

تيه الجنوب / الجزء الثالث عشر - صحراء التيه
رمال وغيوم خفيفة الظل، وشجيرات متفرقة على الجانبين، واحلام أوشكت ان تتحقق مع دوران اطارات السيارة المسرعة في طريقها من المستوصف الأمريكي قرب سوق الشيوخ الى القاعدة العسكرية القائمة على أطراف الصحراء. في الطريق رهبة مُرةَ، يعود أمرها الى هذه الصحراء التي عُرفَت بقساوتها، وهجران أهلها لها منذ عشرات السنين، لقد تركوها مرتعاً للأشباح، وتركتُ انا سيارة الفولفو تتوسط في سيرها الحذر مدرعتي همر في طريق يتمهل سائقيها في السير عليه، وكأنهما في موقف قتال، أو أنهما يتحسبان لأمر من هذا النوع بسبب عدم الثقة بأهل المكان.
قاعدة أو واحة وسط صحراء، تحيط بها أسلاك شائكة، مكهربة أجزائها، ترتفع فوق بعض مواضعها هوائيات للاتصال اللاسلكي، بابها الرئيسي من الحديد يتحرك بالكهرباء، تنتشر في محيطها الداخلي ناقلات همر مدرعة لكتيبة استطلاع عميق، تغطيها شباك غش، اتخذ الجنود من ضلالها مرتعاً للراحة والنوم، أكثر من تلك المهمة التي صممت من أجلها حجب أنظار العدو من بعيد. عدوهم على هذه الأرض غير موجود، تركهم وباقي الأشباح يقيمون قواعدهم على أسطح رمالها دون استحياء.
أنتصف النهار عند الوصول. وقفت سيارتيّ الهمر، فأعطى قائدها العريف أدور إشارة التوقف لسيارتنا عند الخيمة اليمنى، كانت هذه الخيمة واحدة من اثنتين تنتصبان وسط هذه الغابة من ناقلات الاشخاص المدرعة.
تفضل سعادة السفير، أشر العريف أدور ثم قال:
- إن هذه الخيمة لك وللعائلة، ستقيمون بها حتى تنتهي الإجراءات الأصولية، أما تلك الخيمة التي على يسارك فهي للسيد العقيد برادلي آمر الكتيبة.
دخلنا الخيمة فوجدناها قد أعدت للعائلة حسب المعلومات التي تجمعت من لقاء الأمس في المستوصف. أرضيتها مطاط مضغوط، ملحق بها حمام، ومرافق صحية على جنب، وضعت داخلها ثمانية أسرة سفرية هو العدد الكلي لأفراد عائلتنا، وطاولة مدورة في زاويتها اليسرى المقابلة للباب، عليها صحن فاكهة طازجة وعلب مشروبات غازية وقناني ماء، وبعض أنواع من النستلة.
رجا الضابط المسؤول عن العلاقات أخذ راحتنا داخل الخيمة، ثم تقدم لنا بعد دقائق لتحديد بعض الاجراءات. حاول أن يكون ودوداً، مزح بالقول:
- ها أنكم الآن في أمريكا، موعد اللقاء مع الآمر في الساعة الرابعة عصراً داخل مقره في تلك الخيمة القريبة، أتمنى أن تتمتعوا بقدر من الراحة حتى موعد اللقاء.
توزعت البنات على الاسرة الموجودة، في الوقت الذي جلست أنا على كرسي كان موجوداً حول الطاولة الشاخصة في اليسار، أتأمل الوضع الجديد، سألت نفسي:
هل حقاً ضمنت النجاح في تحقيق الحلم الموعود؟.
وهل يعطيني الوضع الجديد فرص التكلم بأعلى صوتي لأروي قصتي وبقية الزملاء؟.
هل حان وقت التحاور مع العالم وأدعياء حقوق الانسان عن صديقي لؤي المحمود الذي لم يكتف السجانون الذين كان في داخل كل واحد منهم ذئب يفتش عن فريسة، وثعلب يهوى المكر في سرقة الأرواح من أصحابها؟.
رحت مسترسلاً أضع كدمات حزني في هذه الخيمة العسكرية، غير آبه لما يجري في داخلها، وما تفعله نجلاء في تنقلها قفزاً من سرير الى آخر في مكان تخيلتهُ مدينة العاب، عندما لم يقبل عقلها الثاقب قبوله سكناً على أطراف الصحراء. حاولتُ البوح بمحتويات ذاكرتي، المؤلم منها لمن حولي بعد إحساس هائم بفك قيودها الجائرة هنا والآن، ماتت الكلمات في محجرها، وبموتها عاودتُ التذكر دون بوح، لواقعة الحرق، طريقة الاماتة، أنين العميد لؤي أول السيل الجارف للذكريات في هذه البقعة البعيدة من أرض العراق.
توقفت عندما أفلتت الذاكرة صوراً شمية لرائحة اللحم الآدمي المشوي، ملأ فحيحها أنفي المزكوم، كأن مواقدها تشتعل من جديد هنا والآن.
التفتُ الى من حولي وجدت الجميع على أسرتهم باستثناء نجلاء التي لم تهدأ بعد، فحمدت الله أنهم لم يشونني حياً أنا أيضاً، وغصتُ ثانية في عالم ذكريات، فيها عبد الله ذلك الحارس الذي جاء الى قاطع السجن عصراً ماسكاً بيده سلماً معدنياً، وضعه على الأرض أثناء تجمع كان قد طلب اتمامه قبل المغيب، عمل قرعة بين الواقفين، قال:
- من يظهر اسمه، فقد اختاره الحظ أن يتقدم، يصعد دون كلام. هنا والآن ممنوع الكلام، وممنوع الأنين، إنها لعبة حظ.
جاءت النتيجة عليّ فصاح هذا هو المطلوب، اصعد هذا يوم سعدك.
الصعود كان مراً، لكني صعدت وتمددت كما أراد، نادى سرمد، طلب منه احضار حبل موجود في المطبخ، ليربط جسدي بعد أن وصفه بالعفن. لم يتأخر سرمد، نفذ الأمر في الحال، فالتأخير غير وارد في قواميس الحراس القائمين على تنفيذ برنامج التدجين.
اكتمل الربط المحكم بثوانٍ، وعيون الحاضرين شاخصة تحاول معرفة القادم من الخطوات، غير مطمئنين للنتائج التي تأتي مفاجئة في كثير من الأحيان.
حليم وسرمد يؤمران بحمل السلم ومن رُبط عليه، والدوران به ركضاً على شكل دائرة أجلسَ وسطها شكري، ومن بعد هذا أوقف الدوران ليوقف السلم عموديا ويتركه حتى يسقط مرة من اتجاه القدمين، ويعيدون ايقافه مرة أخرى ليسقط من اتجاه الرأس.
وقف عبد الله في وضع الفرجة فرحاً من تجربة أجراها للحظ العاثر، وحارس آخر أخذ من شباك غرفة الخفر المطل على باحة القاطع مكاناً لتصوير ما جرى بكامرة تصوير ڤيديوي صغيرة. أخر مشهد، لقطة فيها السلم متكئ على حائط القاطع، مقلوب فيه الرأس نحو الأسفل، وأوصال أحسها مقطعة، تخيلتها مكومة أمامي مثل جثث جنود تناثرت أشلائها بانفجار لغم، اعتاد تلفزيون بغداد الحكومي عرضها في برنامجه اليومي صور من المعركة.
قال هذا يكفي كأنه مُخرج لمشهد فيلم رعب، جاء أداء الممثلين فيه مطابقاً للسيناريو المكتوب، وقال لبقية الزملاء من المساجين، اذهبوا الى غرفكم، واتركوا صاحبكم على حاله حتى صباح الغد. لا أتذكر إني غفوت لحظة، إذ ومع كل نفس أتنفسه أحس وكأن معدتي تُقتلع من مكانها تحاول الخروج من فمي المقلوب دون سيطرة مني.
سقطت بعض دموع على خديَّ دون سيطرة على منابع لها يتحكم بها الحزن، وليست الارادة، تنبهت شيماء الى آخرها كانت بحجم قطرة مطر صيفي. سألت عن السبب، وقبل حصولها على الاجابة التي تريد، طلبت الانتباه الى وجه والدتها وقد بدا شاحباً تكسوه الصفرة بشكل واضح. استعجلت النهوض من مكاني، قصدتها راقدة على السرير، تئن من وجع شديد في الصدر، وخدر في اليد اليسرى. وجع تحسه لأول مرة طوال حياتها المليئة بالآهات. اقتربتُ منها، كان جسمها ينز عرقاً، كل بقعة منه تكسوه الصفرة بلون الكركم، نَفَسها يخرج بصعوبة، كأنها تعاني مشكلة استنشاق للهواء، رأيتها تقاوم نوبة جديدة من الغثيان، فتجمدت أوصالي خوفاً عليها، لعلمي حسب خبرة لي في هكذا نوع من الأوجاع، أنها ذبحة صدرية، عرفتها جيداً يوم ضربتني في برلين وبغداد. ودون وعي مني خرجت من الخيمة مذعوراً لا أعرف ما أعمل، سوى مناداة أول عسكري أمريكي أراه قريباً، لأطلب طبيباً على الفور، فالأمر طارئ.
لم تمضِ ثلاث دقائق حسبتها جيداً، حتى حضر طبيب الوحدة شاب في الثلاثين من العمر، تؤشر هيئته وتقاسيم وجهه أنه من أصول صينية، فحص الضغط أولا، فوجده مرتفعاً بنحو حاد، وأكمل فحوصات متعددة لضربات القلب والتنفس قال عن النتيجة، بوادر ذبحة خفيفة، لأسباب انفعالية تتعلق بالانتقال الى الوضع الجديد. أكد الحاجة الملحة الى دواء لخفض ارتفاع الضغط، وإذابة التجلط في الدم، لكنه غير موجود في هذه الوحدة التي يعد جميع منتسبيها من الشباب. حاول الطمأنة بقليل من الكلمات التي فهمت منها التزام الراحة، وأخذ حبتين فاليوم للاسترخاء، وهو من جانبه سيتدبر العلاج اللازم بعد ساعة من مستشفى الميدان الرئيسي.
انقضت الساعة ونحن السبعة نقف حولها وكأننا حراس يرومون تجنيبها الأذى من فعل خارجي، هبطت في تمام انقضائها طائرة اسعاف سمتية، نزل منها طبيب اختصاصي باطنية ومترجم الى العربية، ومجموعة أدوية. أجرى فحصاً سريرياً، عمل تخطيطاً للقلب، أشاد بتشخيص الطبيب العام لهذه الوحدة. وقف عند رأسها حتى تناولت جميع الأدوية. قال انه وطاقم الطائرة والمترجم سينتظرون حتى زوال تأثير التجلط، وهبوط الضغط الى المستوى المطمئن طبياً.
............
رحب العقيد برادلي بيَّ ضيفاً في خيمته حسب الموعد المحدد، سأل مجاملة عن أحوال الزوجة، وإن توفرت في جعبته تفاصيل مرضها. أشار الى ارسال الوثائق المستنسخة الى المقر القيادي الأعلى، للبت في موضوع المغادرة الموعودة لأرض العراق، والى السياقات التي تقتضي الانتظار أيام سوف لن تدوم طويلاً للحصول على نتيجة توقعها إيجابية، حسب القوانين الامريكية التي تسمح بإجلاء المدنيين من ساحة حرب تكون فيها الولايات المتحدة طرفاً، وقبول ضيافتهم.
هكذا استمر الحديث مجاملة عرفَ من خلاله أن اصولي عسكرية، ضابط مظلي سابق، فحوله باتجاه القفز، ومخاطر الأجواء والطائرات الأنسب، وعدد المرات التي سجلها قفزاً حراً، وامتلاكه شهادة تقدير في هذا النوع من القفز، وبينت من جانبي بعض تجاربي العملية في القفز بعدة أجواء، لينتهي الحديث بإعادة الترحيب والمشي مجاملة الى حدود الخيمة الخاصة بالعائلة، خمسون متراً على وجه التحديد.... خيمةٌ كانت تعج بالحركة، اذ لم يتّعود سكنتها التجول بين العسكر، فأصبحت بنظر البنات مكاناً محصوراً لابد من التحرك فيه، وأصبحت بالنسبة الى الأُم ردهة مستشفى، أما أنا فبقيتُ عند رأيٍ قلته بداية الطريق الى سوق الشيوخ، "أن المرور من الباب المؤدية الى تحقيق الحلم الموعود سيكون صعباً"، وعلى أساسه طلبت بإلحاح، أن يكون الصبر سبيلاً الى تحمل أعباء قيود التحرك، في ملعب الخيمة الصغير.
حل اليوم الرابع في الخيمة التي نتقاسمها مأواً وملعباً وسجناً في آن معاً. اقترب منها عصراً جندي كأن اصوله أفريقية. نادى بصوت جهوري:
- سعادة السفير، يود الآمر مقابلتك لأمر مهم سيدي.
- نعم سأكون عنده بعد عشر دقائق.
انتهت العشر دقائق، ولما دخلت خيمته، لاحظت بشائر الفرح واضحة على وجهه الأبيض المدور. اتجه للخروج من خلف طاولة صغيرة كان يجلس خلفها، مبتسماً كمن حقق انتصاراً في معركة صعبة، تكلم بهدوء معطياً المجال الكافي لأن أفهم القصد ثم بارك، حصول الموافقة على اللجوء والعائلة الى الولايات المتحدة الامريكية، راجياً التهيؤ حتى وصول الطائرة السمتية بغضون الساعات الثلاث المقبلة. قدم تفصيلاً للرحلة قائلاً:
- ان الطائرة القادمة ستقلكم الى قاعدة خالد الجوية في المملكة العربية السعودية، ومن هناك وبالتحديد صباح الغد ستأخذون طائرة عسكرية (سي 130) الى الولايات المتحدة الامريكية. يمكنكم اختيار الولاية التي تودون العيش في ربوعها، فالولايات المتحدة قارة، ولكل ولاية نظامها وطبيعة عيش فيها مختلفة عن الأخرى، أنصح التوجه الى كاليفورنيا فهي غنية، جوّها معتدل طوال السنة، لا تعاني مشكلات تمييز عنصري.
كانت مفاجأة لم تكن في الحسبان، دفعتني الى التعليق على الموافقة بصيغة تعجب:
- الى أمريكا؟.
- نعم أمريكا.
- لكن أمريكا لم تكن في حساباتي.
معضلة لم يتم إدراكها أو وضعها بالحسبان من قبل، وكأن حلم الهروب عمل غشاوة أمام مصدات التفكير، حيث لم أحسب عيشي والبنات في أمريكا، التي وبمجرد ذكر اسمها ثارت في داخلي رعشة قلق، لم يتنبه الى حصولها الآمر.
فكرت على الفور بالبنات اللواتي تقع أعمارهن في سني المراهقة. سألت نفسي كيف لي التعامل معهن في أمريكا؟. أمريكا التي امتلأت ذاكرتي بمساوئها في تثقيف حزبي شربته علقماً عدة عقود.
لا. لا يمكنني الذهاب الى أمريكا، لم يخطر في بالي خروجنا من بيئة مقيدة جداً الى أخرى منفتحة جداً.
لا أستطيع الذهاب الى دولة أحمل ثقافة الضد الحزبية من وجودها، امتلأت ذاكرتي بتعابير العداء لها دولة عدوة للامة العربية. ماذا سأقول لزملائي؟، وماذا أقول لنفسي؟.
لا. لن أذهب الى أمريكا. أسئلة وعبارات وإن مرت في العقل دون أن تظهر على اللسان، لكن العقيد لاحظ التمتمة وشرود التفكير، بعيداً عن أمر افترض حسن وقعه على النفس الهاربة من الظلم، فسأل: ما الأمر؟.
- لا أستطيع الذهاب الى الولايات المتحدة الامريكية بسبب وضع عائلتي الخاص.
- نعم!. قالها بصيغة تعجب.
أفصحت عن عدم رغبتي الذهاب الى أمريكا، بسبب العائلة، متحججاً بست بنات قسم منهن شباب. وكرد فعل سريع قال: وما المشكلة، فنصف أمريكا نساء، وقسم كبير من النصف بنات، الجميع يعيشون بالاعتماد على النفس، وفي حرية مطلقة.
علقت هنا بعبارة قصيرة (هذه هي المشكلة). لكنه لم يفهم قصدي، وعندما أدركت عدم قدرته على استيعاب طبيعة المشكلة، قلت انها مشكلة يصعب شرحها.
عاود الجلوس حول طاولته الحديدة الصغيرة، وكأن حماسته للموضوع قد خفتت، وحل محلها الجد، فسأل عن الجهة التي أريد الذهاب اليها، قلت: المملكة العربية السعودية، ومنها الى سوريا.
توقف عن الكلام، وكذلك فعلت، وكأننا سويا في مأتم. ذهبت لحظتها بعيداً في تفكيري، شردت به ثانية الى سوريا معتقداً أنها ستكون محطتي الأخيرة، لحسابات حزبية سياسية، أما السعودية فهي مجرد محطة سوف لن أتوقف فيها أكثر من اسبوع، ها أنذا قد عدت بتفكيري الى سوريا والى الأدب السياسي القومي الذي نشأت وتربيت عليه، والى استقبال لي ولعائلتي، توقعته سيكون حافلاً من قبل حكومتها وقيادة الحزب. لكن الآمر الذي خرج من صمته قطع الوقع الدائر للتفكير قائلاً: هنا انتهت مهمتنا، الذهاب الى السعودية ليس من مسؤوليتنا، ولم يندرج ضمن قوانينا في الحرب، وفي هذه الحالة عليك الذهاب بسيارتك وعلى مسؤوليتك الخاصة. لكني سأقوم بإعطائك مخطط توضيحي للطريق، وأملأ خزان سيارتك بالوقود، وأزودك بكتاب عدم تعرض نافذ في عموم المنطقة بين العراق والسعودية التي توجد فيها قوات التحالف. سكت قليلاً وسأل عن الوقت الذي أرغب فيه مغادرة معسكره.
نظرت في ساعتي مكسوراً، فوجدت الوقت متأخرا لهذا اليوم، فقلت يوم الغد سيكون مناسباً في جميع الأحوال، وتركت الخيمة حاملاً معي الكثير من مشاعر القلق والاكتئاب، أما هو فلم يخرج لتوديعي مشياً الى خيمتي كما فعل في المرة الأولى، ولم اشأ أن أسأل نفسي أو أشغلها بالسبب.
اقتربت الساعة من الحادية عشرة ظهراً، حيث اكتملت عند اقترابها جميع التحضيرات الخاصة بالتحرك صوب الحدود تبعاً لذاك المخطط المرسوم يدوياً. وَدعَتُ الآمر مجاملة، شكرته حسن الضيافة، وجهود التحصيل على لجوء لم يحقق الحلم الموعود، فاكتفى بابتسامة فيها عتب ردا لهذه المجاملة البسيطة.
وضعت المخطط، وكتاب عدم التعرض بمواجهتي أسفل زجاج السيارة الأمامي. شرعتُ متوكلاً على الله وحدسي في السير باتجاه الحدود، حسب المسافات على عداد السرعة. أبقيت الشمس على يساري بزاوية تزيد عن الخمسين ساعياً المحافظة على استقامة الاتجاه.
ست ساعات كان فيها الصمت مطبقاً داخل السيارة، وكأن الواحد من ركابها الثمانية منشغل بأمر يختلف عن الآخر، باستثناء نجلاء التي كانت منشغلة بالتحرك في المكان الذي تجلس فيه، وكان متوسط سرعتنا ثمانين كيلومتراً في الساعة، لم نحد طوالها عن الاتجاه. نظرت من النافذة أراقب المشاهد الصامتة للصحراء التي راحت تتوالى أمام عيني لوحة بائسة، وبعد لحظات لاحت في الواجهة كثبان رملية، من فوقها أخذت لها الشمس الضخمة وضعاً لتغطس في تيه الصحراء.
حسابات المسافة والاتجاه واشارات الدلالة على المخطط لم تذكر أية كثبان. في تلك اللحظة عاودت مخاوف الطفولة المكبوتة ذاكرتي، فسألت من حولي عن الكثبان، لم يجب أحد بسبب عدم معرفتهم شيئاً عن المخطط وعن الصحراء. فأعدت السؤال بصيغة كمن يكلم نفسه: أين هو الطريق المعبد؟. فلم يجب أحد أيضاً، وقد كسا الخوف تعابير وجوههم.
اقتربت من الكثبان، استنتجت أن اجتيازها مواجهة مسألة صعبة بل مستحيلة، وان المناورة باجتيازها جانباً مجازفة قد تفضي الى مزيد من التيه.
حاولت التفتيش عن خطأ تسبب في مواجهة الكثبان، عجز إدراكي المقيد بالقلق من اكتشافه في هذا المكان النائي من أرض العراق. خشيتُ من سير في التيه لهذا الليل الذي سيحل عن قريب، فأصبت بخيبة أمل ألزمتني الاستدارة والسير عكس الاتجاه السابق، وعلى حدسي وخبرات قديمة في تحديد الاتجاه تقديرياً.
مررنا في طريق عودتنا قسراً، على نياسم طرق مليئة بشظايا قنابل منفلقة من معارك مدفعية، دارت عن بعد قبل أيام، مبعثرة فوق الرمال، مدببة نهاياتها كالمسامير، ثقبت احداها الإطار الامامي الأيمن للسيارة، ومن بعد خمس كيلو مترات مَزقّت أخرى الاطار الخلفي الايسر.
توقفت حائراً، بعد الحاجة الى اطار رابع لإكمال المشوار من مكان لا تمر منه سيارات ولا بشر. سألت نفسي عن كيفية الخروج من هذا المأزق وسط صحراء لا ترحم، فلم أجد إجابة تخفف مقادير انفعالي قلقاً، سوى الاستمرار في السير على دولاب الحديد. وقبل الشروع بالسير تمنيت لو كنت نفسانياً لأسجل مشاعر قلق لف جسدي في هذا المكان النائي مثل سمك لفه شباك صيد جائر وسط البحر، فجاءت غيمة سوداء زادت من وقع البؤس، وضاعفت كم القلق، بعد أن عجلت من حلول الظلام قبل اكتمال المغيب، وأطبقت على المكان سكوناً مرعباً، ليصبح وكأنه قد خلا من كل هسيس، فأوجد في داخلنا كماً من الهم والاكتئاب لم نخبره من قبل، كذلك لونت وجوه البنات بصفرة مخضرة، كأن الدم توقف في عروقها عن الجريان، كما أنهت حركة نجلاء الطفلة التي لا تحب الظلام، حتى غاصت في حضن أمها بلا حراك، إلا لعينين تفتشان عن سبيل الخلاص من ظلام مخيف.
شل القلق الغامر جل التفكير، الا من توقعات تتعلق بأشباح الصحراء، وقد اقتربت من عملية البلع، كما فعلتها مع غيرنا وردت أخبارهم عرضاً عند أهالي سوق الشيوخ. التفكير في البقاء داخل السيارة طوال الليل لا ينفع، وقد تأتي الأشباح في أي وقت تشاء. الاستمرار في السير على دواليب الحديد قبل حلوله هو الخيار المتاح لتفادي هذا وذاك، لكن السير بها على الرمال الوعثاء مسألة صعبة، بل وتقترب من المستحيل، لكن لا حل سواها من أجل الوصول الى الطريق السريع ومن ثم عوداً الى سوق الشيوخ.
ذَهبت الغيمة سريعاً فبانت شمس الصحراء قريباً من الغروب نعسةً، وقد أبقت خيوطاً منها كانت متناثرة على يميني، وتحول الحلم بسببها من حدود تأملتها سبيلاً في أن تنقلنا لذاك العالم الآخر، الى طريقٍ أردناه أميناً يعيدنا الى سوق الشيوخ. لكن الشمس الدالة على الاتجاه لم تصمد طويلاً، فنعاسها تحول الى غفوة مسن، وكأن الأشباح التي تكلم عنها أهل سوق الشيوخ قد ابتلعتها فجأة عند مرور غيمة أخرى دهماء، فكونت جواً يسوده التوتر، دفعني الى ممازحة نجلاء لتبديد تزايده.
ليل هذه الصحراء أليل، أين ما يولي فيه العابر وجهه تطارده حشود الأشباح التي تنطلق مسرعة من خلايا الذاكرة المليئة بصور مشوهة عنها، وبقية مخلوقات تكونت غريبة من حكايات الجدة أيام زمان. ألزمتُ نفسي لأن أوقف انطلاقتها بقص الحكايات، التي بات نموها غزيراً مثل عشب هذه الصحراء في مواسم المطر، أردتها سلاحاً لمواجهة الخوف، فهي كذلك بالفعل، فتابعت قص الحكايات لساعات، وكذلك تتبع الأثر على ضياء السيارة، حتى دخلت رمالا صماء متحركة، لا يمكن السير عليها الا لجمال خُلقت للسير على هكذا رمال تنغرز فيها الأقدام. فانغرزت دواليب سيارتنا الأربع.
بكت نجلاء في حضن إمها، واصفرت وجوه البنات وكذلك، الأُم التي لم تمض على اصابتها بالجلطة القلبية سوى أيام.
وضعت يدي على مقود السيارة كي أفكر، لم تسعفني الذاكرة بشيء يذكر، نزلت منها عجلاً، درت من حولها مرتين، فلم أجد حلاً للخروج من تمسك الرمال بدواليبها الأربعة، وكأنها لا تريد الفكاك، ولا من أخرى جاءت مدفوعة نحونا بفعل الرياح الغربية لتستفيد من حاجز الريح الذي كونته السيارة لتبني لها كثباناً في المكان، فدرت ثالثة ورابعة، فهداني الخوف أن أحفر بيديّ حول تلك الدواليب الغائصة في الرمل، عساني أجد صخرة أضعها في الأثر، تساعد الدولاب لأن تتمسك بها في قفزتها الى الأمام، فكانت الكومة التي أخرجها ترتد أضعافها رملاً الى المكان تغطي الحفرة من جديد، وتزيد من كم الخوف، حتى كدت أتقيأ.
حل الليل تماماً، فكان ليلاً، هدوءه موحش، وكان القمر قد اعتلى مكانه في زاوية من السماء التي انتشرت في ربوعها قوافل النجوم، كأنه صعد منبراً لينشر من مكانه ضوءاً على أشباح الصحراء، يدفعها الى الخروج من مكامنها. صحتُ من مكاني جالساً قرب الدولاب الأيسر، اطفئوا ضياء السيارة كي لا ينضب شحن البطارية، فانطفأ الضوء، ومن بعده زادت الوحشة. بقيت هكذا أحفر في المكان، أتنقل من دولاب الى دولاب آخر، حتى اكتشفت أن ما أقوم به مجرد إقناع لذاتي المتعبة من أني أفعل شيئاً، يبعدني قليلاً عن الاستسلام، ويقنع من حولي أني لم استسلم بعد.
فَتحَتْ شيماء باب السيارة دون استئذان. فقلت وأنا في طريقي الى النهوض من المكان الذي أقحمت فيه قسراً كحفّار قبور: ماذا تفعلين؟.
قالت: لابد أن أفعل شيئاً أساعد فيه. ثم جلست في المكان تحفر، واستمرت في الحفر الباهت، دقائق سمعتُ فيها قرقعة خبط غير نظامية على باب السيارة التي انفتحت، وصوت من نجاة يقول، اصعدوا فهناك أشباح متجهة الينا ركضاً.
دفعتُ شيماء الى داخلها وأغلقت الباب، ومن بعدها وجدت نفسي خلف المقود ثانية دون معرفة مني كيف تم هذا وبهذه السرعة غير المعقولة، لكني فعلتها، وبعد اتمام فعلها فتحت ضياء السيارة وأدرت محركها، لأوجد في ليل هذه الصحراء الهادئ بعض من ضوضاء لم تعتدها الحيوانات، ولا الأشباح. شاهدت مجموعة ضباع، اقتربت أربع منها، وقفوا أمتارا منا.
قالت شيماء: هذه الاشباح التي تكلم عنها أهل سوق الشيوخ.
وقالت نجاة: لا. إنها كائنات الرمال قرأت عنها في أساطير البابليين، تستيقظ بداية الليل، تلملم رزقها وتعود الى جحورها بداية النهار، وقبل أذان الفجر بالتحديد، ستبقى تراقبنا حتى حلول الأذان، اكتموا انفاسكم فهي تشم رائحة الأنفاس من بعيد.
كان لكلامهن وقع السهام على باقي البنات، حتى دفن رؤوسهن في جنبي أمهن التي باتت مشدوهة، فقلت اهدأوا إنها الضباع، ألم تسمعوا عويلها، هي تخرج ليلاً للبحث عن طعامها، تقتات على الجيف، لن تهاجم من كان واقفاً، ومن لم تشم في جسده رائحة الخوف.
قالت نجلاء: إني جائعة، ناولوني طعاماً سيقتلني الجوع.
فانبرت شيماء من مكانها رافضة إخراج الطعام من مكمنه، كي لا تشمه الكائنات المتربصة في الخارج، ناصحة بعدم شرب الماء كي لا نضطر الى الخروج لإفراغ المثانات في هذا العراء الذي تتربص فيه الأشباح، قالت: أبي، ألم ترَ ضياءً لسيارات تسير على يميننا بمسافة بعيدة؟. فاتجهت أنظار الجميع الى اليمين ذاته.
كان ضياءً لأربع سيارات بالفعل، تسير بالرتل، خمنت حالها عسكرية، فبادرت بإنارة مصابيح سياراتنا بشكل متقطع، وبعد تكرارها لما يقارب نصف دقيقة، جاءتني اشارة من إحداها كانت في المقدمة، متقطعة أيضا وعلى الصيغة نفسها، ومن بعدها تحول اتجاهها نحونا. عندها دبت الحياة في البنات المأسورات، واستيقظت نجلاء من غفوة كانت تصطنعها للهروب من الموقف، وخرجت كلمة يا الله استنجاداً من ألسنة الجميع.
أربع سيارات، أزاحت بوصولها دثار الخوف، كانت دورية استطلاع مكلفة بمسح المنطقة، لم تعلن عن مهمتها، وَقفت الى جانبنا، نزل منها ضابط أمريكي، أشار الى أن أخرج رافعاً كلتا يدي، فنزلت منفذاً الأمر. انتبهت الى نفسي كأني أغالي برفعها، فأدركت مقدار الخوف الذي أعيشه والبنات.
نظر الى داخل السيارة، وعند مشاهدته العائلة، تراجع الى الخلف، وطلب انزال اليدين، ثم سأل عن الوضع، وبدلاً عن الاجابة عدت الى داخل السيارة لأخرج ورقة عدم التعرض التي زودني بها العقيد برادلي، وكذلك المخطط، فتعرف بتفحصها على كل التفاصيل.
قال: يمكننا نقلكم الى الخط السريع، ومن هناك تتولون امركم، نحن غير مخولين اجتيازه بأي حال من الأحوال. أجبته بعدم امكانية ترك سفينة نجاتنا وسط تيه الصحراء.
لم يفهم، فنوهت عن مهمتها في ايصالنا لما نريد هروباً الى السعودية، فنوه بالمقابل الى أن الحل الوحيد هو إخراج السيارة من وحلتها، ثم سحبها الى الطريق النيسمي غير البعيد عن هذا المكان، سبيلاً للوصول الى الخط السريع بسير مستقيم.
شكرته وقلت: نعم هذا هو الحل الأمثل.
تأمل قليلاً ثم أشار الى جندي من مجموعته، ليربط سلك السحب المثبت في سيارة الهمر بسيارتنا الغاطسة في الرمل، وبعد أن فعلها قال: أركب، سنخرجكم من هذا المأزق.
سار بنا ربع ساعة ثم توقف، وأشار الوصول الى الطريق النيسمي المقصود وقال: لا تخرج عنه فهو كفيل بإيصالكم الى الخط السريع الذي تريدون.
غادَرَنا ملوحاً بيده، علامة على الرضا عن أداء مهمته التي لا صلة لها بالاستطلاع.
خرجت من صمتي بعد ساعة مسير، وجهت كلامي مباشرة الى أُم شيماء، سألتها فيما اذا كانت ترى في الأفق خِيَماً بيض تعكس أسطحها شعاع قمر نافذ من بين الغيوم المتفرقة مثلما أرى، تبين أنها ترى كذلك مثلما رأيت، لكنها تجد صعوبة في التمييز، فحسمت أمري بالتوجه صوبها خياراً هو المتاح تجنباً لموت التيه في هذه الصحراء، كأنها المنقذ من تلك الأشباح التي ما زلت أحسها تجوب الصحراء. قرأت عبارات تحذير باللغة الانجليزية، تعني ممنوع الاقتراب من الأسلاك الشائكة المقامة كسياج لخمسين متراً، ساعدتني على فهمها شيماء معلمة اللغة الإنجليزية.
وجه جندي المقدمة ضياء خوذته علينا ونحن في داخل السيارة، أدرك قبل الاستفسار أننا عائلة تاهت في الصحراء، أطّلعَ على ورقة عدم التعرض، طلب منا البقاء في مكاننا وأبقى جنديين مسلحين لحين عرض الموضوع على الآمر المعني في هذا المعسكر.
عشر دقائق كانت فسحة الانتظار، حضر ضابط من هذه الوحدة، اعترض على ورقة عدم التعرض بالقول أن منحها للسكان المحليين، ليس من صلاحية العقيد برادلي.
لكنه منحها، واطلع على أوراقي، وحصل لي على اذن بالسفر الى أمريكا، قلت بصوت لا يخلو من مسحة تعجب، فرد: سنصادرها وما عليكم سوى التحرك من هنا على الفور، لأن المنطقة عسكرية.
........
ترجلت نجلاء متحررة من قيود الجلوس طوال النهار، وغالبية الليل في سيارة تسلل الى داخلها الظلام حتى سكن جوفها، وامتد لأن يبسط على الطريق غلالته السوداء. وَقفتْ الى جانبي متشبثة بالإبهام الأيسر، كأنها أدركت وهي بهذا الصغر من العمر أن وجودها هكذا يساعد في وقوف أصحاب السيارات، لإنقاذنا من وحشة الليل وأشباح الصحراء. إنها مازالت خائفة من سواد الليل وعتمته. من جانبي استحسنتُ الفكرة، قبلّتها تشجيعاً لأفكار عرفت بها ثاقبة من قبل، كنت أحملها على كتفي مرة، وأضعها على غطاء المحرك الخاص بالسيارة مرة أخرى، استقوي بها وتستقوي بي. ونحن هكذا نتناوب دور الاستقواء، لمحنا ضياء سيارة من بعيد، فأعدتُ حملها على الكتف، وأعطيت اشارة تعني طلب العون.
اقتربت السيارة أكثر، بدت كبيرة من تلكم التي تسحب مقطورة، جاءت وحيدة دون المقطورة، سائقها مستعجل يحث خطى الوصول الى المدينة القادمة، وربما يكون هو كذلك خائفاً مثلنا نحن الواقفون على جانب الطريق. وقف على الفور، لا يمكن تفسير أسباب وقوفه، هل كانت تعاطفاً مع الطفلة وأبيها والعائلة التي لم يرها بعد؟. أم أن هناك دافعاً آخر أجبره على التوقف؟. إننا لا نعرف وهو كذلك لا يعرف، قال فيما بعد أنه وجد نفسه مدفوعاً الى التوقف. وجّهَ ضياء سيارته القوي على سيارة الفولفو، رأى بعينيه أنها قد مشت على دولاب حديد، عندها ركن على جنب، أنزل زجاج باب مقصورته، سأل عن الحال، فأجبت: نريد الذهاب الى سوق الشيوخ، وقد انفجر اطاران من اطارات سيارتنا، ونحن الآن مصابون بداء العجز عن مواصلة السير، وبأمس الحاجة الى المساعدة اذا ما كان هذا ممكناً.
أقتنع السائق أبو حسام بالقصة التي قدمتها موجزةً. أبدى الرغبة بتقديم المساعدة بإيصالنا الى تل اللحم بخيار وحيد هو سحب السيارة بحبل سلكي بعد أن تأكد أن مقصورة القيادة لسيارته لا تتسع لثمان أشخاص هم أفراد العائلة المعزولة على شارع سريع في ليل موحش جوار الصحراء.
تل اللحم ليس بعيد عن بداية السحب، نصف ساعة فقط أوصلتنا اليه، هو في الأصل منطقة تَجمُّع، تحوي على محطة وقود خالية من المشغلين، ومن الوقود، وعلى بيوت خشبية جاهزة "كرفانات" متروكة، تبدو وكأنها تعود الى شركة كانت تعمل في المنطقة، سحبت منتسبيها قبل حصول القتال. القليل من هذه البيوت فيه نور بسيط والغالب يلفه الظلام، وأفراد يتجولون هنا وهناك. وآخر يقف قرب سيارة كورونا، كأنه ينتظر شيئا ما. تبين أن ما ينتظره نقل المارة التائهين بأجر طلبه عالياً أربعون ديناراً لإيصالنا الى سوق الشيوخ، في وقت عده متأخراً عند اقتراب الفجر.
****
للراغبين الأطلاع على الجزء السابق:
https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/thaqafawaadab/70517-2026-02-06-07-24-31.html

1036 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع