
العرب/بغداد- يبدو العراق اليوم أمام واحدة من أكثر المحطات حساسية منذ سنوات، بعد إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وضع فصيله المسلح "سرايا السلام" تحت سلطة الدولة، ودعوته بقية الفصائل المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي إلى تسليم أسلحتها للمؤسسات الرسمية.
ولا تفتح هذه الخطوة فقط نقاشاً جديداً حول مستقبل السلاح خارج إطار الدولة، بل تطرح سؤالاً أكبر يتعلق بقدرة العراق على استعادة سيادته الكاملة بعد أكثر من عقدين من الحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية.
ويأتي إعلان الصدر في توقيت بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع ضغوط أميركية متصاعدة على بغداد لاتخاذ خطوات عملية للحد من نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ومع محاولات الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي ترسيخ سلطة الدولة وإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة التي اكتسبت نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً خلال السنوات الماضية.
ومنذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ظل ملف السلاح خارج إطار الدولة أحد أبرز التحديات التي واجهت الحكومات العراقية المتعاقبة. فمع انهيار مؤسسات الدولة آنذاك، برزت جماعات مسلحة متعددة الولاءات والأهداف، بعضها تشكل لمقاومة الاحتلال الأميركي، وبعضها الآخر ارتبط بصراعات داخلية وإقليمية معقدة.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفصائل إلى قوى سياسية وعسكرية مؤثرة تمتلك حضوراً داخل مؤسسات الدولة وخارجها في آن واحد.
وفي هذا السياق، يمثل مقتدى الصدر حالة خاصة داخل المشهد العراقي. فقد استطاع خلال العقدين الماضيين الجمع بين النفوذ الشعبي والوزن السياسي والقدرة العسكرية، مستنداً إلى قاعدة اجتماعية واسعة في الأحياء الفقيرة والطبقات المتوسطة الشيعية، فضلاً عن خطاب قومي عراقي سعى من خلاله إلى التمييز بين مشروعه السياسي وبين المشاريع الإقليمية المتنافسة على الساحة العراقية.
لكن إعلان الصدر الأخير لا يُقرأ فقط باعتباره خطوة إصلاحية أو محاولة لدعم الدولة، بل يثير أيضاً تساؤلات حول دوافعه السياسية. فالرجل سبق أن أعلن في مناسبات سابقة تجميد أو تعليق نشاط أجنحته المسلحة، قبل أن تعود هذه التشكيلات للظهور في ظروف مختلفة.
ولهذا يتعامل كثير من المراقبين بحذر مع الخطوة الجديدة، معتبرين أنها قد تكون جزءاً من عملية إعادة تموضع سياسي تهدف إلى تعزيز مكانة التيار الصدري في مرحلة تشهد تحولات عميقة داخل العراق والمنطقة.
ومع ذلك، فإن أهمية المبادرة لا تكمن فقط في نوايا الصدر، بل في ما تكشفه من تغيرات في البيئة السياسية العراقية. فالحكومة الحالية تواجه ضغوطاً متزايدة لإثبات قدرتها على فرض سلطة الدولة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الشعبية لاستمرار وجود جماعات مسلحة تعمل خارج التسلسل القيادي التقليدي للمؤسسات الأمنية.
كما أن الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب كثفت ضغوطها على بغداد خلال الأشهر الأخيرة، مطالبة باتخاذ إجراءات أكثر حزماً تجاه الفصائل المقربة من إيران.
وتعتبر واشنطن أن استمرار هذه الجماعات في الاحتفاظ بقدراتها العسكرية المستقلة يهدد الاستقرار العراقي ويعزز النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما جعل ملف نزع السلاح يحتل موقعاً متقدماً في جدول الأعمال العراقي الأميركي.
وفي المقابل، تنظر العديد من الفصائل المسلحة إلى هذه الضغوط بعين الريبة، معتبرة أن الدعوات إلى نزع السلاح تأتي في إطار استراتيجية أميركية أوسع تستهدف تقليص نفوذ القوى الحليفة لطهران.
ولهذا السبب لم تبدِ بعض أبرز الفصائل الموالية لإيران، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، استعداداً واضحاً للانخراط في عملية نزع السلاح أو التخلي عن استقلاليتها العسكرية.
وتكشف هذه المواقف عن انقسام متزايد داخل البيت السياسي الشيعي في العراق. فمن جهة، يبدو التيار الصدري أقرب إلى دعم مشروع الدولة المركزية وتعزيز احتكارها للسلاح، ولو على المستوى الخطابي في هذه المرحلة.
ومن جهة أخرى، ترى فصائل أخرى أن الاحتفاظ بالسلاح يشكل ضمانة أساسية لحماية نفوذها السياسي ومصالحها الاستراتيجية في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
ويزداد المشهد تعقيداً عند النظر إلى طبيعة الحشد الشعبي نفسه. فالكثير من الفصائل التي يُطلب منها تسليم أسلحتها تعد قانونياً جزءاً من الدولة العراقية بالفعل، إذ تتلقى تمويلاً رسمياً من الموازنة العامة وتتمتع بوضع قانوني معترف به. غير أن هذا الاندماج القانوني لم يؤدِّ بالضرورة إلى خضوع كامل لسلطة القيادة العسكرية العراقية، إذ ما زالت العديد من هذه الجماعات تحتفظ بهياكل قيادة مستقلة وعلاقات سياسية وأيديولوجية خاصة بها.
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: ماذا يعني فعلياً إخضاع الفصائل لسلطة الدولة؟ هل المقصود دمجها بالكامل ضمن المؤسسة العسكرية وإلغاء استقلاليتها التنظيمية؟ أم أن الأمر يقتصر على إعادة تنظيم العلاقة القانونية والإدارية معها؟ أم أن المقصود هو التخلي عن الأسلحة الثقيلة مع الإبقاء على جزء من البنية العسكرية القائمة؟.
وتعكس هذه الأسئلة حجم التحدي الذي تواجهه بغداد. فالقضية لا تتعلق بالسلاح وحده، بل بموازين القوى السياسية التي نشأت حوله. إذ إن كثيراً من الفصائل المسلحة بنت نفوذها السياسي استناداً إلى قوتها العسكرية، ما يجعل أي حديث عن نزع السلاح مرتبطاً تلقائياً بإعادة توزيع النفوذ داخل النظام السياسي العراقي.
كما لا يمكن فصل هذا الملف عن الدور الإيراني في العراق. فطهران تنظر إلى الفصائل الحليفة لها باعتبارها أحد أهم أدوات نفوذها الإقليمي، خصوصاً بعد التحديات التي واجهها حلفاؤها في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ومن المرجح أن تتعامل إيران بحذر مع أي مشروع قد يؤدي إلى إضعاف هذه القوى أو تقليص حضورها داخل المعادلة العراقية.
وفي المقابل، تدرك الحكومة العراقية أن تجاهل الضغوط الأميركية قد يعرّض البلاد لعقوبات أو قيود اقتصادية في وقت تحتاج فيه بغداد بشدة إلى الاستثمارات الأجنبية وإلى الحفاظ على استقرارها المالي.
ولذلك تبدو السلطة العراقية عالقة بين ضغوط خارجية متعارضة وحسابات داخلية شديدة التعقيد.
وقد تكون مبادرة مقتدى الصدر قد أعادت إحياء النقاش حول احتكار الدولة للسلاح، لكنها لم تحسمه. فنجاح أي مشروع لنزع السلاح أو دمج الفصائل لن يتوقف على موقف الصدر أو خصومه فقط، بل على قدرة مؤسسات الدولة العراقية على فرض قواعد جديدة للعبة السياسية والأمنية، وعلى استعداد القوى المختلفة للقبول بمنظومة تقوم على سيادة الدولة لا على توازنات السلاح.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم لا يكمن فقط في معرفة ما إذا كانت الميليشيات ستسلم أسلحتها، بل في معرفة ما إذا كانت الدولة قادرة بالفعل على استعادة دورها كمرجعية وحيدة للقوة والقرار. فهناك، تحديداً، سيتحدد مستقبل السيادة العراقية في السنوات المقبلة.

600 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع