معاش الرؤساء ... حق "مختلف عليه" مدى الحياة

الأندبيندت/أمينة خيري:الحجة الأكثر واقعية ومنطقية لدعم وتأييد فكرة تقاضي الرئيس معاشاً مدى الحياة تأتي من عدد من دول أميركا اللاتينية، وهي من أكثر المناطق تمسكاً بفكرة معاش الرئيس. وقد يعود ذلك لكثرة التغييرات ورواج حركة ذهاب وإياب الرؤساء، وهو ما أسهم في جعل معاش الرئيس قضية رأي عام.

يحصل الناس على معاش تقاعدي، لمساعدتهم في ضمان دخل ثابت وطويل الأجل، حين يعجزون عن العمل، أو يبلغون سن التقاعد، أو ينهى تعاقدهم، والاستغناء عن خدماتهم. يحقق المعاش استقلالاً مادياً يقيهم شر السؤال، ويضمن إلى حد ما إمكان الحصول على رعاية صحية في المرض، وقدرة إنفاق في الكبر، وربما قدر من الترفيه بما يتناسب ومستوى المعاش، الذي يحدده مستوى الراتب قبل التقاعد، ومدة الخدمة، ومقدار تراكم المدفوعات المخصومة من الراتب باسم التأمينات، وهو ما يحدث فجوات كبيرة في الثروة، فلا يتساوى الخفير والوزير، أو المدير والعامل، فما بالك بالرئيس؟

يصعب تخيل الرئيس، أي رئيس، مصطفاً ضمن الجماهير الغفيرة على باب "مكتب البريد" أول الشهر في انتظار فتح الباب وصرف المعاش. كما يبدو وقوف الرئيس مرتبكاً ضارباً أخماساً في أسداس أمام ماكينة الصراف الآلي، محاولاً فك لوغاريتمات إدخال الرقم السري، وتحديد المبلغ المطلوب، والحصول على إشعار الصرف، مشهداً لا يليق إلا بسينما الفنتازيا.

حتى تخيل السيدة الأولى "سابقاً"، وهي تحمل توكيلاً رسمياً من زوجها الرئيس السابق، وهي تستعطف موظف التأمينات أن يجدد الأوراق الخاصة بـ"سيدي الرئيس"، لضمان عدم توقف المعاش من دون أن يضطر سيادته إلى الحضور، ليثبت أنه على قيد الحياة، إفراطاً في أحلام اليقظة.

جدل من بيرو
قبل أيام، مرّ خبر تداوله الإعلام البيروفي يفيد بحدوث جدل وضجة كبيرين جراء طلب تقدم به الرئيس الانتقالي لبيرو خوسيه ماريا بالكاثار إلى الكونغرس لمنحه معاشاً تقاعدياً مدى الحياة عند انتهاء ولايته الرئاسية في الـ28 من يوليو (تموز) الجاري، وذلك بعد فترة لا تتجاوز خمسة أشهر قضاها في منصب الرئيس، فقط لا غير.

الطلب، الذي تقدم به بالكاثار، وهو عضو كونغرس عن حزب "بيرو الحرة" الماركسي، يحمل طلباً للكونغرس بالاعتراف بمبدأ المعاش التقاعدي مدى الحياة الذي يمنح للرؤساء السابقين، وذلك بحسب الدستور البيروفي.

الطريف أن لجنة الدستور في الكونغرس، الذي أتى منه الرئيس الانتقالي المطالب بالمعاش مدى الحياة، قالت في عام 2022 إن المعاش التقاعدي مدى الحياة لرؤساء الدولة السابقين لا ينبغي تفسيره بأنه متاح بصورة عامة لأي شخص يشغل منصب رئيس الجمهورية، لكن للرؤساء فقط الذين انتخبهم الشعب لشغل هذا المنصب، وبشرط أن يكونوا قد بقوا فيه طوال المدة الدستورية للفترة الرئاسية، وهي خمس سنوات.

يشار إلى أن ثمانية رؤساء جمهورية تواتروا على منصب الرئيس في بيرو على مدار العقد الماضي، ويعود هذا المعدل المرتفع من الرؤساء الذين يشغلون المنصب، ثم يرحلون سريعاً لأجواء عدم الاستقرار السياسي المزمن، إضافة إلى الاستخدام المتكرر من الكونغرس لبنود العزل المنصوص عليها، وهو ما يعني أن وظيفة رئيس الجمهورية لا تضمن بالضرورة الأمان الوظيفي، أو الدخل الثابت، أو الراتب المرتفع الضامن لحياة كريمة طوال عمره، ولزوجته أو زوجها (حال كان الرئيس السابق امرأة) بعد رحيله أو رحيلها.

وقبل نحو عام، توفي رئيس الأوروغواي السابق خوسيه موخيكا عن عمر ناهز 89 سنة بعد صراع مع السرطان من جهة، وصراع آخر مع قواعد وثقافة "العصر الاستهلاكي" الذي كثيراً ما انتقده، حتى إنه كان يتبرع بكامل دخله تقريباً لبرنامج الإسكان الاجتماعي في الأوروغواي. وحتى حين أصبح رئيساً بين عامي 2010 و2015، ظل وزوجته في بيتهما المتواضع من دون مساعدة في الأعمال المنزلية، وبقدر أدنى من الأمن، وسيارة "بيتلز" موديل 1987 كان يقودها بنفسه.

بعد انتهاء مدته الرئاسية، أصبح موخيكا عضواً في مجلس الشيوخ بعد انتهاء مدته الرئاسية، قبل أن يتقدم باستقالته بعد بضع سنوات لشعوره بالتعب، والغريب في الأمر أنه رفض تقاضي المعاش المستحق.

معاشات الرؤساء ملف بالغ الحساسية في بعض الدول، وأمر واجب الكشف والإعلان في دول أخرى، لكنه يبقى مسألة مثيرة للجدل بين مؤيد لفكرة معاش "سيدي الرئيس" من جيب المواطن دافع الضرائب، وفي الوقت نفسه ممتن لفترة حكمه ومؤيد لسياسات وقرارات فترته، ومعارض له ولسنوات حكمه وكل ما صدر عنه من قرارات باعتباره "الفترة الأسود في تاريخ البلاد".

مشاعر واستطلاعات ومؤشر الديمقراطية
موقف الرأي العام في دولة ما من تقاضي الرئيس السابق أو الأسبق منه معاشاً بعد انتهاء مدته أو مدده الرئاسية، أو حتى بعد استقالته أو إقالته أو إجباره على الاستقالة، يختلف باختلاف الموقف من "سيدي الرئيس".

سؤال يتردد صداه في أميركا اللاتينية ويثير جدلاً واسعاً: هل ينبغي أن يحصل الرؤساء الذين يتركون مناصبهم على معاشات تقاعدية خاصة مدى الحياة؟

في الدول التي تهيمن عليها المشاعر تجاه الرئيس السابق، والأحاسيس المتعلقة بفترته الرئاسية، والمواقف الشخصية جراء سياساته وآثارها في حياة فلان أو علان، تختلف المواقف بحسب درجة حب الرئيس أو كراهيته. فإن كان حبه متملكاً من القلوب، هتفت الجماهير العريضة مطالبة بضمان معاش لـ"سيدي الرئيس"، وإن كانت مشاعر أخرى هي المتملكة، فإن معاش الرئيس يكون مصحوباً بقدر غير قليل من عدم الرضا، أو الاعتراض، أو الدعاء عليه أو تمني حذف اسمه من قوائم المعاشات بطريقة أو بأخرى.

يشار إلى أن غالب هذه الدول لا تهيمن عليها المشاعر فقط، لكن الحرج، وفي قول آخر الخوف من مناقشة معاش الرئيس السابق على الملأ.

دول نامية وهشاشة سياسية
اللافت أن حرج أو خوف مناقشة معاش الرئيس السابق يرتبط عادة بالدول النامية، وتلك المصنفة في مراتب غير متقدمة على مؤشر الديمقراطية، وعادة يصاحب المؤشر أوضاع اقتصادية صعبة تفاقم غضب المواطنين الذين يعانون الفقر والتضخم، في مقابل معاش الرئيس السابق الذي عادة تفوق قيمته الشهرية مجموع ما تجنيه الأسرة الواحدة طوال سنوات عملها.

من جهة أخرى، فإن انتقاد أو مناقشة معاش الرئيس يتعارض وأجواء الهشاشة السياسية في بعض هذه الدول، حيث تفسر السلطات أحياناً مناقشة معاش الرئيس، حتى لو كان "السابق" أو "الأسبق"، بأنها انتقاد لسياسات الدولة، أو محاولة لإثارة البلبلة، أو مؤامرة لنشر الفوضى، وربما قلب نظام الحكم.

الطريف أن خبثاء يلمحون أن مثل هذه الدول لا يوجد فيها عادة رؤساء سابقون أو أسبقون، حيث الرئيس في الغالب يبقى في منصبه إلى أن يصبح "رئيساً راحلاً"، أو يجري خلعه أو الانقلاب عليه، فيسقط حقه تلقائياً في معاش يعطى لرؤساء سابقين، لا مخلوعين.

أما الدول التي لا تحيط بأجوائها حساسيات أو مخاوف من مناقشة معاش الرئيس، مثل الولايات المتحدة الأميركية، فإن المسألة تكون محل شد وجذب، وموافقة ومعارضة على هامش الحياة السياسية والمناقشات الاجتماعية والجدليات الاقتصادية. ويضاف إلى ذلك وجود منظومة ثابتة ومستقرة تقوم على استطلاعات رأي وقياسات توجه، ولو لم توجد، فالنقاش مفتوح والاعتراض مسموح.

لا توجد استطلاعات رأي عام حديثة في أميركا عن موقف الأميركيين من معاشات الرؤساء السابقين، إلا أنه بحسب "قانون الرؤساء السابقين"، يحق للرؤساء الأميركيين السابقون الحصول على معاش تعاقدي سنوي مدة الحياة، يعادل راتب وزير في الحكومة الأميركية، ويبلغ نحو 250 ألفاً و600 دولار سنوياً. كما يحق لهم الحصول على مميزات أخرى تمكنهم من فتح مكتب، ودعم أسرهم مادياً، وكلفة السفر، وحماية مدى الحياة، وغيرها.

يحصل الرؤساء السابقون على هذه "الحقوق"، ويحصل الأميركيون على حق التأييد أو الاعتراض، وكذلك الدعم والمطالبة بالتعديل، ما داموا عبروا عن رغباتهم ومواقفهم في حدود القانون. ويضاف إلى ذلك أن شكوى القطاعات المتضررة من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، مثل أصحاب الأجور المتدنية، والعاطلين من العمل، والمتقاعدين الذين يحصلون على معاشات تكفي بالكاد، وغيرهم كثيراً ما تعلو أصواتهم مطالبين بمراجعة المبالغ، وتقليص المميزات، وترشيد النفقات.

"مؤسسة الاتحاد الوطني لدافعي الضرائب"، المتخصصة في بحوث ودراسات الضرائب، في أميركا، أشارت في ورقة عنوانها "ارتفاع كلفة المعاشات والمزايا لمخصصة للرؤساء السابقين يستدعي الإصلاح" (2024) إلى أن الرؤساء يتقاضون في أثناء فترة ولايتهم راتباً سنوياً قدره 400 ألف دولار، وبعد انتهاء ولايتهم، يمتلكون، من واقع التاريخ الموثق، ثروات شخصية كبيرة، وتتوفر لهم خيارات عديدة لزيادة دخلهم.

ومع ذلك، يحصل الرؤساء السابقون عند مغادرتهم البيت الأبيض على مزايا سخية ممولة من دافعي الضرائب، تشمل معاشاً تقاعدياً، ومساحة مكتبية، وموظفين، ومستلزمات. وتلفت المؤسسة إلى أنه "منذ عام 2000، كلفت هذه المزايا والامتيازات للرؤساء السابقين، بينهم مليونيرات وملياردير واحد، دافعي الضرائب 125 مليون دولار، داعية إلى إجراء إصلاحات لحماية أموال وحقوق دافعي الضرائب من "الدعم المفرط لهؤلاء الأثرياء"، أي الرؤساء السابقين.

يشار إلى أن تقارير أميركية أشارت في مطلع العام الحالي إلى أن الرئيس السابق جو بايدن يتقاضى أكبر معاش تقاعدي من أموال دافعي الضرائب في تاريخ أميركا، وتبلغ قيمة معاش الرئيس السابق بايدن نحو 417 ألف دولار سنوياً، وهو ما يتجاوز راتبه في أثناء الرئاسة. والسبب في ذلك يعود لتقاضي بايدن معاشه من صندوقين تقاعديين حكوميين، وهو ما وصفه خبراء أميركيون بالوضع غير المسبوق.

كم يتقاضى الرئيس؟
على أية حال، يبقى الوضع غير المسبوق حقاً هو معرفة كم يتقاضى الرئيس بعد انتهاء مدته في دول أخرى، بما فيها الدول العربية. القوانين موجودة، والنصوص مكتوبة، لكن التفاصيل غارقة في تفاصيل أكثر حساسية، وتشابكات أكثر تعقيداً.

على سبيل المثال لا الحصر، وفقاً للقانون المصري رقم 100 لعام 1987، وتعديلاته اللاحقة، يحق للرئيس السابق للبلاد الحصول على معاش يعادل 80 في المئة من راتبه أو مكافأته في تاريخ انتهاء شغله المنصب. كما يخضع المعاش للزيادات الدورية والعلاوات الاستثنائية التي تقرها الدولة، وتتحمل الخزانة العامة للدولة أعباء هذا المعاش كاملاً، ولا يخضع لأي ضرائب أو رسوم. ولا تسري هذه النصوص على كل من صدر ضده حكم نهائي في جناية، أو حكم عليه في قضية إرهاب أو أية قضية مضرة بأمن الوطن.

يشار إلى أن عدد الرؤساء السابقين في المنطقة العربية قليل جداً، وأبرزهم، من لبنان الرؤساء السابقون ميشال عون وأمين الجميل، ومن تونس الرئيسان الانتقاليان فؤاد المبزع في عام 2011، وكذلك محمد الناصر في عام 2019، والرئيس السابق منصف المرزوقي والمقيم في منفاه الاختياري في فرنسا حالياً.

وتجدر الإشارة إلى أن الحجة الأكثر واقعية ومنطقية لدعم وتأييد فكرة تقاضي الرئيس معاشاً مدى الحياة تأتي من عدد من دول أميركا اللاتينية، وهي من أكثر المناطق تمسكاً بفكرة معاش الرئيس. وقد يعود ذلك لكثرة التغييرات ورواج حركة ذهاب وإياب الرؤساء، وهو ما أسهم في جعل معاش الرئيس قضية رأي عام. معاش الرئيس السابق مستحق لأنه لا يعوضه فقط عن عمله الذي مكث فيه سنوات أو أشهر، لكن أيضاً للحيلولة دون ارتباطه بشركات أو مؤسسات خاصة، لها مصالح ربما تكون متناقضة ومصالح الوطن ومواطنيه. رئيس بمعاش يحفظ ماء وجهه ولو بماء الذهب، خير من رئيس بلا معاش يبيع خدماته في سوق العمل.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

974 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع