العدلية ومن آثار فقهاء المسلمين بوجه عام، ومن التقنينات الغربية على حد سواء .
ويلاحظ ان مشروع القانون المدني قد حدد لنفاذ القانون مرور سنة واحدة من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، معللاً ذلك، أن المشروع جاء محتوياً على الكثير من الاحكام الجديدة، وعلى مصطلحات وتعابير لم يألفها أكثر الحكام (القضاة) والمحامين وسائر رجال الحقوق، فلا بد من تحديد مهلة ملائمة ينفذ فيها القانون، ليتسنى لذوي العلاقة بالقانون المدني من حكام ومحامين وغيرهم من الناس أن يتفهموا نصوصه واصطلاحاته، تفادياً من وقوع التشوش والخبط في الأحكام.
ولكن عندما صدر القانون المدني ونشر في جريدة الوقائع العراقية (الجريدة الرسمية) في العدد(3015) في 8 ايلول سنة 1951 بنسخته التي بين أيدينا قيد التداول جاء في المادة (1382) منه، أنه ينفذ بعد مرور سنتين من تاريخ نشره لا سنة واحدة.
وآخر ما نختم به، هو ما أخبرني به أحد كبار رجال القانون في العراق من أن الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئيس اللجنة، بعد أن أتم صياغة مشروع القانون، أوصى زملاءه العراقيين قبل مغادرته العراق، بأن لا يضعوا العرف قبل الشريعة الاسلامية عند ذكر مصادر القانون، حتى لايتعرضوا الى ماتعرض له هو نفسه من غضب وسخطٍ من رجال الدين المصريين والازهر عندما أنجز القانون المدني المصري الذي ترأس لجنة اعداده كما مرَّ بنا سابقاً، وجاء العرف فيه متقدماً على الشريعة عند تعداد مصادر القانون المدني المصري.
وفعلاً جاءت المذكرة الايضاحية موضوع كلامنا هذا وقد وضعت الشريعة الاسلامية دون التقيد بمذهب معين كمصدر ثانٍ للقانون المدني بعد التشريعات ثم العرف ثالثاً.
ولكن عندما صدر القانون المدني ظهر أنه تم تجاوز نصيحة الدكتور(السنهوري)، فقد جاء العرف قبل الشريعة الاسلامية كمصدر من مصادر القانون مطابقاً لما ورد في القانون المدني المصري.
ويبدو ان ذلك التغيير كان من عمل اللجنة الحقوقية في مجلس النواب، وليس من عمل لجنة اعداد المشروع، لأنها كما ورد في الاعمال التحضيرية الجزء الاول ص 11، قدمت الشريعة على العرف كمصدر للقانون، ولا من عمل مجلس النواب، لانه وافق على مشروع القانون جملة واحدة بعد ان أعدته اللجنة الحقوقية ودرسته درساً وافياً، كما جاء في الجزء الرابع من الاعمال التحضيرية ص 21.
الـمصـــادر
• المذكرة الايضاحية المختصرة لمشروع القانون المدني، وضعها منير القاضي، مطبعة الحكومة، بغداد ، 1948.
• جريدة الوقائع العراقية، العدد 3015 في 8 ايلول 1951.
• القانون المدني مع مجموعة من الاعمال التحضيرية (أربعة أجزاء)، اعداد لجنة من فقهاء القانون، مطبعة الزمان، 1998.
• القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 وتعديلاته، صباح صادق جعفر الانباري، مطبعة الخيرات، بغداد، الطبعة السادسة 2013.
• تاريخ نقابة المحامين العراقيين، المحامي أحمد مجيد الحسن، ج1، مطبعة الكفيل، كربلاء المقدسة، 2019.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

425 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع