عودوا يا مسيحيين… لقد اشتقنا إليكم! ولكن … لا تنسوا أن تسألوا عن بيوتكم!

بدري نوئيل يوسف

عودوا يا مسيحيين… لقد اشتقنا إليكم! ولكن… لا تنسوا أن تسألوا عن بيوتكم!

ما أجمل العراق عندما يتحدث عن أبنائه! وما أجمل الكلمات التي نسمعها بين الحين والآخر:

المسيحيون أبناؤنا… نريدهم أن يعودوا إلى وطنهم.
عبارة تجعل القلب يرقص فرحًا، والدمعة تنزل من العين، والحقائب تبدأ وحدها بالتحرك من الخزانة!
المسيحي في المهجر يسمع الكلام فيقول:
حقًا؟ يريدوننا أن نعود؟ ثم يبدأ بالتفكير: أين جواز السفر؟ أين تذكرة الطائرة؟ أين حقيبة السفر؟
وأين… مفتاح البيت؟ وهنا تتوقف الموسيقى! فالمشكلة ليست في تذكرة الطائرة.
المشكلة أن بعض الذين يُطلب منهم العودة تركوا وراءهم بيوتًا وأراضي وممتلكات، وبعضهم عندما يحاول السؤال عنها يجد نفسه أمام قصة أطول من مسلسل تركي!
يسأل: بيتي أين هو؟ يأتيه الجواب: لا نعرف. كيف لا تعرفون؟ هذا بيتي! نعم، كان بيتك.
كان؟!
وهنا تبدأ الحلقة الثانية.
يا سادة، هناك فرق كبير بين أن تقول للمسيحي:
نحن نريدك أن تعود. وبين أن تقول له:
لقد أصبح وطنك آمنًا، وحقوقك مصانة، وبيتك محفوظ، والقانون سيحميك.
الأولى جملة سياسية جميلة. أما الثانية فهي التي تجعل الإنسان يشتري تذكرة العودة فعلًا.
فالمهاجر لا يحتاج إلى من يذكّره بأنه عراقي. هو يعرف ذلك أكثر من الذين يطلبون منه العودة.
يعرفه من لهجته. من ذكرياته. من صور أمه وأبيه. من رائحة خبز الحي القديم.
من الكنيسة التي كان يذهب إليها. ومن المقبرة التي ترك فيها أناسًا أحبهم ولم يستطع حتى أن يزور قبورهم كما كان يفعل.
لكن يبدو أن هناك سوء تفاهم بسيطًا. البعض يتصور أن المسيحي خرج من العراق لأنه كان يبحث عن بلد أجمل! لا يا عزيزي.
لو كان الأمر يتعلق بجمال الشوارع، لربما عاد غدًا.
لكن الإنسان عندما يخاف على حياته، وعلى عائلته، وعلى مستقبله، يبدأ بالبحث عن مكان يستطيع فيه أن يعيش دون أن ينظر خلفه كل خمس دقائق.
وهنا تأتي المفارقة:
تطلب منه أن يعود، بينما هناك من يطلب من المسيحي الموجود في العراق أن يخلي منزله!
يا لها من مصادفة! واحد يقول: عودوا!
والآخر يقول: اخرجوا!
والاثنان يتحدثان عن العراق! يبدو أن المشكلة ليست في المسيحي. المشكلة أن هناك اختلافًا في العنوان!
تخيلوا المشهد: مسيحي عراقي في السويد يسمع: عُد إلى العراق، وطنك بحاجة إليك.
فيقول: حسنًا، سأعود. يصل إلى بغداد. يذهب إلى مدينته. يصل إلى الحي. ثم يقف أمام منزله.
يدق الباب. يفتح له شخص.
فيقول: عفوًا، أنا صاحب هذا البيت.
فيرد الآخر: أهلاً وسهلاً.
شكرًا… إذن هل تسمح لي بالدخول؟
طبعًا. ممتاز. لكن ليس إلى البيت. إلى أين؟ إلى الشارع!
هذه ليست قصة خيالية.
إنها الصورة الساخرة التي تختصر مأساة أكبر: عندما يصبح المواطن مطالبًا بإثبات حقه في المكان الذي كان يومًا بيته.
إذا أردنا عودة المسيحيين، فلنبدأ من هنا. لا تبدأوا بالمؤتمرات. لا تبدأوا بالشعارات. لا تبدأوا بالصور الجماعية والابتسامات أمام الكاميرات.
ابدأوا من البيت. من الأرض. من الملكية. من القانون. من الأمان. ومن حق المواطن أن يقول:
هذا بيتي. ثم يسمع جواب الدولة: ونحن سنحمي حقك فيه. عندها فقط يمكن أن نقول للمهاجر:
ارجع.
المسيحيون لا يريدون العراق على شكل بطاقة بريدية. لا يريدون أن يسمعوا فقط عن «العراق الجميل» في الخطب. يريدون العراق الذي يستطيع فيه الإنسان أن يعيش دون أن يخاف من تهديد، أو ابتزاز، أو اعتداء، أو أن يجد شخصًا آخر يضع يده على منزله ثم يطلب منه أن يكون وطنيًا!
الوطنية لا تعني أن تسكت عندما تُسلب حقوقك. والوطنية لا تعني أن تعود لتكتشف أن بيتك أصبح ملكًا لغيرك. والوطنية لا تعني أن تقول للمواطن:
ارجع، وبعدها سنبحث في مشكلتك. بل الدولة تبدأ بحماية المواطن، ثم تطلب منه أن يثق بها.
لذلك، يا من تشتاقون إلى المسيحيين وتطالبونهم بالعودة:
نحن أيضًا نشتاق إلى العراق الذي كان يتسع للجميع. نشتاق إلى عراق لا يحتاج فيه المواطن إلى تعريف نفسه كل صباح: أنا مسيحي. أنا مسلم. أنا إيزيدي. أنا صابئي. أنا كردي. أنا عربي.
بل يقول ببساطة: أنا عراقي.
فإذا كان العراق يريد أبناءه فعلًا، فليثبت ذلك بالأفعال. أعيدوا الحقوق. احموا البيوت. صونوا الأراضي. حاسبوا المعتدي. وأوقفوا كل من يحاول دفع المواطن إلى الهجرة بالخوف والتهديد
والمضايقة. وبعدها… ارفعوا أصواتكم كما تشاؤون:
عودوا يا مسيحيين! وسترون أن الكثيرين سيعودون. لأن المشكلة لم تكن يومًا في حبهم للعراق.
المشكلة كانت في السؤال الذي ظل يطاردهم: هل العراق الذي أحببناه ما زال يحبنا؟
أما أن تقول للمسيحي:
عودوا، فقد اشتقنا إليكم بينما هناك من يهمس له:
اترك بيتك وارحل فهذه ليست دعوة للعودة.
هذه أقرب إلى إعلان ساخر يقول: العراق يرحب بكم جميعًا… لكن يرجى ترك البيوت قبل الدخول!
وهنا لا بد أن نضحك…
لأن البديل عن الضحك، في بعض الأحيان، هو البكاء.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1305 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع