
محاسبة وشفافية
العرب/بغداد- كشف النائب العراقي محمد الخفاجي، الاثنين، عن تحرك رسمي لتدقيق الشهادات الدراسية لجميع مسؤولي الدولة في العراق، بدءاً بأعضاء مجلس النواب، بهدف التحقق من صحة الوثائق وكشف حالات التزوير والتلاعب التي طالما أثيرت حولها الشكوك على مدى سنوات.
وقال الخفاجي في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن "كتاباً رسمياً صادراً عن الدائرة الإدارية في مجلس النواب طالب أعضاء المجلس بتقديم وثائق تخرجهم للمراحل الدراسية الثلاث: الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، لغرض تدقيقها". وأرفق نسخة من الكتاب الصادر عن الأمانة العامة لمجلس النواب، مشيراً إلى "وجود حالات تزوير وتلاعب في وثائق بعض المسؤولين"، ومشدداً على "ضرورة كشف المتورطين ومحاسبتهم". وحذر من "محاولات تغيير الواقع أو ترتيب الأوضاع والوثائق عقب صدور طلب التدقيق"، مؤكداً أن "الإجراءات لن تقتصر على أعضاء مجلس النواب، بل ستشمل جميع مسؤولي الدولة".
وتأتي هذه الخطوة في وقت يتصاعد فيه الجدل حول ظاهرة الشهادات المزورة أو غير الرصينة بين أوساط المسؤولين والموظفين الحكوميين، وهي ظاهرة ليست جديدة على العراق. فمنذ عام 2003، شهدت البلاد فضائح متكررة تتعلق بتزوير الوثائق الدراسية، سواء في المراحل الأساسية أو الشهادات العليا. ففي عام 2016 أعلنت وزارة التربية اكتشاف 2560 شهادة مزورة، بينما سبق ذلك تدقيقات أوسع في سنوات سابقة. كما أثيرت في السنوات الأخيرة قضايا تتعلق بحصول نواب ووزراء ومسؤولين على شهادات عليا بعد تولي المناصب، أو من جامعات أجنبية أثارت الشكوك حول رصانتها، أبرزها فضائح جامعات لبنانية أدت إلى تعليق معادلة شهادات بعضها.
تعود جذور المشكلة إلى فترة ما بعد 2003، حيث أدت الفوضى الإدارية وتدمير كثير من السجلات الرسمية إلى استغلال البعض للثغرات في الحصول على وثائق مزورة أو معدلة. وساهمت الضغوط السياسية والمحاصصة في تولي أشخاص مناصب حساسة دون التحقق الكافي من مؤهلاتهم العلمية.
وفي تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أشير إلى آلاف الحالات من التلاعب بالشهادات بين المسؤولين الحكوميين والأمنيين، حيث استخدم التهديد أحياناً لإجبار مسؤولي الجامعات على التوقيع على وثائق وهمية. واستمرت الظاهرة لتشمل الشهادات العليا، حيث يحصل بعض المسؤولين على درجات ماجستير أو دكتوراه أثناء تولي المنصب، ما يثير تساؤلات حول جدية الدراسة والرصانة العلمية.
ويعد قانون أسس تعادل الشهادات والدرجات العلمية العربية والأجنبية رقم (20) لسنة 2020 أحد الأطر القانونية المنظمة لهذا الملف، إذ يحدد إجراءات المعادلة والمدد الزمنية للدراسة في الخارج، ويلزم الجهات المختصة بتقييم الشهادات وفق معايير واضحة. ومع ذلك، يرى مراقبون أن التطبيق بقي ناقصاً، وأن الحاجة ملحة لتدقيق شامل يشمل الشهادات الأساسية وليس العليا فقط، كما هو الحال في الطلب البرلماني الحالي. فالشهادات الابتدائية والمتوسطة والإعدادية هي الأساس الذي يبنى عليه التعليم العالي، وأي تزوير فيها يبطل ما يليه قانونياً وأخلاقياً.
في تصريحات سابقة، دعا نواب وناشطون إلى "وقفة" جادة في ملف الشهادات العليا، مشددين على ضرورة تشكيل لجان متخصصة تعتمد المقابلات العلمية وليس فقط الوثائق الورقية. وأشار النائب مختار الموسوي مؤخراً إلى أن الأعداد الكبيرة من حملة الشهادات العليا تثير علامات استفهام، داعياً إلى تدقيق شامل خاصة للشهادات الواردة من الخارج. كما حذر أكاديميون من أن استمرار الظاهرة يضرب مصداقية الشهادة الجامعية ويخلق إحباطاً لدى الطلبة العاديين الذين يخضعون لمعايير صارمة، بينما يحصل بعض المسؤولين على تسهيلات.
ويشكل تقديم شهادة مزورة جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات العراقي، وقد تؤدي إلى إبطال التعيين أو المنصب، لأن "ما بني على باطل فهو باطل"، كما أكدت فتاوى مجلس الدولة في قضايا مشابهة. وتشمل الإجراءات المتوقعة حالياً تشكيل لجان تدقيق مشتركة بين مجلس النواب ووزارتي التربية والتعليم العالي، بالتنسيق مع هيئة النزاهة، للتحقق من صحة الوثائق عبر السجلات الرسمية والمدارس والجامعات. ومن المرجح أن يطلب من المسؤولين تقديم النسخ الأصلية مصدقة، مع إمكانية الاستعانة بالملحقيات الثقافية للتحقق من الشهادات الأجنبية.
يحمل هذا التدقيق أهمية سياسية واجتماعية كبيرة. فالثقة في مؤسسات الدولة تتآكل كلما ظهرت فضائح تتعلق بمؤهلات القيادات.
ويطالب الرأي العام منذ سنوات بمحاسبة حقيقية بعيداً عن المساومات الحزبية التي غالباً ما أدت إلى طي الملفات سابقاً. وإذا نجح التدقيق في كشف حالات حقيقية ومحاسبة المتورطين، فإنه قد يمثل سابقة إيجابية تعزز مبدأ الكفاءة في تولي المناصب. أما إذا تحول إلى مجرد إجراء شكلي أو استُخدم لأغراض سياسية انتقائية، فإنه سيضيف طبقة أخرى من الإحباط الشعبي.
وتشير التجارب السابقة إلى أن عمليات التدقيق غالباً ما تواجه عقبات، منها الضغط السياسي ومحاولات التأثير على اللجان، أو صعوبة الوصول إلى سجلات قديمة مدمرة. لذلك، يشدد مراقبون على ضرورة استقلالية اللجان وشفافية النتائج ونشرها للرأي العام. كما يدعو البعض إلى تشريع يمنع شاغلي المناصب السيادية والتنفيذية والنيابية من الالتحاق بالدراسة أثناء فترة المنصب، مع إلزام الجميع بتقديم شهاداتهم للتدقيق الدوري.
ويمثل الطلب البرلماني الحالي فرصة حقيقية لمعالجة أحد أبرز ملفات الفساد الإداري في العراق. فالشهادة الدراسية ليست مجرد ورقة، بل دليل على الكفاءة والمصداقية. وإذا أُنجز التدقيق بجدية وشمولية، فإنه سيساهم في استعادة جزء من هيبة الدولة وثقة المواطن بمؤسساتها. أما الاستمرار في التغاضي فسيبقي الباب مفتوحاً أمام المزيد من التلاعب، ويعمق أزمة الثقة التي يعاني منها النظام السياسي منذ عقود.

778 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع