انفجار شعبي بوجه الماكرونية

ولاء سعيد السامرائي

انفجار شعبي بوجه الماكرونية

شهدت فرنسا في 17 من أكتوبر تظاهرات واسعة لم تشهدها البلاد منذ تظاهرات الطلاب عام 1968 ، تخللها اعمال عنف وتكسير ونهب للمحال التجارية للأحياء المجاورة تواصلت لساعات الليل مع انسحاب قوات الشرطة والبوليس. على عكس ما صرح به الرئيس الأمريكي ترامب فأن هذه التظاهرات الضخمة لم تنطلق من احياء المهاجرين الأجانب بل بدأت من الجزر الفرنسية المهمشة الفقيرة ومن طلاب مدارسها لتنتقل شيئا فشيئا عبر وسائل التواصل الاجتماعي الى ضواحي باريس المتوسطة ومن صفوف طلابها الذين سرعان ما هبوا لنداءات التظاهر مع طلاب العاصمة وضواحيها ليلتحق بهم طلاب فرنسا في المدن الاخرى. اغتنمت أجهزة الاعلام المهيمن وأحزاب اليمين وبالأخص حزب الرئيس ماكرون ومناصريه المناسبة لتوظيف ما حصل من عنف وتخريب لإلقاء تهمة ما حدث على حزب فرنسا الابية اما مباشرة او عبر تجريمهم لليسار الراديكالي بدون تقديم ادلة ضد هذا اليسار. في حين لم يتكلم هذا الاعلام ولا الأحزاب عن انسحاب الشرطة من ساحة الجمهورية مكان بداية التجمع بعد ساعات وترك عمليات النهب والتكسير تستمر ولا عن وجود اليمين المتطرف الذي اعتدى في أكثر من مدينة على المتظاهرين ولا عن وجود البلاك بلوك المعروفة بالقيام بالتخريب، هذه القنوات استمرت عدة أيام تبث وتركز في ساعات المشاهدة العالية حصريا على مشاهد التخريب التي حدثت في باريس للتأثير في الرأي العام الفرنسي، اعمال يبدو بحسب أعضاء النقابات ونواب فرنسا الابية انها بدأت قبل بدء التظاهرة وان الاحتكاك مع البوليس اندلع مع غلق البوليس جميع المداخل لمكان التجمع قبل ذلك وهو ما فسح المجال لاختلاط المتظاهرين مع المخربين واللصوص.

فيما توجه اكثر من نصف مليون متظاهر، ) 800 الف( بحسب المنظمات والنقابات التي قللت أصلا من الرقم ، توجهوا بهدوء وتنظيم وانضباط رافعين شعارات متميزة ومعبرة لمطالبهم منها استقالة الرئيس ماكرون وإلغاء باركورسوب النظام المستخدم منذ عدة سنوات لقبول الطلاب في الجامعات وتجديد ابنية المدارس المتآكلة وإيقاف غلاء أسعار المواد الغذائية والالتفات الى أوضاع التعليم المتدهورة، تحت اشراف وتنظيم النقابات العمالية الكبيرة ذات الخبرة الطويلة وفق الطريق الذي سمح به رئيس بوليس باريس ليلة التظاهر فقط رغم ان الطلب رفع قبل أيام، في تصرف يدل منذ البداية على محاولة تخريب التظاهرة وعدم الاحترام والازدراء بحركة شعبية واسعة غير مفاجئة بل كان الجميع يتوقعها ويخشاها على عكس ما صرح به وزير الداخلية لوران نونيز من انهم لم يتوقعوا هذا العدد الهائل من المتظاهرين؟
انطلقت الاحتجاجات الطلابية من الجزر الفرنسية مايوت في شهر آب الماضي وانتقلت الى ليزانتي لتصل بعدها الى الضواحي في منطقة كريتي وثانوياتها، لكن الأمر المدهش ان الطلاب فيها قد نسقوا بينهم للالتحاق برفاقهم المحتجين في الجزر لتبدأ سلسلة من التظاهرات في التاسع من أيلول ضمت اكثر من 400 الف متظاهر استعمل فيها البوليس قنابل الدخانيات فقد فيها احد الشباب عينه وآخر ذراعه لتتكرر مثل هذه الاعمال العنيفة في التظاهرات اللاحقة كما في تظاهرة 17 أكتوبر، ولتغلق الف ثانوية أبوابها بعد العاشر من أكتوبر وأغلقت 80% من الجامعات وبتنسيق هذه المرة بين الطلاب، بضمنهم طلاب المدارس العليا أبناء الطبقة البرجوازية الذين اعلنوا انضمامهم ، والعمال من أصحاب السترات الصفر، لتخرج تظاهرة واسعة في 6/10 ولتكون هذه الاحتجاجات من اكثر التظاهرات تنظيما وتنسيقا والتحاما بين مختلف قطاعات الشعب الفرنسي، بين الأبناء واباؤهم، بين الطلاب ومعلميهم واساتذتهم،. تظاهرات اختار لها الطلاب، تحسبا لمحاصرتها، ان لا تخرج بمكان محدد بل انتشرت على جغرافية العاصمة وضواحيها وعلى كامل جغرافية فرنسا من مارسيليا ومونبليه وليموج وتولوز وليون وستراسببورغ الى قلب العاصمة باريس وضواحيها.
منذ سنوات، تتراكم أسباب الغضب والاستياء الشعبي الواسع مما يسميه الأحزاب بالماكرونية فالغلاء وصل الى درجة غير محتملة لدى شرائح واسعة من الشعب اذ وصل عدد من هم تحت خط الفقر في بلد غني مثل فرنسا الى 12 مليون نسمة يقتصر طعامهم اليومي على وجبة واحدة، فيما هبطت القوة الشرائية للطبقة الوسطى التي اّفقرت منذ مجيء الرئيس ماكرون الي الحكم ، يرافق هذا الوضع تردي في الخدمات العامة، فيما يتراكم حنق الطلاب وغضبهم لإهمال الدولة معالجة البني التحتية المدرسية المتهالكة ومعالجة نقص الكادر التدريسي الذي وصل الى نقص بنسبة 53% في المدارس الإعدادية والثانوية، ويطالبون كذلك بإلغاء نظام الاختيار المجحف "باركورسوب" الخاص بقبول الطلاب والذي حرم 100 الف طالب من دخول للجامعات، اذ يعتبروه عرقلة لمستقبلهم، فيما يعيش كثير من طلاب الجامعات منذ جائحة كوفيد على ما تقدمه لهم منظمات خيريه من مواد غذائية لعدم قدرتهم على تحمل النفقات الدراسية وغلاء المعيشة. وفي مشهد على النقيض من أوضاع غالبية الشعب الفرنسي، فأن أصحاب الثروات الطائلة ممن لا يدفع الضريبة للدولة مثل باقي الشعب الفرنسي والشركات الامريكية القريبة من الرئيس ماكرون التي تدير اليوم كثير من الإدارات الحكومية والشركات قد ملأت جيوبها بالمليارات وفق ما كشفته بعض الصحف الفرنسية وتضاعفت ثرواتها مرات ومرات مثل هذا الملياردير المهيمن على القنوات الشعبوية العنصرية الذي ازدادت ثروته من مليارين بداية حكم الرئيس ماكرون الى أكثر من 8 مليار بفضل السياسة المنحازة حصرا للأغنياء.
وبدل ان تكون هذه الاحتجاجات الواسعة والغضب الشعبي الذي انفجر من كل الجهات ضد السياسة الماكرونية فرصة ربما أخيرة وقبل ستة اشهر من موعد الانتخابات الرئاسية، للاستماع الى مخاوف المواطنين وإلغاء القرارات غير المرغوبة، كما فعل الرئيس فرانسوا ميتران والرئيس جاك شيراك قبله احتراما للديمقراطية وللرفض الشعبي الواسع، الاستماع الى مخاوف الشباب وعوائلهم، واتخاذ إجراءات لتهدئة التظاهرات، الا ان الرئيس ماكرون القى بعد كل ما حدث خطابا لا يجيب فيه على أي من المطالب ولم يطرح على الطاولة أي حل!
وقبل ان تنتهي التظاهرات المتوقع استئنافها في الخامس من نوفمبر القادم ، انكشف توظيف العنف والتظاهرات من قبل الأحزاب والاعلام المهيمن ضد حزب فرنسا الابية وزعيمها امام الرأي العام حينما نشرت صحيفة ميديا بارت اعترافات ضابط مخابرات عن استلام امر يّطلب فيه من المخابرات المحلية كتابة رسالة رسمية تقول ان حزب فرنسا الابية وراء تظاهرات 17 اكتوبر، ليؤكد هذا الكلام مسؤول نقابي آخر من الشرطة بمنصب رفيع، يقول الضابط لميديا بارت انه لا يحب حزب فرنسا الابية لكنه وجد هذا الطلب غير مقبول وانه امر سياسي وخطير ولا علاقة له بالواقع ولا بما تعرفه المخابرات المحلية من حقائق موضوعية وهو أيضا ما تقوله الشرطة ، كما نفت المدعية العامة في باريس تأكيد ان يكون المخربين من اليسار الراديكالي كما تنشره القنوات السائدة لتثبيت اتهام حزب فرنسا الابية وتجريمها ، كما كّشفت أيضا حقيقة ما حصل من محاولة الشرطة القبض على نائب من فرنسا الابية كان سابقا من هذا اليسار كي يتم الباسه تهمة حريق بلدية ليموج وذلك بنفس طريقة القاء القبض على النائبة من اصل فلسطيني ريما حسن وهي تهم بالمغادرة الى كندا لحضور مؤتمر ليتهموها بانها تريد الإفلات من التهمة الموجهة لها عمدا "بتمجيد الإرهاب".
لا يقف الامر عند هذا الحد بل ان زعيم فرنسا الابية تحدث عما يعتزم برونو ريتايو وزير الداخلية السابق القيام به مع جيرار لارشيه رئيس مجلس النواب من نفس الحزب، الذين يراقبون بغضب ومعهم كثير من أصدقاء مجرم الحرب نتنياهو على صعود الحزب وزعيمه في استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية القادمة التي يجمع فيها المحللون على ان جان لوك ميلنشون سيكون حاضرا في التصويت الثاني للانتخابات امام مارين لوبن مرشحة التجمع الوطني اليميني المتطرف، ما يعني فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وبحسب زعيم فرنسا الابية انه في حال استقال ماكرون قبل سته اشهر من الانتخابات سيكون الرقم الثاني في الدولة) جيرار لارشيه( رئيسا وهو الذي قال انه ربما سيّحل حزب فرنسا الابية حينذاك. كما حذر ميلنشون في خطابه الذي تابعه خلال بضع ساعات أكثر من مليون ونصف مليون متابع، الفرنسيين من ان اللحظة القائمة خطيرة لان السلطة ستعمد كما يبدو لإلغاء الانتخابات كما فعلت في الانتخابات السابقة، وحذر من التدخل الخارجي وقال ان فرنسا أصبحت "بارا مفتوحا" والتدخل الخارجي سيكون خصوصا من مجرم الحرب نتنياهو وفي أربع مدن هي مارسيليا وتولوز ومدينة روبيه وباريس.

22/10/2026