"إيتون كوليدج" من ٧٠ فقيرا إلى ٢٠ رئيس وزراء لبريطانيا!

مدرسة أسسها هنري السادس لتعليم أبناء المعوزين مجاناً صارت أغلى عنوان للامتياز في المملكة المتحدة


الأندبيندت/ بهاء العوام:قبل بضعة أشهر أكد قصر "كنسينغتون" التحاق الأمير جورج، الثاني في ترتيب وراثة العرش، بمدرسة "إيتون كوليدج" اعتباراً من سبتمبر (أيلول)، فأعاد الأضواء إلى مؤسسة أنشأها الملك هنري السادس عام 1440 لتعليم 70 فتى معوزاً مجاناً، وصارت رسومها اليوم نحو 30 ألف دولار عن الفصل الواحد. ذلك المكان الذي مر به 20 رئيس وزراء وشعراء وروائيون وملوك وأمراء لم يعد مجرد مدرسة تُدرّس فيها مواد، بل صار جزءاً من ذاكرة البلاد نفسها، تُقرأ سيرته موازية لسيرة الدولة التي نشأ في ظلها.

على بعد تسعة أميال من مطار هيثرو، تقوم مدرسة أنشأها الملك هنري السادس عام 1440. لا تقع "إيتون كوليدج" داخل لندن، بل في بلدة صغيرة بمقاطعة بيركشير، على الضفة الشمالية لنهر التايمز وعلى مسافة تقارب 20 ميلا غربي وسط العاصمة. ولا يفصلها عن قلعة ويندسور، المقر الملكي الذي يعود بناؤه الأول إلى القرن الـ11، سوى زهاء نصف ميل وجسر فوق النهر، أي نحو 20 دقيقة سيرا على الأقدام.

في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، أكد قصر "كنسينغتون" في بيان مقتضب أن الأمير جورج، حفيد الملك تشارلز الثالث البالغ 12 سنة آنذاك، سيلتحق بمدرسة "إيتون كوليدج" اعتباراً من سبتمبر (أيلول)، وهي المدرسة التي درس فيها والده أمير ويلز وعمه دوق ساسكس، وتقع على مقربة من قلعة ويندسور، منهياً أشهراً من التكهنات رجّح بعضها مدرسة "مارلبره كوليدج" التي درست فيها والدته.

تبلغ الرسوم للعام الدراسي 2026-2027، وفق ما تنشره "إيتون كوليدج" على موقعها، نحو 30 ألف دولار عن كل فصل من الفصول الثلاثة، أي قرابة 90 ألف دولار سنوياً، يضاف إليها رسم قبول يقارب 5 آلاف دولار ومصاريف متغيرة قد تصل إلى ألفي دولار في الفصل الواحد، وتؤكد المدرسة أنها أنفقت أكثر من 13 مليون دولار على المساعدات المالية في العام الدراسي 2024-2025، وأن كل المنح تخضع لفحص الدخل.

يعود ميثاق تأسيس المدرسة إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1440، حين أراد هنري السادس أن ينال رعاياه فرص المعرفة التي نالها، فخصص لـ70 فتى فقيراً، عُرفوا بحاملي "منحة الملك"، السكن والتعليم مجاناً، بينما سُمح لآخرين بالتعلم مجاناً شرط أن يتكفلوا بسكنهم في البلدة، فعُرفوا بـ"الأوبيدانز" نسبة إلى الكلمة اللاتينية "أوبيدوم" أي البلدة. لا يزال الرقم 70 يحدد عدد طلاب المدرسة إلى يومنا هذا، ويُختار نحو 14 منهم سنوياً باختبار تنافسي.

"تفاقم هوة التباين الاجتماعي" في بريطانيا حيث يرتاد أكثر النافذين مدارس خاصة
الزي أشهر ما يُعرف به المكان، وأكثر ما يُساء فهمه. فالمعطف الأسود ذو الذيل والصدرية والسروال المقلّم والياقة البيضاء لم تصبح زياً رسمياً منظماً للمدرسة إلا مع وصول مدير جديد عام 1964. أما في القرن الـ18 فكان لباس الفتيان مسألة ألوان، إذ تظهرهم اللوحات بالأخضر الزاهي والأصفر أو بمعاطف زرقاء وياقات حمراء، ثم صار الشائع مطلع القرن الـ19 معطفاً أزرق وصدرية صفراء. ومن نحو عام 1850، وضع التلاميذ أنفسهم قواعد غير رسمية جعلت الصغار يرتدون "ياقة إيتون" وربطة سوداء وسترة قصيرة عُرفت بـ"بَم-فريزر"، فيما يرتدي الكبار معطف الذيل وربطة الفراشة البيضاء.

كانت الرواية الشائعة تنسب الزي إلى الحداد على وفاة جورج الثالث عام 1820، إذ لم يكن هناك نظام يُلبس أصلاً. والذي أرسى القواعد المعمول بها اليوم هو أنطوني تشينيفكس-ترينش الذي تولى إدارة "إيتون كوليدج" بين 1964 و1970، وهو الزي نفسه الذي ارتداه الأميران ويليام وهاري. وبقيت السترة القصيرة لمن هم دون خمسة أقدام وأربع بوصات في الطول حتى عام 1967، ثم خُففت القواعد في 1972، فلم تعد القبعة العالية إلزامية وصار بوسع التلميذ مغادرة الحرم من دون معطف الذيل.

"لعبة الجدار" من تقاليد المدرسة الراسخة إلى حد كبير، هي شكل من كرة القدم يُلعب على شريط أرض عرضه خمسة أمتار وطوله 110 أمتار بمحاذاة جدار من الآجر شُيد عام 1717، وتُقام مباراتها الكبرى والنهائية في يوم القديس أندرو بين فريق "حاملي منحة الملك" و"الأوبيدانز"، ونادراً ما تنتهي بغير التعادل السلبي.

آخر هدف سُجل فيها يعود إلى 1909، وكان في صفوف اللاعبين يومها فتى صار لاحقاً رئيساً للوزراء هو هارولد ماكميلان. أما احتفال "الرابع من يونيو"، وهو عيد ميلاد جورج الثالث، فنادراً ما يُقام في موعده فعلاً، ويتضمن معارض وحفلاً موسيقياً ومباراة كريكيت أمام الخريجين، ثم "موكب القوارب" على نهر التايمز حيث يقف طاقم كل قارب معتدلاً على متنه بأزياء من زمن الأدميرال هوراشيو نيلسون، أشهر قادة البحرية البريطانية، وصاحب الانتصار على الأسطولين الفرنسي والإسباني في معركة "الطرف الأغر" عام 1805، وقد قُتل فيها برصاصة قناص وهو على متن سفينته "فيكتوري".

سجل من أداروا المدرسة يكشف تحولاً موازياً في مفهوم الانضباط. فقد كان الجَلد تقليداً راسخاً حتى خُصص له يوم الجمعة في القرن الـ16، وتولى جون كيت الإدارة بين 1809 و1834 في زمن انهار فيه الانضباط، فأعاده بالاستعمال المكثف للعصا، وضرب أكثر من 80 فتى في يوم واحد في الـ30 من يونيو 1832، وقال لاحقاً لتلاميذ سابقين إن ندمه الوحيد أنه لم يضربهم أكثر. ثم خفف خلفاؤه، وفي مقدمهم إدوارد كرافن هوتري وجيمس هورنبي، اللجوء إلى العصا تدرجاً، فيما أمضى إدموند وار، وهو مجذّف بارز، 21 عاماً في المنصب بين 1884 و1905 غلبت عليها ثقافة الرياضة والتوسع العمراني.

في القرن الـ20 برز اسمان متناقضان. الأول السير روبرت بيرلي، الذي حمل لقب "روبرت الأحمر" لأن مواقفه الليبرالية المعتدلة أقلقت المحافظين في مجلس أمناء المدرسة، وغادرها عام 1963 ليصير لاحقاً من ناشطي مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. والثاني تشينيفكس-ترينش الذي ألغى الجَلد بالعصا الغصنية واستبدل به الضرب بالخيزران في مكتبه، قبل أن يختفي العقاب البدني نهائياً في ثمانينيات القرن الـ20.

علاقة "إيتون كوليدج" بالمؤسسة الملكية اليوم أوثق مما توحي به سيرة تلميذ واحد. فحين التحق الأمير ويليام عام 1995 صار أول فرد من كبار العائلة المالكة يدرس فيها، إذ اختار والده الملك تشارلز وجده الأمير فيليب مدرسة "غوردنستون" في إسكتلندا، وإن كان أبناء عمومة الملكة إليزابيث الثانية، الأمراء إدوارد وريتشارد ومايكل، قد مروا بمقاعدها.

والأهم أن رئاسة مجلس الأمناء ليست شأناً داخلياً. فمنصب العميد، وهو رئيس مجلس أمناء المدرسة، تعيين ملكي، إذ يرشح الأمناء المعروفون بـ"الزملاء" مرشحاً لرئيس الوزراء الذي ينقل التوصية إلى الملك. وعلى هذا النحو وافق تشارلز الثالث على تعيين نيكولاس كوليردج، رئيس مجلس أمناء متحف "فيكتوريا وألبرت"، العميد الـ43 للمدرسة في سبتمبر 2024، أما مدير المدرسة فيتم تعيينه من قبل العميد ومجلس الأمناء، وقد عرفت "إيتون كوليدج" في تاريخها الممتد على 586 عاماً 72 مديراً.

أشهر عبارة ارتبطت بالمدرسة هي أن معركة "واترلو" رُبحت في ملاعبها، وهي منسوبة إلى دوق ولنغتون بالرواية الشفوية لكنها شبه مؤكدة الاختلاق، إذ ظهرت أول مرة عام 1856 على صفحات كتاب فرنسي لشارل دي مونتالمبير بصيغة فحواها "هنا رُبحت معركة واترلو"، ثم تحولت لاحقاً إلى صيغتها الشائعة. وقلبها جورج أورويل، وهو من خريجي المدرسة، في كتابه "الأسد ووحيد القرن" عام 1941، حين كتب أن "واترلو رُبحت ربما في ملاعب إيتون، لكن المعارك الافتتاحية لكل الحروب اللاحقة خُسرت فيها".

وصف وزير التعليم البريطاني السابق مايكل غوف عام 2014 عدد خريجي المدرسة في الدائرة الضيقة لرئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون بأنه "سخيف"، مضيفاً أنه "لا يعرف حالة مماثلة في اقتصاد متقدم آخر، وعدد الملتحقين بجامعتي كامبردج وأوكسفورد من إيتون فاق عدد الملتحقين بهما من المستحقين لوجبات مدرسية مجانية".

في العام نفسه لوّحت البارونة سعيدة وارسي في برنامج تلفزيوني بصحيفة ساخرة تحمل عنواناً عن "فوضى إيتون" في قلب الحكومة، وقالت إنها تريد إثارة نقطة جدية في شأن الحراك الاجتماعي.

على المستوى الشعبي، ظل التعبير الأقوى عن المدرسة أغنية "إيتون رايفلز" لفرقة "ذي جام" عام 1979. فقد كتبها بول ويلر بعد مسيرة احتجاجية لحركتي "الحق في العمل" و"الروك ضد العنصرية" مرت أمام المدرسة، وتخيّل فيها معركة بين فتيان الكلية وشبان الطبقة العاملة في منطقة "سلاو" المجاورة، وبلغت المرتبة الثالثة في قوائم المبيعات. ولاحقاً قال كاميرون، وهو من خريجي المدرسة وكان فيها حين صدور الأغنية، إن الجميع أحبها بسبب عنوانها وقد فهم مقصدها.

من مقاعد "إيتون كوليدج" خرج 20 رئيس وزراء لبريطانيا، من روبرت والبول وويليام غلادستون ودوق ولنغتون وهارولد ماكميلان وأنطوني إيدن، إلى ديفيد كاميرون وبوريس جونسون، ومن خريجيها أورويل وألدوس هكسلي وإيان فليمنغ والشاعر بيرسي بيش شيلي والاقتصادي جون ماينارد كينز، إضافة إلى ممثلين مثل إيدي رِدمِين ودامِيان لويس.

وتراجعت نسبة النواب البريطانيين في مجلس العموم المتعلمين في "إيتون كوليدج" من 33 في المئة عام 2014 إلى 24 في المئة في 2024، بينما مر أكثر من نصف النبلاء بالوراثة في مجلس اللوردات بمقاعد المدرسة العريقة.

حين اقترح كاميرون عام 2016 سؤال المتقدمين للوظائف عما إذا كان آباؤهم قد دفعوا كلفة تعليمهم، هاجم اللورد ولدغريف، عميد المدرسة يومها، الفكرة بوصفها "معاقبة للأطفال" على قرارات اتخذها آباؤهم، واختياراً لوظائف حساسة على أساس الهندسة الاجتماعية لا الجدارة، وهدد بالانسحاب من كتلة حزب المحافظين في مجلس اللوردات.

بين ميثاق 1440 ورسوم العام الدراسي 2026-2027 تبدلت في "إيتون كوليدج" تفاصيل المكان كلها، من الزي إلى لغة التدريس إلى أساليب الانضباط. غير أن رقماً واحداً ظل على حاله، وهو الـ70 الذي حدده الملك المؤسس لحاملي منحته، وفي مدرسة يقاس فيها الزمن بالقرون لا بالأعوام، يبدو هذا الثبات هو التقليد الأعرق فيها جميعاً. والعراقة في نهاية المطاف ليست عمراً يُحصى بالأعوام، بل هي أثر يتراكم فيها. فالمكان الذي مر به 20 رئيس وزراء وشعراء وروائيون وملوك وأمراء لم يعد مجرد مدرسة تُدرّس فيها مواد، بل صار جزءاً من ذاكرة البلاد نفسها، تُقرأ سيرته موازية لسيرة الدولة التي نشأ في ظلها.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1617 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع