يوميات تكسي بغدادي

د.سعد العبيدي

يوميات تكسي بغدادي

يخرج صفاء قبل أن تستيقظ بغداد تمامًا، والشارع ما يزال يحتفظ ببقية من هدوء الليل. يدير محرك سيارته، وحين يستجيب من المحاولة الأولى يبتسم مطمئنًا؛ فقد ذهبت في ثمنها مصوغات زوجته، ودَين لرجل يضع للفائدة موعدًا لا يتأخر. منذ أن اشتراها تغير نظام البيت. يعمل عليها من الصباح حتى آخر النهار، ثم يسلمها إلى فتحي ليعمل عليها ليلًا، ويعيدها قبيل الفجر. لا وقت للراحة؛ فكل ساعة تتوقف فيها مال ضائع، وصاحب الدَّين لا تعنيه أعطال المحرك، ولا تأخر رواتب الموظفين.
يبدأ صفاء يومه بالحساب قبل أن يأتيه أول راكب: هذا للبنزين، وهذا للقسط، وهذا لمصاريف السيارة، وما يبقى يعود به إلى البيت. حساب تعرف الزوجة نتيجته كل مساء من كيس يدخل به محملًا بالخبز والخضار وما يكفي البيت ليعبر إلى يومه التالي.
يأتيه الراكب الأول، ثم الثاني، وتبدأ بغداد بالاستيقاظ. تمتلئ الشوارع، ترتفع أصوات المنبهات، وتنتقل السيارة من حي إلى آخر. ومع كل أجرة يضع الأوراق النقدية في جيبه ويعيد الحساب.
عند الظهر يحمد الله؛ تأمّن ثمن البنزين. وبعد العصر يحمده ثانية؛ صار في الجيب شيء للقسط. وقبيل المساء يبدأ مشوارًا آخر، ثمن الكيس الذي ينتظره البيت.
يرفع آخر راكب يده عند تقاطع الكرادة المزدحم. يوصله، يقبض الأجرة، وينظر إلى الساعة ثم إلى الضوء الأحمر في مؤشر الوقود. ينعطف نحو المحطة، فيرى طابور السيارات ممتدًا إلى الشارع. يتردد؛ ما تبقى في الخزان يكفيه للوصول إلى البيت، لكن فتحي سيأتي بعد قليل، والسيارة عليها أن تواصل العمل ليلًا.
يأخذ مكانه في آخر الطابور ويطفئ المحرك. يتحرك الصف ببطء؛ فيعيد تشغيله، ليتقدم أمتارًا، ثم يطفئه من جديد. ينزل بعض السائقين، يتبادلون السجائر والتذمر. أحدهم يبحث عن البنزين منذ الصباح، فيضحك آخر: لا تستعجل... نحن في بلد النفط، ولسنا في بلد البنزين!
تعلو ضحكات متعبة، ثم يعودون إلى سياراتهم مع تحرك الطابور.
يفتح صفاء الراديو ليقتل الوقت. يتحدث المذيع بحماس عن ارتفاع صادرات النفط، وخطط الحكومة لزيادتها، وعائدات بمليارات الدولارات. يخفض الصوت وينظر إلى الضوء الأحمر في مؤشر الوقود.
تمضي ساعة، ولا تبقى أمامه سوى ثلاث سيارات. يتنفس براحة ويتحسس ما في جيبه؛ يكفي للبنزين وللكيس أيضًا، من دون لحم هذه المرة.
تتحرك سيارة، ثم ثانية، وفجأة يخرج عامل المضخة، يلوح بيده: خلص!
ترتفع أصوات الأبواق، وينزل بعض السائقين محتجين، فيرفع العامل كتفيه: وما ذنبي أنا؟
ينظر إلى المضخة التي كادت تصبح في متناوله، ثم إلى الساعة. يتذكر فتحي الذي لا بد أنه في الطريق، فيغادر الطابور.
على الرصيف القريب من المحطة تصطف "جلكانات" وقنانٍ مملوءة بالبنزين. ينظر إليها، ثم إلى مؤشر الوقود، ويخفف السرعة حتى يتوقف.
يقترب منه شاب. يسأله عن السعر، فيسمع رقمًا يجعله يعيد السؤال. يؤكده الشاب، ويشير إلى المحطة: إذا تريد أرخص، انتظرها حتى تفتح.
ينظر صفاء إلى مؤشر الوقود، ثم إلى الساعة. يمد يده إلى جيبه، يعد النقود ببطء، ويتردد لحظة قبل أن يسلمها. وفي طريق العودة يمر بالسوق الذي يتوقف عنده كل مساء. يخفف السرعة عند مدخله بحكم العادة، ينظر إلى الدكاكين، ثم يمضي.
تسمع الزوجة صوت السيارة فتخرج كعادتها، تسبقها الابنة الصغيرة. تقع عيناها على يده الفارغة، فتنتظر قليلًا، ظنًا منها أن الكيس ما يزال في السيارة. وحين يجلس تسأله: أين قوت الغد؟
يخرج ما بقي في جيبه ويضعه على الطاولة : أكله بنزين الرصيف.
تنظر إلى الأوراق القليلة، ثم إليه، وتمر عيناها على الخزانة التي كانت تحفظ فيها المصوغات: بعنا الذهب حتى نشتري سيارة... هي تاكل ونحن نتفرج.
تمضي السيارة إلى عملها الليلي بخزان ممتلئ، ويدخل البيت ليلته بلا كيس... في بلد يفيض بالنفط، ونصف أهله ينامون جياع.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

811 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع