
إبراهيم فاضل الناصري
يال هراطقة التاريخ ومتفيقهوا الاثار : كفى نسفاً للتاريخ المحكم وتشويهاً للآثار العريقة.
ويحكم أيها المهرطقون في حفريات الآثار وصوامعها، وأنتم ايها الذين تلبستم بمسوخ النصوص العتيقة وظننتم أن جيف الألواح الطينية وأكوام الفخار المكسور تمنحكم سلطاناً على تأويل التاريخ تأويلاً يهدم الثوابت ويمسخ الخصوصيات، ألا ينبغي أن تخشوا من الله قبل أن تستحيوا من بقايا العقول التي لم تصب بعد بداء التفكيك الرخو. تعالوا إلي لأصعق مسامعكم بهذا التقريع الناصع الذي لا يقبل المساواة بين الحق والباطل. فقد بلغ بي الغيظ مبلغه حين رأيت كيف تحولتم من باحثين يرجون معرفة الماضي إلى دعاة هدم يتعمدون نسف التاريخ المحكم نسفاً متقصداً تحت غايات واهية تؤدي حتماً إلى التسطيح والتشويه، إن لم نقل إلى الهدم الكامل لكل يقين تاريخي أو ديني. تزعمون أن ما تسمونه فقهاً أثرياً عتيقاً يمنحكم الحق في المقارنة بين السردية الدينية ونصوص الأكديين والسومريين، ثم تخرجون من تلك المقارنة بنتائج جازمة تقول بوحدة الأصل أو التطابق التاريخي أو الاقتباس المباشر. يا للهول، أي هرطقة هذه، وأي تهور منهجي يسمح لكم بأن تجعلوا من التشابه السطحي بين قصة وقصة دليلاً على أن موسى عليه السلام ليس إلا نسخة مكررة عن سرجون الأكدي، أو أن النجاة من الخطر في طفولته ما هي إلا نموذج أسطوري تكرر في ثقافات مختلفة ثم انتقل بالسرقة أو التأثير؟ يا لسخف القول، ويا لخفة العقول التي تصدق مثل هذه المهاترات. إن التشابه بين سرديتين لم يكن ولن يكون دليلاً أبداً على التطابق التاريخي، لأن الانتقال من التشابه إلى الهوية يتطلب شروطاً إبستمولوجية صارمة لا تتوافر في أي من الحالات التي تطرحونها بكل خفة روح. بل إن ما تفعلونه هو ما يمكن تسميته بمغالطة الاستدلال من التشابه، وهي مغالطة قديمة عرفها المناطقة وحذروا منها، حيث يعامل فيها التشابه بوصفه دليلاً كافياً على الوحدة، في حين أنه في أفضل الأحوال لا يتجاوز كونه مؤشراً فاتراً على وجود أنماط ثقافية مشتركة أو قوالب سردية متكررة ناشئة من وحدة الفطرة الإنسانية وتشابه الظروف البيئية والنفسية لا أكثر. ثم تأتي أنتم أيها الهراطقة فتأخذون من كلود ليفي ستروس مقولته عن البنى العميقة للأسطورة، ومن ميرتشا إلياده نظريته عن الزمن المقدس والعودة الأبدية، فتحولونها إلى أدوات هدم مقنعة بثياب الأكاديميا. تريدون أن تقنعوا الناس أن كل السرديات متشابهة في جوهرها، وأن الفرق بين الوحي والوثنية ليس إلا فارقاً سطحياً في الأسماء والأماكن فقط. وهذا هو عين الهرطقة بعينها، لأنكم تغفلون عن أمر جوهري، وهو أن النصوص الدينية ليست أساطير وضعها كهنة المعابد لتأليه الملوك، بل هي وحي منزل من عند الله يحمل رسالة مختلفة تماماً عن أي نص ملكي سومري أو أكدي من حيث القصد والمعنى والغاية والمصدر. فالرسالة الدينية تتحدث عن التوحيد والعدل والرحمة والاختيار الإلهي القائم على التقوى لا على النسب أو القوة، بينما النصوص الملكية القديمة مثل نصوص سرجون الأكدي أو كوديا السومري هي أدوات دعائية صرفة تهدف إلى شرعنة السلطة وتثبيت فكرة الاختيار الإلهي للحاكم بغض النظر عن أخلاقه أو دينه. فكيف تسوون بين هذا وذاك أيها المفترون على التاريخ؟ ثم إن أكثر ما يثير الغضب في هرطقتكم هو تعاملكم مع النص المقدس بوصفه مجرد مادة سردية قابلة للتفكيك والتجزئة والمقارنة مع أي هراء وثني تظفرون به في حفرياتكم، كأن التوراة أو الإنجيل أو القرآن مجرد ورق تراثي يخضع لذائقتكم السطحية ولمقارناتكم الركيكة. ألا تخافون الله في هذه الجرأة على كلماته؟ ألا تخشون أن يفضحكم التاريخ نفسه الذي تزعمون أنه حليفكم؟ لقد حذر كبار المؤرخين من هذا النوع من الهرولة المقارنة، أمثال مارك بلوك وفرناند بروديل، اللذين أكدا باستمرار على ضرورة احترام خصوصية كل عصر وكل ثقافة وكل نص، وعدم خلط الأزمنة والأمكنة تحت حجة التشابه السطحي. بل إن بروديل وضع نظرية الأزمنة الثلاثة التي تفرق بين الزمن القصير للأحداث والزمن المتوسط للحالات والزمن الطويل للبنى الثابتة، مما يعني أن مجرد وقوع تشابه في زمن الأحداث القصير لا يعني أبداً تطابقاً في البنى الثابتة للحضارات. ثم انظروا إلى الجناية الأخرى التي ترتكبونها بحق الأمم وهويتها. إن أي أمة تمتلك سردية تأسيسية مقدسة تميزها عن غيرها وتشكل وعيها الجمعي وتراثها الروحي، فإذا جاءكم هراطقة الآثار وقالوا لكم: هذه السردية ليست إلا نسخة مكررة من سردية أقدم منها في بلاد الرافدين أو مصر، فإنهم بذلك يسلبون الأمة خصوصيتها ويهدمون عمودها الفقري تحت ذريعة العلم الزائف. أيها المدعون المعرفة بالتاريخ القديم، إن تاريخكم أيها الهراطقة هو تاريخ هدم لا تاريخ بناء، لأنكم لا تقدمون أي معرفة جديدة تفيد الناس في فهم ماضيهم، بل تكتفون بنفي الخصوصيات وتذويب الفوارق في خلاطكم التفكيكي الرخو. تريدون أن تصلوا في النهاية إلى نتيجة مفادها أن لا حقيقة مطلقة، وأن كل الأديان من صنع البشر، وأن النصوص المقدسة ليست إلا انعكاساً لثقافات سابقة. وهذا هو عين الإلحاد الذي تتخفون وراء فقه الآثار العتيق. تلبستم بجيف الحضارات القديمة كي تنثروا سمومكم، وكلما اعترضكم معترض قال: هذا منهج علمي، وهذه أنثروبولوجيا، وهذه مقاربة سردية، وهذه بنى عميقة. كذبتم، كذبتم. إنه منهج الفوضى الفكرية التي تريد هدم كل شيء باسم التحليل. ثم ألا تعلمون أن التشابه بين السرديات قد ينشأ من أسباب كثيرة غير التأثير والاقتباس؟ فقد ينشأ من تشابه الظروف الطبيعية، وقد ينشأ من وحدة البنية النفسية للإنسان في كل زمان ومكان، وقد ينشأ من التواطؤ الإلهي كأن يكرر الله نمطاً من أنماط النجاة أو الاصطفاء في أمم مختلفة ليكون عبرة لأولي الألباب. فلماذا تقفزون مباشرة إلى فرضية الاقتباس أو التطابق وتقدمونها على أنها حقيقة يقينية لا تقبل الجدل؟ أليس هذا انحيازاً مسبقاً وإرادة هدم واضحة؟ صحيح أن المقارنة بين النصوص أداة مشروعة في علم التاريخ، ولكن شريطة أن تكون المقارنة محايدة ومنهجية ومتواضعة، فتصف التشابهات دون أن تقفز إلى نتائج جازمة حول الهوية أو النشأة. أما أنتم فجعلتم من المقارنة سوطاً تضربون به قداسة النصوص وأصالة الأمم. وهذا لا يغتفر. ثم إن لي عليكم اعتراضاً آخر أيها المهرطقون: ألا تدرون أن معظم النصوص الملكية القديمة التي تعتمدون عليها في مقارناتكم، مثل نصوص سرجون الأكدي وكوديا السومري، لم تصلنا بشكل كامل أو موثوق؟ فكيف تبنون عليها يقينيات تاريخية جازمة، ثم تقارنونها بنصوص دينية كاملة ومحفوظة بعناية فائقة عبر القرون؟ ألا ترون عدم التماثل في أدوات المقارنة؟ هذا من أعجب ما يكون من السقف المنهجي. أنتم تقارنون نصوصاً متآكلة هشة قد تكون محرفة أو منقولة بأسانيد واهية بنصوص كاملة متواترة، ثم تبنيون على هذه المقارنة نتائج كبرى تهدم تاريخ أمتنا وتشكك في عقائدنا. أي ضرب من العبث هذا؟ ألا تستحيون؟ ثم إني أريد أن أسألكم سؤالاً مباشراً أيها المدعون المعرفة بالتاريخ القديم: هل تملكون دليلاً واحداً قاطعاً سنداً ومتناً على أن كاتب التوراة أو الإنجيل أو القرآن اطلع على نصوص سرجون الأكدي أو استقى منها؟ هل لديكم شاهد واحد من المخطوطات أو من النقوش أو من الإشارات الصريحة التي تثبت هذا الاقتباس المزعوم؟ كلا، ثم كلا. ليس لديكم أدنى دليل مادي سوى أداة التشابه الواهية التي فندناها قبل قليل. فكيف تبنون يا قوم هرطقتكم كاملة على مجرد تشابه سطحي في حادثة من حوادث الطفولة أو في نمط من أنماط النجاة؟ إن هذا خروج عن كل أصول العلم الحديث التي تطلب من الباحث أن يكون متحفظاً في استنتاجاته بقدر ما يكون جريئاً في أسئلته. أما أنتم فأنتم جريئون في استنتاجاتكم إلى حد التهور المسكوت عنه خوفاً من سلطان الموضة الفكرية. وماذا عن غاياتكم أيها الهراطقة؟ سأفضحها هنا بكل صراحة لأنكم تخفونها تحت أثواب الأكاديميا الجميلة. غايتكم الأولى هي نسف الثوابت، أي ثابت ديني أو تاريخي يخص أي أمة، لأنكم غير مؤمنين أصلاً بوجود حقائق مطلقة. غايتكم الثانية هي إخضاع كل الموروث الإنساني لمبدأ النسبية المطلقة الذي يقول: لا شيء ثابت، ولا شيء مقدس، ولا شيء فريد، كل شيء يتكرر، وكل شيء يقتبس، وكل شيء يسرق. غايتكم الثالثة هي تقديم أنفسكم كرجال إنقاذ للعقول الواعية من أوهام الأديان والخصوصيات التاريخية، وكأنكم حراس التنوير المزيف وفلاسفة الشك الذي لا يستثني أحداً غيركم. أما هدفكم الرابع والأخير فهو المتعة التي تجدونها في هدم ما يعز على الناس، وتهشيم ما يجلونه، وتفتيت ما يوحدهم. هذه هي غاياتكم القذرة التي تسمونها أنتم مناهج نقدية حديثة وعلوماً إنسانية متقدمة. يا للشفافية الكاذبة. ولكنني أعلم أنكم لن ترتدعوا عن هرطقتكم بسهولة، لأن الهدم أسهل من البناء، والتشويه أسرع من الإتقان، والمقارنات السطحية أسرع من التحقيقات العميقة. فأنتم تريدون الوصفات الجاهزة التي تقدم لكم نتيجة مذهلة في جملة قصيرة: هذا التشابه يعني التطابق. ثم تنصرفون إلى هرطقة جديدة، تاركين الخلفاء والمؤرخين الحقيقيين يتعاملون مع الخراب الذي تركتموه في بيوت التاريخ. كل يوم تخرجون علينا بمقارنة جديدة بين نبي ووثن، أو بين كتاب مقدس ونص وثني، أو بين طقس ديني وشعيرة وثنية، وكل يوم تكررون نفس المغالطة وتلبسونها ثوباً جديداً. ألا تملون من تكرار أنفسكم؟ ألا تخجلون من الله والناس معاً؟ ومع ذلك سأقول كلمة أخيرة لعل فيها مستنقذاً لأنتم لو كان فيكم من يصغي. إن التاريخ المحكم لا يخشى على نفسه من أمثالكم، لأنه مبني على ثوابت وشواهد وبراهين لا تهتز لهذه المقارنات الرخوة. فالنص المقدس ثابت متواتر، والنبوة حقيقة عاشها المؤمنون بكل جوارحهم، والخصوصية التاريخية لكل أمة هي هويتها التي لا يمكن نفيها بتشابه سطحي في قالب سردي. فعلى رسلكم أيها الهراطقة، فغداؤكم خبز الهدم، لكن عاقبتكم الندامة، حيث ينكشف زيفكم أمام العقول النيرة التي تفرق بين التشابه والهوية، وبين الوصف والإثبات، وبين النموذج الأصلي والتطابق المدعى. وأخيراً أقولها لكم بلا مواربة: أنتم لا تمثلون العلم، بل تمثلون هرطقات العصر التي ركبت موجة التشكيك كي تتنفس. فاغسلوا أيديكم من هذا العبث، وعودوا إلى رشدكم إن استطعتم، وإلا فامضوا في غيكم، فإن التاريخ لا يموت بموت أهله، ولا الحقائق تنهار بهرطقات هراطقة الآثار. والسلام على من اتبع الهدى.

780 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع