
صاحب أفكار استثنائية.. لكنها صورية
العرب/بغداد - دعا رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الجمعة، الحكومة العراقية الجديدة التي يعمل رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي على تشكيلها، إلى تحويل الفصائل العراقية المسلحة إلى تشكيل إنساني باسم “جند الشعائر الدينية”، يرتبط بهيئة الحج والعمرة ويمارس نشاطه في مجالات الإغاثة والمعونات الإنسانية.
وجاء مقترح الصدر، الذي يقود تيارا يحمل اسم “التيار الوطني الشيعي” ويمتلك بدوره ميليشيا “سرايا السلام”، ضمن عملية تفكير جماعي في العراق عموما، وداخل أوساط القوى الشيعية الحاكمة على وجه الخصوص، لإيجاد مخرج من ورطة الميليشيات.
وباتت تشكّل عبئا سياسيا وماليا وأمنيا على الدولة، وتهدّد علاقات العراق بدول الإقليم والمجتمع الدولي، وفي مقدّمته الولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت تعبّر بشكل صريح عن رفضها لنفوذ تلك الفصائل ومشاركتها في السلطة وصناعة القرار، وتطالب بحلّها وضبط سلاحها ووقف تمويلها من موازنة الدولة.
لكن مراقبين عراقيين يرون أن مقترح الصدر يمثّل محاولة لإعادة تدوير نفوذ الميليشيات في صيغة أقلّ استفزازا داخليا وخارجيا. فالصدر، الذي يدرك حجم الضغوط الأميركية والدولية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، يسعى إلى تقديم نموذج “ناعم” للميليشيات، يحتفظ بالبنية التنظيمية والولاء العقائدي والقدرة على الحشد، ولكن تحت غطاء إنساني وديني يخفّف من حساسية وجودها السياسي والأمني. كما أن ربط هذا التشكيل بهيئة الحج والعمرة يمنحه شرعية مؤسساتية ورمزية دينية قد تسمح باستمرار حضوره وتأثيره داخل المجتمع الشيعي، حتى في حال تقلّص دوره العسكري المباشر.
وتتمتّع الميليشيات الشيعية في العراق، والمعروف عن أغلبها ولاؤه الشديد لإيران، بنفوذ سياسي واسع من خلال تمثيلها داخل البرلمان وفي الإطار التنسيقي الذي يتولّى اختيار من يقود الحكومة، فضلا عن حضورها عبر وزرائها وإدارييها داخل مؤسسات الدولة.
كما تمتلك سطوة أمنية، ليس فقط عبر سلاحها، ولكن أيضا من خلال تغلغلها في المؤسسة الأمنية الرسمية التي أُلحقت بها شكليا دون أن تقطع صلتها بقادتها الحقيقيين، وذلك منذ صدور قرار تحويل الحشد الشعبي، المشكّل من عشرات الآلاف من العناصر الميليشياوية، إلى مؤسسة رسمية تُرصد لها مخصّصات من ميزانية الدولة.
وللميليشيات أيضا نفوذ اقتصادي ومالي من خلال مؤسساتها “الاستثمارية”، مثل شركة المهندس المدرجة على لائحة العقوبات الأميركية، وعبر مكاتبها الاقتصادية في المحافظات، وسيطرتها على حركة التجارة، خصوصا التصدير والتوريد، فضلا عن التهريب نتيجة مشاركتها في إدارة الحدود والمنافذ.
وقال الصدر في تدوينة على منصّة إكس “إن من يرفض منهم (عناصر وقادة الميليشيات) هذا التشكيل يُعتبر خارجا عن القانون، وإن فعلوا فأنا على استعداد لحلّ لواء اليوم الموعود وتسليم سرايا السلام إلى القائد العام للقوات المسلحة، وعلى الجميع فعل ذلك بأسرع وقت ممكن”.
ودعا الصدر رئيس الحكومة العراقية الجديدة إلى “عدم الاستعانة بخلطة العطّار في تشكيل الكابينة الوزارية، وإبعاد كل من له جناح مسلّح منها إبعادا تاما، وتشكيل حكومة تلبي مطالب الشعب، والعمل الدؤوب والحقيقي من أجل استقلالية العراق عن كل التدخلات الخارجية”.
كما جدّد الزعيم الشيعي رفض مشاركة أيّ فرد من تياره الوطني الشيعي في الكابينة الوزارية، قائلا في تدوينته “لا يمثّلنا أي وزير منهم”.
وكان الصدر قد دعا، العام الماضي، إلى حلّ الميليشيات المسلحة في العراق وتسليم السلاح إلى الدولة وتقوية القوات العسكرية والأمنية في البلاد.
وأعلن أكثر من مرّة عن تغييرات جذرية في أوضاع الميليشيا التابعة له، دون أن يُلمس على أرض الواقع أثر واضح لتلك التغييرات، نظرا إلى أن “سرايا السلام” تمثّل بالنسبة إليه مصدر قوّة وضمانة وجود في مواجهة خصومه ومنافسيه داخل البيت السياسي الشيعي، الذين يمتلك أغلبهم ميليشيات قوية، على غرار قيس الخزعلي زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق، وهادي العامري قائد منظمة بدر.
كما أن استبعاد الميليشيات من المشهدين السياسي والأمني في العراق، ومنعها من الحصول على مواقع داخل الحكومة المقبلة، وكفّ يدها عن المال العام، تظلّ أمورا بالغة الصعوبة، باعتبار أن تلك الميليشيات نفسها تمتلك نفوذا مؤثرا في صناعة القرار، ما يجعل من غير المنطقي أن تبادر طوعا إلى تهميش نفسها وإقصاء قادتها.

789 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع