
شفق نيوز-العراقيون ذوو البشرة السمراء جنوبي العراق، عانوا من التهميش والحرمان طويلا، لكنهم في المقابل، اهتموا بالموسيقى والفنون كوسيلة للتعبير عن هويتهم ووجودهم في مجتمعات تعاملت معهم بتجاهل ذاكرتهم منذ مراحل استعباد اسلافهم، وذلك بحسب "معهد كارنيجي" الأميركي، الذي اعتبر ان موسيقاهم الخاصة هي ايضا بمثابة محاولة للتعافي والشفاء.
وأوضح المعهد الأميركي في تقرير له، ترجمته وكالة شفق نيوز، أن "الفنون المؤداة، تعلب دورا حيويا في ثقافة المجتمع هذه الفئة من المجتمع العراقي في جنوبي العراق، حيث يدمج العديد من افراد هذا المكون العراقي، الموسيقى والرقص في حياتهم اليومية، وايضا في مجال الترفيه".
واعتبر التقرير انه من أجل فهم الدور المهم للموسيقى في حياة العراقيين ذوو البشرة السمراء، فإنه يتحتم النظر في إطار اوسع يتعلق بالتهميش الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهم، مضيفا انه بالنسبة للعراقيين، فإن الموسيقى تحافظ على الذاكرة والهوية الجماعية.
وقال التقرير إن الباحثة طيف الخضري، ومن خلال عملها على قضايا المجتمع وهويته، تجادل بان هؤلاء العراقيين اضطروا الى التعامل مع فكرة "لا ذاكرة" المجتمع العراقي فيما يتعلق بأصولهم وخلفيتهم، وهي فكرة تتضح من خلال الوثائق القليلة لتاريخ الأفارقة المستعبدين الذين جيء بهم الى العراق منذ قرون، فيما يمثل تجاهلا مدروسا للطريقة التي شكل بها العرق هويتهم مع مرور الزمن، الى جانب التمييز السياسي والاقتصادي والاجتماعي المستمر لهم.
وتابع أن الموسيقى أيضا تعبير روحاني عن التعافي لمجتمع العراقيين أصحاب البشرة السمراء، لافتا إلى آلة التمبورا التي تستخدم عبر الأجيال، وفي الجلسات التي تسمى "الزار" لطرد الأرواح في العالم السفلي، مشيرا الى ان المعركة بين الارواح الخيرة والشريرة يمكن ان تستغرق عدة ايام.
وأوضح أن جلسات الزار التي يقول ابناء المجتمع انها لا تتعلق بالجن، ربما تكون مرتبطة بثقافة الساحل ونقلت الى المنطقة، مبينا أن هذه الجلسات نادرا ما تكون مفتوحة أمام من هم من خارج مجتمع العراقيين أصحاب البشرة السمراء، وهي تتضمن الرقص والموسيقى والطبول.
وذكر التقرير، أنه بالاضافة الى هذه الطقوس المسماة "المكايد"، فإن الموسيقى تعتبر مصدرا للتواصل والهوية والانتماء المجتمعي.
وينقل التقرير عن مشعل الزيادي، وهو عراقي من أصحاب البشرة السمراء، أنه بدأ فرقته الفولكلورية الخاصة، وقد تعلموا الاغاني التي يؤديها في سن مبكرة.
ولفت الى أن الرجال في العائلة يعزفون الموسيقى في حفلات الزفاف والمهرجانات، ويكبر الاطفال وهم يستمعون الى الموسيقى ويتعرفون عليها.
وبحسب زيادي الذي نشأ في البصرة، فان حلمه هو تعليم أطفاله التراث من خلال علاقتهم بمجتمعهم وموسيقاه.
واشار التقرير الى ان هذه العلاقة تمتد الى ما هو أبعد من البصرة وحتى العراق، وتناول في هذا الاطار، الاعمال الموسيقية للفنان العراقي أحمد مونيكا الذي يتخذ من تورونتو مقرا له، والذي ينحدر من البصرة، حيث بين أن اعماله الموسيقية تدمج الأفرو-صوفي مع تأثيرات من العراق وكينيا وكندا.
وذكر التقرير، أنه الى جانب حماية الذاكرة والهوية الجماعية، فإن الترفيه الموسيقي يمكن أن يكون ايضا هروبا من التعصب، موضحا انه من المفارقات انه على الرغم من ان الاشخاص الذين جرت معهم مقابلات غالبا ما ينكرون وجود تمييز عنصري في العراق، الا انهم يقدمون أمثلة على حوادث تتسم بالعنصرية تعرضوا لها هم واطفالهم، حيث يشيرون مثلا الى لغة مهينة وحتى تهديدات موجهة الى ابنائهم وبناتهم من قبل زملاء الدراسة في المدرسة، مما جعلهم منعزلين بما يؤثر سلبا على ادائهم الاكاديمي.
وبالاضافة الى ذلك، لفت التقرير الى ان اخرين قالوا إنه في حين ان التوظيف في القطاع العام متاحا لهم، إلا أن التوظيف في القطاع الخاص، وخصوصا في المناصب الأمامية، لا يزال محدودا بسبب معايير الجمال القائمة على العرق.
وتناول التقرير مفارقة تمثل في ان قطاع الترفيه يثير الاستياء من قبل الكثيرين في جنوب العراق لاسباب تتعلق بالافكار المحافظة اجتماعيا، إلا انه بمثابة مصدر توظيف للعراقيين من أصجاب البشرة السمراء، مضيفا أن الفنون الادائية، وخصوصا الموسيقى، تدر مدخولا ماليا لابناء هذا المجتمع، بل وفي بعض الحالات تخرجهم من دورة الفقر والتهميش نحو الاعتراف بهم وحتى النجومية، مشيرا على سبيل المثال، الى فنانة مثل عنود الأسمر المعروفة في المشهد الموسيقى المعاصر في العراق بسبب اغانيها.
وتحدث التقرير عن التحديات الكبيرة التي يواجهها الموسيقيون والفنانون بشكل عام، حتى من خارج مجتمع العراقيين ذوو البشرة السمراء، حيث يعتبر رجال الدين ان الرقص والموسيقى تتعارضان مع الهوية الاسلامية، مشيرا الى ان هيمنة السلطات التقليدية والدينية على الحياة السياسية والاجتماعية لمدن جنوب العراق، بما في ذلك البصرة، أدت الى اعادة تشكيل هوياتها الثقافية بشكل كبير، وهو ما أصاب فئة العراقيين هذه.
وتابع قائلا إن ذلك "ليس سوى عقبة واحدة من بين الكثير مما يواجهه هذا المجتمع في تحدي تهميش تاريخه وهويته عبر فكرة اللا ذاكرة".

776 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع