من الطين إلى الخلود: رحلة الفن في بلاد الرافدين

 الدكتورة نيبال عبد الكريم نعمان

من الطين إلى الخلود: رحلة الفن في بلاد الرافدين

لم يكن الفن في حضارة وادي الرافدين ترفاً جمالياً منفصلاً عن حياة الإنسان، ولم يكن مجرد محاولة لتزيين المعابد والقصور أو تسجيل انتصارات الملوك، بل كان لغةً أخرى للحضارة؛ لغةً سبقت في كثير من الأحيان قدرة الكلمات على احتواء أسئلة الإنسان الكبرى عن الوجود والموت والسلطة والمقدّس والخلود. ففي الأرض التي تشكّلت بين دجلة والفرات، وحيث تعلّم الإنسان أن يحوّل الطين إلى بيت ولوح وتمثال وختم، نشأت واحدة من أقدم التجارب الفنية التي جعلت من المادة البسيطة ذاكرةً قادرة على مقاومة الزمن. ومن هنا تبدو رحلة الفن في بلاد الرافدين رحلةً من الطين إلى الخلود؛ فالطين الذي كان تحت أقدام الإنسان أصبح بين يديه وسيلةً لكتابة التاريخ وصناعة الجمال وحفظ صورة المجتمع والدولة والآلهة والإنسان.
تكمن خصوصية الفن الرافديني في أنه وُلد من صميم البيئة. لم تكن بلاد الرافدين غنية بالأحجار والأخشاب والمعادن بالقدر الذي تمتعت به مناطق أخرى من العالم القديم، لكن محدودية الموارد لم تمنع الإنسان من الإبداع، بل دفعته إلى إعادة اكتشاف قيمة ما يحيط به. أصبح الطين مادةً للبناء والكتابة والتشكيل، وتحول القصب إلى عنصر في العمارة والحياة اليومية، واستُخدمت الأحجار والمعادن المستوردة في الأعمال التي أراد أصحابها أن يمنحوها صفة البقاء والهيبة. وهكذا نشأت فلسفة فنية غير مكتوبة تقوم على تحويل المتاح إلى معنى، والمحدود إلى أثر، والمادة العابرة إلى ذاكرة طويلة العمر.
وعندما نتأمل الفن السومري، نكتشف أن الفنان لم يكن يبحث عن محاكاة الجسد الإنساني وحده، بل عن التعبير عما وراء الجسد. فالتماثيل السومرية ذات العيون الواسعة، التي تبدو كأنها تحدق في فضاء أبعد من المشاهد، لا يمكن قراءتها بوصفها اختياراً شكلياً فحسب؛ إنها تعبير عن الحضور الدائم أمام المقدّس، وعن الإنسان الذي يرى نفسه في علاقة مستمرة مع قوة أعلى منه. إن تضخيم العين هنا يقدّم مثالاً مبكراً على قدرة الفن على تجاوز الواقعية من أجل الوصول إلى المعنى. لم يكن المطلوب أن يكون التمثال نسخةً مطابقة لصاحبه، بل أن يؤدي وظيفة روحية ورمزية، وأن يبقى شاهداً على حضوره حتى في غيابه.
ومع تطور المدن والدول، أخذ الفن يعكس تحولات السلطة. ففي الحضارة الأكدية ظهرت صورة الملك بصورة أكثر قوة ومركزية، وأصبح الجسد الملكي جزءاً من خطاب سياسي يؤكد الهيبة والانتصار. ويكشف ذلك أن الفن لم يكن بعيداً عن بناء مفهوم الدولة؛ فالصورة تستطيع أن تؤسس للسلطة مثلما يفعل القانون والجيش والمؤسسة. وعندما يُصوَّر الملك أكبر حجماً من الآخرين، أو في موضع مرتفع، أو محاطاً بعلامات القوة، فإن التكوين الفني يتحول إلى خطاب سياسي صامت يقول للمشاهد إن السلطة ليست مجرد منصب، بل نظام من الرموز والصور والمهابة.
وفي الفن البابلي تداخل القانون والدين والسلطة والجمال في صورة لافتة. فالآثار البابلية لا تقدم لنا معلومات تاريخية فقط، وإنما تكشف قدرة الفنان على ترتيب العالم بصرياً. المسلة، والنقش، والواجهة المعمارية، والرموز المرتبطة بالآلهة والملوك، جميعها كانت تشارك في صياغة تصور المجتمع للنظام. ولعل من أعمق خصائص هذا الفن أنه لم يفصل بين الجمال والوظيفة؛ فالعمل الفني يمكن أن يكون وثيقةً قانونية ورمزاً سياسياً وعملاً جمالياً في الوقت نفسه. وهذا التداخل يبيّن أن مفهوم الفن في العالم القديم كان أوسع من المفهوم الحديث الذي يفصل غالباً بين المتحف والحياة.
أما الفن الآشوري فقد بلغ مستوى استثنائياً في تحويل الحركة إلى سرد بصري. فالنقوش التي غطت جدران القصور لم تكن زخارف ساكنة، بل صفحات حجرية تروي الصيد والحرب والمواكب والحصار والحياة الملكية. وكان الفنان الآشوري يمتلك قدرة واضحة على ملاحظة التفاصيل: حركة العضلات، اندفاع الخيل، توتر الجنود، مقاومة الحيوان، وانفعال اللحظة. وفي مشاهد صيد الأسود خصوصاً، تتجاوز الصورة حدود تمجيد الملك لتكشف حساً درامياً بالغ القوة؛ فالأسد الجريح، رغم أن وجوده في المشهد يخدم فكرة انتصار الملك، يحتفظ بجلاله وقوته، حتى يبدو أحياناً أكثر تأثيراً من المنتصر نفسه. وهنا تظهر مفارقة الفن العظيم: قد يُصنع لخدمة السلطة، لكنه يستطيع أن ينتج معنىً أوسع من الغرض الذي أُنشئ من أجله.
ويحتل الثور المجنح مكانة خاصة في هذا العالم الرمزي. فهو ليس مجرد كائن خرافي جمع الفنان فيه جسد الثور وأجنحة الطائر ورأس الإنسان، وإنما صياغة بصرية لفكرة الحماية والقوة والحكمة والقدرة على تجاوز الحدود الطبيعية. وقد وضع عند المداخل لأن المدخل في فلسفة العمارة القديمة لم يكن مساحة انتقال مادي فقط، بل عتبة بين عالمين: الخارج والداخل، العام والملكي، المألوف والمهيب. ولذلك كان على الحارس الرمزي أن يكون أكبر من الواقع، لأن الرسالة التي يؤديها أكبر من وظيفة جسدية عادية.
ولا يمكن الحديث عن الفن الرافديني من دون التوقف عند الأختام الأسطوانية، تلك القطع الصغيرة التي تختصر عالماً كاملاً من الصور. فقد استطاع الفنان أن يحفر على مساحة محدودة مشاهد دينية واجتماعية وأسطورية وحيوانية، ثم تتحول الصورة عند دحرجة الختم على الطين إلى شريط سردي متصل. وتكمن عبقرية هذا الفن في الجمع بين الهوية والوظيفة والجمال؛ فالختم علامة شخصية أو إدارية، لكنه في الوقت نفسه مساحة للتعبير الفني. إنه يشبه توقيع الإنسان القديم، إلا أن التوقيع هنا يحمل معه تصوراً للعالم ومكانة صاحبه وصلته بالمقدّس والمجتمع.
كما أن العمارة كانت أحد أعظم أشكال التعبير الفني في بلاد الرافدين. فالزقورات لم تكن أبنية ضخمة فحسب، وإنما تعبيراً عن رغبة الإنسان في تنظيم العلاقة بين الأرض والسماء. الارتفاع نفسه يحمل معنى؛ فالصعود المعماري يصبح رمزاً للصعود نحو المقدّس. وفي المدن البابلية المتأخرة، ولا سيما في العمارة المزدانة بالآجر الملون، أصبح اللون جزءاً من هيبة المدينة. إن بوابات المدن وشوارع المواكب والجدران المزخرفة كانت تصنع تجربة بصرية تجعل الداخل إلى المدينة يشعر بأنه يعبر إلى فضاء منظم ومشحون بالرموز.
ولم يكن الفن محصوراً في النحت والعمارة، فقد عرفت بلاد الرافدين الموسيقى وصناعة الآلات الموسيقية، وأظهرت المكتشفات الأثرية أن الصوت كان حاضراً في الطقوس والاحتفالات والحياة الاجتماعية. وتكشف القيثارات التي عُثر عليها في أور عن مستوى رفيع في الصناعة والزخرفة، لكنها تكشف أيضاً عن شيء أعمق: الإنسان الرافديني لم يكتف بأن يكتب العالم أو ينحته، بل أراد أن يسمعه. وهكذا اكتملت تجربته الجمالية بين الصورة والشكل والصوت والحركة.
ومن الجوانب المهمة أيضاً أن الفن الرافديني حفظ لنا تفاصيل قد لا تستطيع النصوص وحدها نقلها. فمن خلال النقوش والتماثيل والأختام نستطيع أن نقرأ الملابس وتسريحات الشعر والأسلحة والأدوات والمركبات والطقوس والمهن والعلاقات الاجتماعية. ولهذا يتحول العمل الفني إلى وثيقة تاريخية، ولكنها وثيقة ينبغي التعامل معها بوعي؛ لأن الصورة القديمة لم تكن دائماً انعكاساً محايداً للواقع، بل كانت أحياناً تصنع الواقع الذي تريد السلطة أو المؤسسة الدينية أن يراه الناس. وهنا تكمن قيمة الفن كمصدر للتاريخ وكموضوع للنقد في آن واحد.
والإنسان هو المحور الخفي في هذه الرحلة كلها. فحتى عندما يتحدث الفن عن الآلهة والملوك والحروب، فإنه يكشف في النهاية عن الإنسان الذي صنع تلك الصور وعن مخاوفه وأحلامه. كان يخشى الفناء، ولذلك صنع الأثر؛ وكان يدرك هشاشة الحياة، ولذلك بحث عن الديمومة؛ وكان يعيش في عالم تحكمه الطبيعة والفيضانات والصراعات، ولذلك حاول أن يمنح الفوضى شكلاً ونظاماً. بهذا المعنى يصبح الفن محاولةً مبكرة للانتصار على الزمن. الجسد يموت، والمدينة قد تسقط، والدولة قد تزول، لكن الصورة يمكن أن تعبر آلاف السنين لتعيد فتح الحوار بين صانعها ومشاهد لم يكن في مقدوره أن يتخيل وجوده.
إن أعظم ما يميز فن بلاد الرافدين ليس قِدمه وحده، بل قدرته على الاحتفاظ بقوة السؤال. فما زالت العيون السومرية تنظر إلينا، وما زالت الأسود الآشورية الجريحة تحرك الإحساس، وما زالت الأختام الصغيرة تدهشنا بكثافة عوالمها، وما زالت العمارة البابلية تذكّرنا بأن المدينة يمكن أن تكون فكرة جمالية بقدر ما هي مكان للسكن. وهذه القدرة على تجاوز زمن الصانع هي أحد المعاني الحقيقية للخلود الفني.
لقد بدأ الفنان الرافديني بالطين، لكنه لم يبقَ أسيراً له. حوّل الطين إلى ذاكرة، والحجر إلى خطاب، والمعدن إلى رمز، والجدار إلى سجل، والصوت إلى طقس، والمدينة إلى مشهد حضاري متكامل. ومن هنا فإن عبارة «من الطين إلى الخلود» لا تصف انتقالاً بين مادتين أو مرحلتين، بل تختصر فلسفة حضارة كاملة: أن الإنسان يستطيع، بالإبداع، أن يمنح المادة معنىً أطول من عمره. لقد رحل الملوك الذين أمروا ببناء القصور، وغابت أسماء كثير من الفنانين الذين نحتوا التماثيل وحفروا الأختام وزينوا الجدران، لكن ما صنعت أيديهم بقي حاضراً. وربما تكمن المفارقة الأجمل في أن الفنان المجهول الذي لم يكتب اسمه على عمله استطاع أن يحقق ما سعى إليه أعظم الملوك: أن يبقى له صوت بعد آلاف السنين. وهكذا لم يكن الفن في حضارة وادي الرافدين مجرد شاهد على التاريخ، بل كان إحدى الوسائل التي جعلت ذلك التاريخ قادراً على مقاومة النسيان.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

990 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع