بين المعايير الهندسية والواقع العراقي: أزمة الأبنية التعليمية

سعد عبد المجيد ابراهيم

بين المعايير الهندسية والواقع العراقي: أزمة الأبنية التعليمية

من المعلوم أن العملية التعليمية تقوم على منظومة متكاملة من العناصر، في مقدمتها البنية التحتية المادية (Hardware)، وتشمل الأبنية المدرسية والجامعية، والقاعات الدراسية والمختبرات والمكتبات، والأجهزة والمعدات والأثاث، وشبكات الإنترنت ووسائل العرض الحديثة. ويقابلها البنية البشرية والبرمجية (Software)، التي تتمثل في المناهج الدراسية الحديثة، والأساتذة المؤهلين تربوياً وتقنياً، والبرامج التعليمية التفاعلية، وأساليب التدريس النشط، كالتعلم القائم على المشاريع وحل المشكلات، بما يواكب متطلبات العصر وسوق العمل.وهناك، إلى جانب ذلك، البنية التنظيمية والإدارية التي تنظم عمل هذين الجانبين، وتشمل إدارة المؤسسات التعليمية، والجودة، والحوكمة، وأنظمة التعليم والتقييم الإلكتروني.

غير أنني لن أتناول في هذا المقال الجوانب العلمية والتربوية التي تعاني منها مؤسساتنا التعليمية، والتي يمكن أن يستدل عليها من تراجع مستوى كثير من الخريجين؛ وإنما سأركز على الأبنية المدرسية والجامعية بوصفها الوعاء المادي الذي يحتضن العملية التعليمية.

قبل الحديث عن المعايير الهندسية للأبنية التعليمية، لا بد من النظر إلى البيئة العمرانية التي تنشأ فيها هذه المؤسسات، ولعل بغداد مثال واضح على ذلك. فقد تعرضت العاصمة خلال العقود الماضية لتوسع عمراني كبير ترافق مع تقلص مساحاتها الخضراء وبساتينها، وتجريف مساحات زراعية واسعة وتحويلها إلى أحياء سكنية وعشوائيات. كما تقلصت الحدائق المنزلية نتيجة تقسيم الكثير من الدور الكبيرة إلى وحدات سكنية صغيرة.

ولم يكن هذا التحول مجرد تغير في شكل المدينة؛ فقد انعكس أيضاً على البيئة التي تُقام فيها المؤسسات التعليمية. فكثير من المدارس والجامعات الجديدة أو المحوّلة من أبنية أخرى تقع اليوم في أحياء مكتظة وأزقة وشوارع ضيقة، وتفتقر إلى المساحات المفتوحة والأشجار والظل.

وهنا تظهر مفارقة واضحة: بينما تعد المساحات الخضراء والفراغات المفتوحة جزءاً من التخطيط الحديث للمؤسسات التعليمية، نجد أن بعض مدارسنا وجامعاتنا تكاد تخلو منها تماماً، أو تكتفي بأصص نباتية محدودة لا يمكن أن تؤدي الدور البيئي الذي تؤديه الأشجار والحدائق.

لقد شهد العراق خلال السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في إنشاء المدارس والجامعات ورياض الأطفال. غير أن المشكلة لا تكمن في عدد الأبنية وحده، بل في نوعيتها ومواقعها ومدى ملاءمتها للوظيفة التعليمية. فقد جرى في حالات كثيرة تحويل أبنية سكنية إلى مدارس أو مؤسسات تعليمية، رغم أن هذه الأبنية لم تُصمم أصلاً لاستيعاب أعداد كبيرة من الطلبة أو لتوفير متطلبات التعليم من قاعات ومختبرات ومرافق رياضية، وساحات، وممرات، وخدمات.

فالمنزل مصمم ليخدم عدداً محدوداً من السكان، بينما تحتاج المدرسة إلى بيئة مختلفة تماماً: قاعات مناسبة، وممرات للحركة، وأماكن للتجمع، ومختبرات ومكتبة، ومرافق صحية، وساحات للرياضة والاستراحة، ومساحات خضراء، فضلاً عن متطلبات السلامة، والإخلاء، والتهوية، والإضاءة. وقد تؤدي الإضافات والملحقات التي تُبنى لاحقاً لتكييف المبنى السكني مع الوظيفة الجديدة إلى زيادة المشكلات بدلاً من حلها، إذا لم تخضع لتخطيط هندسي متكامل.

علي ان أعترف اولا وقبل كل شيء أنني لست مهندساً ولا متخصصاً في التخطيط العمراني، ولذلك لا أقدم هذا المقال بوصفه دراسة هندسية. وإنما أطرح الموضوع من واقع تجربة طويلة أستاذاً جامعياً، تنقلت خلالها بين العديد من الأبنية التعليمية، القديمة منها والحديثة، وعشت بصورة مباشرة معاناة الطلبة والتدريسيين فيها. كما أتيحت لي، في نهاية سبعينيات القرن الماضي، فرصة المشاركة في فريق تفاوض مع الشركات اليابانية التي تولت تنفيذ مباني المعاهد الفنية، وكانت تلك التجربة مدخلاً للتعرف إلى بعض المفاهيم والمعايير التي تحكم تصميم المؤسسات التعليمية الحديثة، ومنها العلاقة بين البناء والمساحات المفتوحة والخضراء.

تعد المساحات الخضراء في المؤسسات التعليمية جزءاً من البيئة التعليمية وليست مجرد عنصر جمالي. فالتخطيط الحديث ينظر إليها باعتبارها جزءاً من البيئة التي يتعلم فيها الطالب ويقضي ساعات طويلة من يومه.

وتختلف النسب المطلوبة للمساحات المفتوحة والخضراء باختلاف الدولة والمناخ ونوع المؤسسة وموقعها، ولا يوجد رقم عالمي واحد يمكن تطبيقه على جميع المدارس والجامعات. إلا أن كثيراً من الإرشادات التخطيطية تعتمد نسباً مهمة من الموقع للملاعب والساحات والمساحات الخضراء والفراغات المفتوحة. وتزداد أهمية هذه المساحات في رياض الأطفال والمدارس الأساسية، حيث يحتاج الأطفال إلى أماكن آمنة للحركة واللعب، بينما تتخذ في الجامعات أشكالاً أوسع تشمل الحدائق والساحات وأماكن الجلوس والتجمع والتفاعل الاجتماعي.

وعندما تكون الأرض محدودة في المدن المزدحمة، يمكن اللجوء إلى حلول تعويضية، مثل الأسطح الخضراء والحدائق العمودية وزيادة التشجير والتظليل، بدلاً من التخلي عن المبدأ البيئي كلياً.

إذا كانت العملية التعليمية تقوم على تكامل الإنسان والمنهج والمكان، فإن البيئة المحيطة بالطالب تصبح جزءاً من العملية التعليمية نفسها. فالضوء الطبيعي، والهواء النقي، والحرارة المناسبة، والتهوية الجيدة، والظل، والمساحات المفتوحة والخضراء، كلها عناصر تؤثر في راحة الطالب وقدرته على التركيز والاستمرار في التعلم. وتشير الدراسات إلى وجود ارتباط بين التعرض للطبيعة وبعض الوظائف المرتبطة بالتعلم، مثل الانتباه والتركيز واستعادة النشاط الذهني وتقليل الإجهاد النفسي، وإن كانت نتائج الدراسات ليست متطابقة في جميع الحالات. ولذلك لا ينبغي المبالغة في النتائج، لكن من الصعب أيضاً تجاهل الاتجاه العام الذي يرى في البيئة الطبيعية عنصراً مساعداً في توفير بيئة تعليمية أفضل. فالطالب الذي ينتقل من قاعة مغلقة وحارة إلى مساحة مظللة فيها أشجار وهواء متجدد، يحصل على فرصة لاستعادة نشاطه الجسدي والذهني. كما أن الحدائق والساحات ومناطق الجلوس في الجامعات توفر فضاءات للتفاعل الاجتماعي والنقاش والعمل الجماعي، وهي عناصر مهمة في التعليم الحديث.

لا تقتصر فوائد الأشجار والمساحات الخضراء على الجانب النفسي والجمالي؛ فالتشجير يمكن أن يسهم أيضاً في تحسين الأداء الحراري للمبنى. فالأشجار توفر الظل وتقلل تعرض الجدران والأسطح لأشعة الشمس المباشرة، كما يسهم التبخر والنتح في تخفيف الحرارة المحيطة. أما الأسطح الخضراء فقد تساعد، بحسب المناخ وتصميم المبنى ونوع الغطاء النباتي والعزل، في الحد من اكتساب الحرارة وتقليل أحمال التبريد.

ولذلك لا يصح إطلاق رقم ثابت للقول إن التشجير أو الأسطح الخضراء تخفض درجة الحرارة بمقدار محدد؛ فالنتائج تختلف باختلاف الظروف. لكن في بلد ذي صيف طويل وحار مثل العراق، يمكن أن يكون التظليل والتشجير والعزل الحراري والتوجيه الصحيح للمبنى جزءاً من استراتيجية عملية للتكيف مع المناخ.

من الأخطاء التي نلمسها في ابنيتنا التعليمية هو التركيز على مساحة القاعة وحدها وإغفال جودة الهواء داخلها. فالتهوية الجيدة من أهم شروط البيئة التعليمية الصحية، لأنها تساعد على تجديد الهواء وتقليل تراكم الملوثات الداخلية.

ولهذا فإن تحويل منزل إلى مدرسة من دون إعادة تصميمه وفق متطلبات الوظيفة التعليمية قد ينتج عنه عدد من المشكلات: قاعات صغيرة، كثافة مرتفعة من الطلبة، نوافذ غير كافية، ضعف حركة الهواء، إضاءة طبيعية محدودة، وارتفاع في درجات الحرارة.

ولا ينبغي، في المقابل، التعامل مع أرقام جامدة باعتبارها «معايير عالمية» تنطبق على جميع المدارس؛ فمتطلبات مساحة النوافذ وارتفاع السقف ومساحة الطالب تختلف باختلاف الدولة والمناخ ونظام التهوية وتصميم المبنى. لكن المبدأ الأساسي لا يختلف: ينبغي أن يوفر المبنى التعليمي تهوية كافية، وإضاءة مناسبة، وراحة حرارية، ومساحات تتناسب مع أعداد الطلبة ووظائف المؤسسة. وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات الأبنية المحوّلة من الاستخدام السكني إلى الاستخدام التعليمي؛ إذ يجري في كثير من الأحيان تكييف المبنى القائم مع المدرسة، بدلاً من أن يُصمم المبنى من البداية وفق احتياجات المدرسة.

من المؤكد انه لا يمكن قياس جودة المدرسة بمساحة القاعة وحدها، كما لا يمكن اختزال المؤسسة التعليمية في جدران وسقف ومقاعد. إن البيئة التعليمية المتكاملة تشمل القاعات، والممرات، والمختبرات، والمرافق الرياضية، والساحات، والمساحات الخضراء، والتهوية، والإضاءة، والتظليل، والعزل الحراري، والسلامة، والخدمات المساندة. ومن هنا ينبغي أن يتغير مفهوم التخطيط للمؤسسات التعليمية: فليس الهدف مجرد توفير أبنية تستوعب أعداد الطلبة، وإنما إنشاء بيئات تساعدهم على التعلم.

إن الاستثمار في التعليم يبدأ من المكان الذي يتعلم فيه الطالب ولا يقتصر على الكتاب والمنهج وحدهما. فالقاعات الضيقة سيئة التهوية، والمباني الحارة، والساحات الإسمنتية الخالية من الظل، لا توفر البيئة التعليمية التي نطمح إليها، مهما بلغت جودة المناهج وكفاءة التدريسيين.

والمدرسة أو الجامعة التي نريدها لأبنائنا ينبغي أن تكون بيئة حية للعلم والحياة، يجد فيها الطالب المعرفة والهواء النقي والضوء الطبيعي والمساحة التي يتحرك فيها، ويشعر بأن المؤسسة التعليمية لا تعلّمه فحسب، وإنما تحترم إنسانيته وصحته ومستقبله وليست مجرد مبنى يؤدي وظيفة إدارية. فجودة التعليم تُقاس بالبيئة والمكان الذي نضع فيه أبناءنا ليتعلموا ولا يقتصر على نشاط الطالب داخل القاعة الدراسية وحدها.

سعد عبد المجيد ابراهيم

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1529 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع