
العربي الجديد:في 20 يوليو/ تموز الحالي، مات أبو حالوب حزيناً، يحكي رفاقه أنه في أيامه الأخيرة لم يعد يردد سوى الأبيات التي كتبها له محمد مهدي الجواهري في طفولته، كان والده رشيد بكتاش محققاً لديوان الجواهري وصديقاً له، وحين كان لبيد طفلاً يحدق في وجه الشاعر الكبير، أوحى إليه بقصيدة في يوم عيد ميلاده:
"لبيد عشت الدهر عمر لبيد
غضّ الصبا ألقاً طريّ العود"
بعد عقود طويلة، عاد أبو حالوب إلى القصيدة نفسها. اختُزلت حياته، في نهايتها، كلها في ذلك الطفل الذي كان يحدق في وجه أكبر شعراء العراق في زمنه، وفي الأبيات التي حملها معه طوال العمر. لم يفارق العراق وشعراؤه أبا حالوب يوماً؛ فقد صنع اغترابه هويته وكينونته، وصار حارساً لذاكرة العراقيين في منفاهم.
وكانت الذكريات تعيده دائماً إلى مقهى الروضة، الذي جعله بنفسه ملتقى للعراقيين، وقضى فيه معظم سنوات منفاه، مراقباً وجسراً بين الناس. كان يغمض عينيه ويتجول في ذاكرته، فتعود إليه بغداد بشوارعها ومقاهيها، رغم أنه لم يعد إليها منذ غادرها عام 1975.
كانت ذاكرته، التي رسمت خريطة افتراضية للأماكن، متقدة وصلبة كأنها من حديد. ومع خياله، كانت قوته الوحيدة في مواجهة المنافي.
عاش أبو حالوب أسفاراً طويلة، أما نهاراته ولياليه في مقهى الروضة فكانت ربما أكثر فصول حياته استقراراً. وفي حكايته، يبدو الرجل أشبه ببطل روائي ودرامي عن المنفى والنزوح والذاكرة.
أما مقهى الروضة في شارع العابد بدمشق، فهو خزان لذاكرة المدينة ومسرح حيّ امتد حضوره قرابة تسعين عاماً. فمنذ تأسيسه في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، ظل المكان شاهداً على تحولات دمشق السياسية والاجتماعية والثقافية، وكانت حاوية لشخصيات فريدة على تبدل أجيالها ووجوهها، فيما احتفظ، رغم التغيرات، بشيء من تفاصيله القديمة.
ولأن المقهى يقع مقابل مبنى البرلمان السوري، لم يكن بعيداً عن الحياة العامة؛ سرعان ما تحول إلى فضاء يلتقي فيه السياسيون والمثقفون والفنانون والصحافيون والمنفيون، حتى غدا، في الذاكرة الدمشقية، أشبه بمنتدى ثقافي وبرلمان شعبي موازٍ.
وقد ارتبط اسم المقهى بأجيال من الأدباء والشعراء، من ممدوح عدوان ومحمد الماغوط وأدونيس إلى مظفر النواب وسعدي يوسف، الذي كان يعرّج إليه خلال زياراته إلى دمشق. لكن تاريخ المكان لا يُختزل في قائمة أسماء مرّت به؛ فالمقهى، على امتداد عقوده، كان أشبه بمسرح تتبدل فيه الشخصيات، فيما
وكانت دمشق، في زمن طويل، ملتقى للمنفيين العرب، تجمعهم مقاهيها وحاناتها. وهناك نشأت صداقة بين أبي حالوب والموريتاني محمد البخاري، الذي وصل إلى دمشق في سبعينيات القرن الماضي للدراسة، ثم صار واحداً من أشهر صعاليكها، ومات فيها. كان الاثنان معروفين بضآلة جسديهما وطرافتهما وصداقتهما الفريدة، وكانت دمشق المدينة الحاملة لقصص المنفيين، القادمين من غرب العالم العربي ومن مشرقه.
وعلى مدى عقود، ظل أبو حالوب، بلهجته البغدادية التي لم تختلط بلهجة أخرى، متماهياً مع طاولته وكرسيه، فيما يتجمع حوله العراقيون. وكان كل عراقي يصل إلى دمشق، قادماً من بغداد أو من أحد المنافي، يبدأ رحلته من مقهى الروضة، ومن كرسي أبي حالوب تحديداً، حتى أصبح أبو حالوب سفيراً شعبياً يمتلك مفتاح حياة المنفيين: شبكة الذاكرة والعلاقات.
فبالنسبة إلى أجيال العراقيين الذين عاشوا في دمشق، ولا سيما أولئك الذين قادتهم المنافي واللجوء إلى المدينة، يصعب الفصل بين مقهى الروضة وأبي حالوب. كانت طاولتاه، الصباحية والمسائية، محطة للعراقيين القادمين من بغداد والمنافي؛ مكاناً للسؤال عن الأصدقاء والأقارب، والاستدلال على البيوت والعناوين، وإرسال الرسائل وتسلّم الأمانات.
تبدو العلاقة بين أبي حالوب والروضة أكثر من علاقة رجل بمقهى. فقد كان، في جانب من صورته، تجسيداً لدور المقهى نفسه من حيث هو نقطة استقبال، ومركز أخبار، وذاكرة حية، ومكاناً تتقاطع فيه حكايات العابرين والمقيمين والمنفيين. وكما لا يمكن استعادة تاريخ الروضة من دون استعادة وجوهه، يصعب استعادة صورة أبي حالوب من دون المكان الذي منحه، على مدى عقود، مسرحه اليومي وفضاءه الدرامي. كان جزءاً من المشهد العام بطرافته وميلودراميته، وهامشيته ومركزيته في آن.
ليس لأحد أن يتخيل كمّ القصص التي حفظها أبو حالوب عن العراق والعراقيين وسورية والسوريين، ولا أن يحصي بدقة تنقلاته وأسفاره. حتى في دمشق نفسها، عاش في مناطق عدة، بين دمشق القديمة وأحيائها الأخرى، قبل أن يستقر في برزة. وقبل وصوله إلى دمشق، وبعد ملاحقة نظام صدام حسين للشيوعيين، هاجر عام 1975 إلى روسيا لدراسة الصحافة، لكنه تركها بعد سنوات من دون أن يكمل تعليمه. ولم يبقَ من تلك السنوات، كما كان يقول، سوى بضع كلمات روسية، من بينها "دوبري أوترا"، أي "صباح الخير".
يُروى أن الشاعر مظفر النواب لقّب أبا حالوب بـ "جفچير البلاد"، وكان يطلب من زواره القادمين إلى دمشق أن يقصدوا مقهى الروضة ويسألوا عنه؛ فهو يعرف كيف يدلّهم إلى مكان وجوده.
وكان النواب نفسه يقصد المقهى ليجالس أبا حالوب، الذي طالما أعاد على مسامعه قصة الأبيات التي نظمها الجواهري له في طفولته. ولشدة ما سمعها منه، قال له النواب مازحاً: "مُتْ، حتى أرثيك بقصيدة أخرى". لكن النواب سبقه إلى العالم الآخر.
بعد وفاة أبي حالوب في عمّان بأيام، عن 68 عاماً، استعاد صديقه المترجم العراقي حربي العبد الله، في حديثه إلى "العربي الجديد"، شخصية الرجل "متفرداً لا يشبه إلا نفسه. كان ساخراً ومبتسماً، وقد يظنه الغشيم بسيطاً، لكنه كان شديد الحذر، يعرف كيف يقرأ الناس ويزنهم".
يذكر العبد الله أيام المعارضة العراقية وأحزابها، حين كان أبو حالوب يجلس أحياناً إلى جانب أشخاص تحوم الشبهات حول علاقتهم بالنظام السابق. كان يمرّ به ليسلّم عليه ثم يبتعد، فيرد أبو حالوب السلام، لكن من دون أن يناديه باسمه كعادته، بل يقول: "أهلاً أبو سعد". عندها كان يفهم أن الشخص الجالس إلى جانبه مشبوه. هكذا كان أبو حالوب يمرر رسالته بكل أريحية، من دون أن يقول شيئاً صريحاً.
وكان يخص صديقه بهدايا تأتيه مع أصدقاء ومعارف قادمين إلى دمشق من المنافي، من السويد والدنمارك وكندا وغيرها من بلدان الشتات العراقي. وقد يوصل إليه رسالة قادمة من آخر الدنيا، ولو بعد منتصف الليل. "كان حريصاً كل الحرص على أن تصل الأمانة إلى صاحبها باليد، ولا يسلمها إلى شخص آخر لينوب عنه".
يكمل "كان أبو حالوب من الشخصيات التي لا تُنسى؛ يترك لدى من يعرفه جيداً انطباعاً راسخاً بأن هذا إنسان يمكن الاعتماد عليه. كان موضع ثقة، يعرف كيف يقيّم الناس، وقد عاشر أخلاطاً مختلفة من البشر، لكنه كان يعرف قيمة كل واحد منهم، والمساحة التي يمكن أن يمدّ إليها حديثه معه".
بعد وفاته، ثمة فراغ حزين في المكان الذي كان يشغله، كأن المقهى نفسه دخل في حداد. لم يكن أبو حالوب مجرد زبون اعتاد الجلوس هناك؛ كان جزءاً من يوميات المكان وذاكرته، لذا بدا غيابه وهو الذي فارق دمشق منذ أعوام، أكثر حضوراً من أي وقت مضى.
كان نادل الفترة المسائية، الأكبر سناً بين العاملين، قد عاصره طوال ثلاثين عاماً. أشار إلى الطاولة التي كان أبو حالوب يعود إليها بعد استراحة الغداء، ليواصل استقبال مراجعيه حتى العاشرة والربع ليلاً، وقال بحزن: "كان شخصية استثنائية".
بدت العبارة، في بساطتها، أقرب إلى رثاء جماعي لرجل تفتقده الروضة ونزلاؤها ودمشق وعراقيّوها. كان أبو حالوب ينتمي إلى ذلك النوع النادر من الشخصيات التي تتجاوز حدود وظيفتها وحياتها اليومية؛ رجل يعرف الناس، ويحفظ قصصهم، ويصل بينهم، ربما لهذا بدا، في حكايته، أقرب إلى شخصية من الأدب أو سينما المنفى. يقول أحد المترددين على مقهى الروضة في رثائه: "كان الكذب مستحيلاً بوجود أبي حالوب؛ فهو، بلا شك، الرجل الذي يعرف كل شيء!".

667 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع