تبعات سبتة ... دول شمال أوروبا تلوح بترحيل لاجئين

العربي الجديد:لم تنتهِ تداعيات أزمة تدفق المهاجرين على سبتة عند حدود المدينة الخاضعة للسيادة الإسبانية في أقصى شمالي المغرب، بل بدأت موجة جديدة من عمليات إعادة طالبي اللجوء في عدة دول أوروبية، هذه المرة باتجاه إيطاليا باعتبارها الدولة التي وصل إليها هؤلاء قبل أن يواصلوا رحلتهم إلى الدول التي تقدموا فيها بطلبات لجوئهم.

وأعلنت كل من ألمانيا وسويسرا والنمسا وفنلندا والسويد وهولندا استئناف، أو التخطيط لاستئناف نقل آلاف من طالبي اللجوء إلى إيطاليا، لتصبح روما أمام احتمال استقبال أعداد كبيرة من الأشخاص الذين غادروا أراضيها إلى دول أوروبية أخرى قبل أشهر وربما سنوات مضت، رغم أن بعضهم بدأ العمل أو الدراسة، وبعضهم يعيش مع عائلة تضم أطفالاً.

وتستند عمليات النقل إلى "نظام دبلن" وقواعد الهجرة الأوروبية الجديدة التي دخلت حيز التطبيق في 12 يونيو/حزيران الماضي، إذ بموجب القاعدة العامة، تتحمل الدولة الأوروبية التي دخلها طالب اللجوء أولاً المسؤولية عن دراسة طلبه، مع وجود استثناءات تتعلق بالروابط العائلية وبعض الظروف القانونية.
في سويسرا، كشفت الإذاعة الرسمية في 18 أغسطس/آب الحالي، أن عمليات نقل طالبي اللجوء إلى إيطاليا ستستأنف تدريجياً اعتباراً من نهاية أغسطس، بعد توقف دام قرابة أربعة سنوات، وأن الهدف هو استعادة نظام لجوء يمكن أن يعمل بصورة مستدامة على المدى الطويل. بدورها، أعلنت السويد أنها ستبدأ قريباً إعادة طالبي اللجوء الذين دخلوا إلى الاتحاد الأوروبي عبر إيطاليا قبل أن يواصلوا طريقهم شمالاً.
بالنسبة إلى اللاجئ وطالب اللجوء لا تبدو المسألة مجرد تنفيذ لإجراء أوروبي جديد، إذ قد تعني العودة إلى إيطاليا فقدان السكن الذي حصل عليه، أو ترك مدرسة بدأ أطفاله الدراسة فيها، أو الانفصال عن شبكة اجتماعية ومهنية استغرق بناؤها عدة سنوات.
وتكشف الأرقام عن حجم المشكلة، فبحسب بيانات "يوروستات"، قدمت دول أوروبية أكثر من 109 آلاف طلب نقل إلى إيطاليا بين عامي 2023 و2025، ما يجعلها الدولة الأكثر تعرضاً لهذا النوع من الطلبات في الاتحاد الأوروبي. لكن عدد عمليات النقل الفعلية كان محدوداً، ووفق بيانات المجلس الأوروبي للاجئين في نهاية يوليو/تموز الماضي، لم تستقبل إيطاليا خلال 2025 سوى 66 عملية نقل بموجب إجراءات "نظام دبلن"، بينما لم تُنفذ أي عمليات بموجب إجراءات الاستعادة المعنية بحالات أخرى.
ومنذ وصول رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني إلى السلطة في نهاية 2022، علّقت روما عمليات استقبال طالبي اللجوء الذين تطلب دول أخرى إعادتهم إليها بموجب نظام دبلن، ما أدى إلى أزمة طويلة مع شركائها الأوروبيين. وتتمسك روما حالياً بتفسيرها للقواعد الجديدة، ولا سيما في ما يتعلق بتاريخ 12 يونيو/حزيران، وترى أن الاتفاق الجديد لا يمكن تطبيقه بأثر رجعي على الأشخاص الذين دخلوا إيطاليا قبل ذلك التاريخ.
لكن دولاً أوروبية أخرى بدأت تتعامل مع المسألة بطريقة مختلفة، معتبرة أن القواعد الجديدة تعيد التأكيد على مسؤولية دول الوصول الأول، ما يفسر انتقال الخلاف من مجرد نقاش قانوني إلى مواجهة عملية، مفادها هل تستعيد إيطاليا طالبي اللجوء الذين انتقلوا منها إلى الشمال، أم يبقى هؤلاء في البلدان التي استقروا فيها؟

وتأتي هذه المواجهة في توقيت شديد الحساسية، فقد أدى التدفق الكبير للمهاجرين على سبتة في يوليو/تموز الماضي، إلى أزمة إنسانية وسياسية واسعة، وفي أعقاب الأزمة، أعادت إيطاليا فرض ضوابط على حدودها مع إسبانيا، في خطوة قالت إنها مرتبطة بالضغط الناجم عن تدفق المهاجرين.
لكن الخلاف الإيطالي الإسباني يعد جزءاً من أزمة أوسع حول معنى التضامن الأوروبي، إذ كيف يمكن تحميل دول جنوب القارة مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان العبء، بينما يواصل طالبو اللجوء طريقهم نحو ألمانيا أو هولندا أو السويد؟
تقول الحكومات الأوروبية إن تشديد قواعد دبلن ضروري لمنع انتقال طالبي اللجوء بين الدول، وإعادة تنظيم المسؤوليات. لكن المنظمات المدافعة عن اللاجئين تنظر إلى الجانب الآخر من المعادلة، فالأشخاص الذين قد يجدون أنفسهم ينتقلون من دولة أوروبية إلى أخرى من دون أن يعرفوا أين سيتمكنون من بناء حياة مستقرة.
في إيطاليا تحديداً، يضاف إلى ذلك ضغط الاستقبال نفسه، باعتبارها إحدى أهم بوابات الدخول إلى الاتحاد الأوروبي عبر طريق وسط البحر المتوسط. وتؤكد سلطات روما أن الدول الأوروبية لا يمكن أن تطالبها بتحمل مسؤولية آلاف الأشخاص الذين يتوافدون على أراضيها من دون توفير آليات تضامن حقيقية.

أما دول الشمال، فترد بأن التضامن لا يمكن أن يلغي القواعد الأوروبية التي تنص على مسؤولية دولة الدخول الأولى..
ليجد طالب اللجوء نفسه في وسط معادلة معقدة لا يمكنه التعامل معها، فدول جنوب أوروبا تريد تقاسم الأعباء، ودول الشمال تريد تطبيق قواعد المسؤولية، بينما يتحرك اللاجئ بينهما حاملاً ملفه ومستقبل حياته.
وإذا نفذت عمليات الإعادة المعلن عنها، فقد تصبح إيطاليا مرة أخرى محطة إجبارية في رحلة الآلاف من طالبي اللجوء داخل أوروبا. لكن السؤال الاجتماعي حينها لن يكون: إلى أي دولة يجب أن يُعاد طالب اللجوء؟ بل سيكون: كم مرة يمكن لشخص هارب من الحرب أو الاضطهاد أن يحاول بدء حياته من جديد قبل أن يفقد الإحساس بأن هناك مكاناً يمكن أن يسميه وطناً آمناً؟

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

604 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع