
حميد كوره جي
سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي
لا يمكن فهم أزمة التجديد التي تعيشها الأنظمة الحزبية التقليدية، ولا سيما تلك التي نشأت على إرث «المركزية الديمقراطية»، بمعزل عن الظروف التاريخية والمادية التي صنعت هذه البنية في الأصل. فالصراع الحالي حول تمديد ولاية «السكرتير» أو تعديل قواعد الحياة الداخلية بما يضمن بقاءه في موقعه لا يبدو مجرد خلاف إجرائي، بل يكشف عن أزمة أعمق تتصل ببنية الحزب نفسها، وبقدرته على التكيف مع التحولات التي طرأت على المجتمع والتكنولوجيا وأشكال العمل السياسي.
يبدأ الاغتراب التنظيمي عندما يتحول الحزب من وسيلة لتحقيق التغيير إلى غاية قائمة بذاتها، وعندما تصبح المحافظة على النظام الداخلي أهم من الكفاءة والقدرة على المبادرة. عندها ينفصل التفكير الخلاق عن أدوات الفعل السياسي، ويجد أصحاب الأفكار الجديدة أنفسهم أمام منظومة تكافئ الامتثال أكثر مما تكافئ المبادرة. والنتيجة غالبًا واحدة: ينسحب أصحاب الكفاءة، يتراجع التجدد، ويبدأ الحزب تدريجيًا في فقدان صلته بجمهوره.
ولم يكن نموذج «السكرتير العام» شديد القوة وليد الصدفة. فقد ارتبط تاريخيًا بظروف العمل السري، والصراعات الوجودية، ومتطلبات الحرب الباردة، وهي ظروف جعلت تركيز القرار والانضباط الصارم وسيلتين لحماية التنظيم وضمان تماسكه. لكن المشكلة بدأت عندما تغيّرت الظروف بينما بقيت البنية التنظيمية على حالها.
فمع انتقال الأحزاب إلى العمل العلني، وتغير طبيعة الصراع السياسي، وتطور وسائل الاتصال والمشاركة، كان من المفترض أن تتطور معها قواعد العمل الداخلي. إلا أن كثيرًا من هذه التنظيمات احتفظت بهياكل صُممت لعصر مختلف تمامًا. وهكذا أخذت «المركزية الديمقراطية» تفقد مضمونها تدريجيًا، لتتحول في بعض الحالات إلى مركزية بيروقراطية تحافظ على مواقعها من خلال ضبط القواعد، وتضييق مساحة المنافسة، وإقصاء الأصوات التي تطالب بالتغيير.
ومن هنا، فإن أزمة التجديد ليست في جوهرها مشكلة أشخاص فقط، حتى لو اتخذت شكل صراع حول ولاية شخص بعينه؛ إنها مشكلة نظام تنظيمي لم يعد قادرًا على إنتاج التجديد من داخله. وحين تصبح القواعد وسيلة لحماية القيادة بدل أن تكون أداة لتنظيم التداول والمساءلة، يتحول الحزب شيئًا فشيئًا من تنظيم يسعى إلى تغيير الواقع إلى مؤسسة منشغلة بالحفاظ على ذاتها.
إن الإصرار على إبقاء قيادة استنفدت دورتها التاريخية، عبر عمليات جراحية مشوهة للنظام الداخلي، يذكرنا بتحليلات مدرسة فرانكفورت حول الكيفية التي تتحول بها أدوات التحرر إلى أدوات للهيمنة. وفي هذه الحالة، تصبح القيادة هيمنة داخلية تخنق أي حراك قاعدي، وتُفرغ الحزب من طاقته الثورية النقدية، ليتحول إلى مجرد آلة إدارية تدير الأزمة ولا تحلها، أو في حالتنا العراقية يجري التماهي مع الأزمة والتكيف معها.
تدخل الأزمة بُعداً أكثر تعقيداً عند مقاربة مفهوم "القيادة" في عصر الفضاء المفتوح. في الماضي، كان السكرتير ومكتبه السياسي يمتلكان ميزة "احتكار المعلومات"، ومن خلالها يتم توجيه القاعدة الحزبية. أما اليوم، في عصر العمل العلني والشفافية المطلقة التي تفرضها شبكات التواصل، سقطت أسوار المعرفة الحصرية.
لم يعد بإمكان القائد الفرد أن يدّعي امتلاك الرؤية الكلية بمعزل عن الجماهير والقواعد الحزبية. فالعمل العلني يفرض قواعد اشتباك سياسي جديدة تعتمد على الإقناع المفتوح، المحاسبة الآنية، وسرعة الاستجابة، وهي أدوات تتناقض كلياً مع عقلية "المؤتمرات المغلقة" وتعديل اللوائح في الغرف المظلمة.
نحن نعيش الثورة الرقمية، وتحليل البيانات الضخمة، والأنظمة الشبكية اللامركزية. هذه التقنيات لم تغير شكل الاقتصاد والإعلام فحسب، بل غيرت البنية التحتية للعقل البشري وطرق اتخاذ القرار.
في هذا العصر، لم يعد من الواقعي افتراض أن شخصاً واحداً، مهما بلغت قدراته وخبرته، قادر على الإحاطة وحده بهذا الكم الهائل من المتغيرات السياسية والتنظيمية والمعرفية المتسارعة. المشكلة هنا ليست في كفاءة الفرد بقدر ما هي في حدود أي فرد أمام واقع أصبح أكثر تعقيداً من أن يُدار بعقل واحد.
لذلك، ربما آن الأوان لمراجعة فكرة «السكرتير العام» بصيغتها التقليدية، والانتقال إلى نموذج قيادة جماعية يعمل بمنطق الشبكة أكثر مما يعمل بمنطق الهرم. في مثل هذا النموذج، تتوزع المسؤوليات أفقياً، وتصبح عملية اتخاذ القرار أكثر اعتماداً على النقاش وتعدد الخبرات، بدلاً من تركيز النفوذ في موقع واحد. ولا يعني ذلك إلغاء القيادة أو إضعافها، بل إعادة تعريفها على نحو يجعلها أكثر مرونة وأقل عرضة للاحتكار الشخصي.
وفي الوقت نفسه، لم تعد الكثير من المهام الإدارية والتنظيمية التي كانت تستنزف وقت القيادة تحتاج إلى تدخل بشري دائم. يمكن للأنظمة الرقمية وأدوات الإدارة الحديثة أن تتولى جانباً واسعاً من هذه الأعمال، من تنظيم المعلومات ومتابعة الملفات إلى قياس الأداء وتوثيق القرارات. وبذلك يتاح للكادر القيادي أن يركز على ما يفترض أن يكون جوهر دوره: تطوير الأفكار، قراءة التحولات السياسية، وبناء الصلة الفعلية مع القواعد والواقع الميداني.
بل إن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تُستخدم، إذا وُضعت لها ضوابط واضحة، في بناء آليات داخلية أكثر شفافية لتقييم الأداء ومراجعة القرارات ومتابعة تنفيذ المسؤوليات. الفكرة ليست استبدال السياسة بالخوارزميات، فهذا سيكون خطأً آخر، وإنما استخدام التكنولوجيا لتقليل مساحة المحاباة والولاءات الشخصية، وجعل المعلومات التي تُبنى عليها التقييمات متاحة وواضحة قدر الإمكان. عندها يصبح من الأصعب أن تتحول العلاقات الشخصية إلى معيار للترقية أو الإقصاء، أو أن تستمر الشللية باعتبارها بديلاً عن الكفاءة.
أما محاولة الحفاظ على البنية القديمة من خلال إعادة توزيع المواقع بين الوجوه نفسها، فلن تكون في الغالب سوى تأجيل للمشكلة. تغيير اسم السكرتير أو استبدال شخص بآخر، مع إبقاء الآلية ذاتها، لا يصنع تغييراً حقيقياً. المطلوب أعمق من ذلك: إعادة النظر في البنية نفسها، وفي الطريقة التي تُوزع بها السلطة والمسؤولية، وفي العلاقة بين القيادة والقاعدة.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى تجاوز «صنم السكرتير» لمصلحة هيئة قيادية أكثر مرونة وتنوعاً، قادرة على الاستفادة من أدوات العصر من دون أن تتحول إلى أسيرة لها. هيئة لا تُقاس قوتها بمدى تماسك مركزها، وإنما بقدرتها على استيعاب الاختلاف، وتجديد كوادرها، والاستماع إلى قواعدها، ومساءلة نفسها بصورة دورية. وهذا، في النهاية، هو الطريق الأقرب إلى إعادة بناء تنظيم ديمقراطي يستطيع أن يعيد للكادر، بما فيه الكادر المغترب، صوته ودوره وشعوره الحقيقي بأنه شريك في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ له.
وهذه المعضلة ليست جديدة تماماً في تاريخ الحركة اليسارية. فقد ظهرت بصورة واضحة في الاتحاد السوفييتي خلال ما عُرف بـ«حقبة الجمود»، ولا سيما في سنوات قيادة ليونيد بريجنيف خلال السبعينيات والثمانينيات.
فسياسة «استقرار الكوادر»، التي قُدمت في بدايتها بوصفها وسيلة لضمان الاستقرار والاستمرارية، تحولت تدريجياً إلى عائق أمام التجديد. ومع مرور الوقت، ترسخت داخل الحزب قيادة متقدمة في السن وبيروقراطية أكثر اهتماماً بالحفاظ على مواقعها من فتح المجال أمام أجيال جديدة. وهكذا نشأت حالة من «الجيرونتوقراطية»، أي هيمنة كبار السن على مواقع القرار، وأصبح الولاء للمركز في كثير من الأحيان أكثر أهمية من القدرة على التفكير النقدي أو تقديم أفكار جديدة.
المشكلة في تلك التجربة ليست أن القادة كانوا كباراً في السن بحد ذاتهم، بل أن النظام التنظيمي أصبح عاجزاً عن تجديد نفسه. وعندما يفقد أي تنظيم قدرته على إدخال دماء جديدة، ومراجعة أفكاره، ومحاسبة قياداته، فإن الاستقرار الذي يسعى إلى حمايته يمكن أن يتحول تدريجياً إلى جمود، ثم إلى أزمة بنيوية يصعب علاجها بالترقيع.
كانت النتيجة المباشرة لهذا التكلس التنظيمي اتساع الفجوة بين الخطاب الذي يصدر عن القيادة وبين الواقع الذي كانت الجماهير تعيشه وتتغير داخله. ومع اتساع هذه الفجوة، بدأ التنظيم يفقد قدرته على الاستجابة، وتحولت المركزية من وسيلة لتوحيد الإرادة إلى عامل من عوامل شللها. ومع الوقت، نشأت حالة من الاغتراب بين القواعد والقيادة، بحيث لم يعد التنظيم يرى الواقع من موقع القاعدة، ولا القاعدة ترى نفسها ممثلة فعلياً في قرارات القيادة. وعندما جاءت لحظة الاختبار التاريخي، ظهر حجم هذا الانفصال بصورة أكثر وضوحاً، ولم تعد البنية قادرة على الصمود أمام الضغوط المتراكمة.
ولم تكن هذه التجربة حكراً على الاتحاد السوفييتي. ففي العقود الأخيرة من القرن العشرين، ومع دخول العالم مرحلة سياسية واجتماعية جديدة، بدأت البنى التقليدية لعدد من الأحزاب اليسارية والاشتراكية الديمقراطية في أوروبا تفقد الكثير من نفوذها. وكان الحزب الشيوعي الإيطالي أحد أبرز الأمثلة، إلى جانب التراجع الذي أصاب الأحزاب الكلاسيكية في فرنسا ودول أوروبية أخرى.
وقد أظهرت هذه التحولات أن المشكلة لا تتعلق فقط بتراجع شعبية حزب أو سوء أداء قيادة بعينها، وإنما بقدرة التنظيم نفسه على إعادة إنتاج أدواته وأساليب عمله بما يتناسب مع مجتمع يتغير. فالأحزاب التي بقيت أسيرة التسلسلات الهرمية الصلبة، والمركزية المفرطة، وشخصنة القرار، وجدت نفسها تدريجياً أقل قدرة على التواصل مع الحركات الاجتماعية الجديدة، وأبطأ في التعامل مع بيئة سياسية أصبحت فيها المعلومة أسرع انتشاراً، والمساءلة أكثر حضوراً، والسلطة أقل قابلية للاحتكار.
ومن هنا بدأت تظهر، داخل تجارب اليسار الأوروبي وخارجه، محاولات للبحث عن أشكال تنظيمية مختلفة. لم يكن الانتقال من «الحزب الهرمي» إلى «الحركة الشبكية» وصفة جاهزة أو ناجحة دائماً، لكنه عبّر عن حاجة حقيقية إلى تجاوز التنظيم الذي يدور حول مركز واحد، والبحث عن صيغ أكثر أفقية، تسمح بتوزيع المسؤوليات وتعدد مراكز المبادرة، وتمنح القواعد قدرة أكبر على التأثير في القرار. وفي أفضل صورها، تسعى هذه النماذج إلى تقليص الشخصانية السياسية، بحيث تصبح المؤسسة أقوى من الأشخاص، ويصبح الأداء القيادي خاضعاً للمراجعة والمساءلة بدلاً من أن تحميه المكانة التنظيمية.
وهنا تبرز مسألة «المركزية الديمقراطية» التي احتلت موقعاً مركزياً في الفكر اللينيني. ففي صيغتها النظرية، تقوم الفكرة على الجمع بين مساحة واسعة للنقاش الداخلي ووحدة في الفعل بعد اتخاذ القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما يُنتزع هذا المفهوم من سياقه التاريخي والمادي، ويُعامل باعتباره نموذجاً تنظيمياً ثابتاً لا يحتاج إلى مراجعة مهما تغيرت الظروف.
عندها يمكن لمفهوم كان يفترض أن ينظم العلاقة بين النقاش والوحدة أن يتحول إلى أداة لتقييد النقاش نفسه. فبدلاً من أن تكون المركزية نتيجة لنقاش ديمقراطي سابق عليها، تصبح هي نقطة البداية، ثم يجري استخدام الانضباط التنظيمي لإغلاق النقاش بحجة حماية الوحدة. وبذلك ينقلب التوازن الأصلي بين الديمقراطية والمركزية تدريجياً لصالح المركزية وحدها.
وهذا هو الخطر الحقيقي: أن تتحول أداة تنظيمية صُممت في سياق تاريخي محدد إلى عقيدة مغلقة. فعندما تفقد «المركزية الديمقراطية» جانبها الديمقراطي، لا تعود وسيلة لحماية التنظيم من الضغوط الخارجية بقدر ما تصبح آلية للسيطرة عليه من الداخل. وعندما يصبح الاختلاف شبهة، والنقد تهديداً للوحدة، والتجديد خروجاً عن الخط، يبدأ التنظيم في استنزاف قدرته على تصحيح أخطائه بنفسه.
في هذه اللحظة تحديداً، تصبح المركزية عكس ما يفترض أن تكون عليه: بدلاً من أن توحّد الإرادة بعد نقاش حقيقي، تمنع تشكل الإرادة الجماعية أصلاً. وهنا لا يعود الخطر في وجود قيادة قوية، بل في غياب الآليات التي تسمح للقيادة بأن تُراجع وتُحاسب وتُستبدل عندما تعجز عن مواكبة الواقع.
إن تجاوز إخفاقات «المركزية الديمقراطية» لا يقتضي بالضرورة التخلي عن كل ما أنتجته التجربة التاريخية، بقدر ما يقتضي إعادة النظر في الافتراضات التنظيمية التي نشأت في عصر مختلف تماماً. فالتنظيم الذي صُمم لواقع صناعي تتسم فيه علاقات العمل والسياسة بدرجة عالية من المركزية، يصعب عليه أن يتعامل بالطريقة نفسها مع واقع أصبحت فيه الرأسمالية أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والشبكات والمعلومات، وأصبحت فيه حركة الأفكار والأفراد أسرع بكثير من قدرة الهياكل التقليدية على الاستجابة.
من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من النموذج الهرمي الصلب إلى أشكال تنظيمية أكثر مرونة، تجمع بين التنسيق العام والاستقلال النسبي للوحدات المحلية والميدانية. الهدف ليس تفكيك التنظيم وتحويله إلى مجموعات منفصلة، وإنما إعادة توزيع القدرة على المبادرة بحيث لا تبقى القاعدة مجرد منفذ لقرارات تُتخذ في مركز بعيد عنها. وبدلاً من أن ينحصر القرار في مكتب سياسي مغلق أو في موقع قيادي واحد، يمكن بناء شبكة من الوحدات واللجان التي تمتلك هامشاً حقيقياً من الاستقلال التكتيكي، مع التزامها بالمبادئ والأهداف العامة التي يحددها التنظيم بصورة ديمقراطية.
وفي مثل هذا النموذج، لا تُصنع القيادة مسبقاً وتُفرض على الواقع، بل تتشكل تدريجياً من داخل التجربة نفسها. فمن يخوض معركة عمالية ويكتسب ثقة زملائه، أو من يقود مبادرة بيئية أو ثقافية أو تقنية ناجحة، يمكن أن يصبح جزءاً من القيادة بحكم ما راكمه من خبرة وثقة، لا بحكم قربه من مركز القرار. وهذا النوع من القيادة المتحركة يجعل من الصعب تحول الموقع التنظيمي إلى ملكية شخصية أو إلى وظيفة دائمة تنتقل من جيل إلى آخر.
كما أن العلاقة بين الوحدات التنظيمية لا ينبغي أن تمر دائماً عبر سلسلة طويلة من المستويات الإدارية. فكلما أمكن للجان الميدانية والوحدات المحلية أن تتواصل مباشرة، وأن تتبادل المعلومات والخبرات، وأن تنسق تحركاتها بسرعة، أصبح التنظيم أكثر قدرة على الاستجابة للواقع. وهذا لا يلغي الحاجة إلى مركز للتنسيق، لكنه يغيّر وظيفته: من مركز يصدر الأوامر إلى مركز يربط الوحدات، ويوفر المعلومات والموارد، ويساعد على تنسيق القرارات المشتركة.
والديمقراطية الداخلية بدورها تحتاج إلى أكثر من مجرد التصويت الدوري أو الاحتكام إلى قاعدة الأغلبية. فالتصويت قد يحسم الخلاف، لكنه لا يضمن بالضرورة أن يكون النقاش الذي سبقه حراً أو متكافئاً. لذلك ينبغي أن تكون هناك مساحات فعلية للحوار والنقد، يستطيع فيها العضو الاعتراض على القيادة أو مراجعة قرار سابق من دون أن يتحول ذلك إلى اتهام بعدم الانضباط. الوحدة التنظيمية لا تصبح أكثر قوة عندما تختفي الخلافات، وإنما عندما تمتلك الوسائل التي تسمح بإدارتها بصورة علنية وعقلانية، وتحولها من مصدر للانقسام إلى مصدر للتعلم والتصحيح.
ويمكن للتكنولوجيا أن تساعد في بناء هذه المساحات، شرط ألا تتحول هي الأخرى إلى أداة جديدة للسيطرة. فالمنصات الرقمية مفتوحة المصدر يمكن أن تتيح للأعضاء المشاركة في صياغة البرامج والسياسات، ومناقشة المقترحات، وتعديلها، وتتبع مسار اتخاذ القرار. لكن قيمة هذه الأدوات لا تأتي من التكنولوجيا نفسها، بل من القواعد السياسية التي تحكم استخدامها: من يملك البيانات؟ من يستطيع الاطلاع عليها؟ من يملك حق الاقتراح؟ وكيف يمكن مساءلة من يتخذ القرار؟
وفي عصر الشبكات، لم يعد «المثقف العضوي» بالضرورة شخصية منفردة تمتلك المعرفة وتنتجها نيابة عن الآخرين. يمكن أن يصبح دوراً جماعياً تؤديه شبكة واسعة من الأعضاء، بحيث تنتج المعرفة من خلال التجربة والنقاش وتبادل الخبرات. العامل في موقع الإنتاج، والناشط في الحي، والباحث، والطالب، والمبرمج، والمهاجر، جميعهم قادرون على إنتاج معرفة سياسية إذا أُتيح لهم المجال للمشاركة في تفسير واقعهم، لا أن يكونوا مجرد جمهور يتلقى التحليل من المركز.
وهنا تصبح مسألة المعلومات جزءاً أساسياً من الديمقراطية التنظيمية. فالوثائق، والموارد المالية، ومحاضر الاجتماعات، والقرارات الأساسية، ينبغي أن تكون متاحة للأعضاء ضمن قواعد واضحة تحمي ما يحتاج فعلاً إلى السرية من دون تحويل السرية إلى قاعدة عامة. فاحتكار المعلومات يمنح من يملكها سلطة غير معلنة، وقد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من امتلاك المنصب نفسه. وكلما أصبحت المعلومات أكثر شفافية، أصبح من الصعب أن تتشكل مراكز نفوذ مغلقة خلف الأبواب التنظيمية.
أما مهمة القيادة في هذا النموذج، فلا ينبغي أن تكون امتلاك الحقيقة أو احتكار الاتجاه السياسي، بل بناء الشروط التي تسمح للتنظيم كله بإنتاج قرارات أفضل. القيادة هنا تنسق أكثر مما تأمر، وتفسر أكثر مما تملي، وتتحمل مسؤولية القرار من دون أن تحتكر مصادر المعرفة. وبهذا المعنى، لا يكون تجاوز النموذج القديم مجرد تغيير في شكل الهيكل التنظيمي، بل تغييراً في الثقافة السياسية نفسها: من تنظيم يقوم على الطاعة والثقة بالأشخاص، إلى تنظيم تقوم قوته على المشاركة، وتداول المسؤولية، وشفافية المعلومات، والقدرة المستمرة على مراجعة الذات.
وبذلك تتغير وظيفة الهيئات التنسيقية نفسها: فبدلاً من أن تكون مركزاً لإنتاج التوجيه الأيديولوجي أو إصدار التعليمات، تصبح مهمتها الأساسية تنسيق الموارد، وتسهيل العمل المشترك، وتأمين البنية التحتية التي تحتاجها المبادرات والحركات المختلفة لكي تعمل وتتوسع.
لكن اللامركزية لا تضمن وحدها الديمقراطية. فحتى التنظيم الشبكي يمكن أن ينتج، مع الوقت، مراكز نفوذ غير معلنة تعيد إنتاج الهرمية القديمة بأدوات جديدة. ولهذا فإن بناء هذا النوع من التنظيم يحتاج إلى آليات رقابة شعبية مباشرة، يمكن الاستفادة في تطويرها من بعض التجارب العمالية التاريخية، وفي مقدمتها تجربة كومونة باريس.
ومن أهم هذه الآليات أن يكون للقاعدة حق سحب الثقة من أي ممثل أو منسق عندما يثبت إخلاله بالمهام التي كُلّف بها أو خروجه عن الالتزامات التي انتُخب على أساسها، من دون أن تضطر إلى انتظار مؤتمر دوري قد يفصلها عن القرار سنوات. وبالمثل، ينبغي أن يكون أداء اللجان والممثلين قابلاً للتقييم بصورة دورية وشفافة، بحيث تُعرف المسؤوليات والنتائج بوضوح، ويصبح من الصعب على مجموعة محددة أن تحول موقعها التنظيمي إلى نفوذ دائم.
هذا التحول ليس تجميلاً تنظيمياً ولا مجرد محاولة لمجاراة لغة العصر. إنه يتعلق بقدرة التنظيم نفسه على البقاء فعالاً في بيئة سياسية تغيرت شروطها بصورة عميقة. فالتنظيم الذي لا يستطيع مراجعة نفسه، أو تغيير قياداته، أو توزيع المعرفة والموارد، سيجد نفسه عاجلاً أم آجلاً منفصلاً عن الواقع الذي يفترض أنه يريد تغييره.
أما محاولة إدخال بعض الآليات الشبكية والأفقية داخل هيكل هرمي لم تتغير قواعده الأساسية، فقد تنتج شكلاً جديداً من التناقض. فليس من السهل أن تعمل أدوات تقوم على المشاركة وتوزيع المبادرة داخل بنية لا تزال تقوم على تركيز القرار وحماية المواقع. قد تبدو النتيجة في البداية تجديداً، لكن من دون تغيير علاقات القوة التي تحكم المؤسسة، يمكن أن تتحول «الشبكية» نفسها إلى واجهة حديثة لهرمية قديمة.
وهنا لا تكفي النوايا الحسنة أو الدعوات المتكررة إلى «الإصلاح». فهناك أسباب بنيوية تجعل المؤسسات تميل إلى حماية الشكل الذي استقرت عليه. ومع مرور الوقت، قد تتحول المنظمة التي نشأت أصلاً باعتبارها أداة للتغيير إلى مؤسسة يصبح الحفاظ على وجودها واستمراريتها هدفاً قائماً بذاته. وحين تتشكل داخلها طبقة بيروقراطية ترتبط مصالحها ومكانتها ببقاء النظام التنظيمي كما هو، يصبح أي تغيير حقيقي أكثر صعوبة، لأنه لا يعود مجرد تعديل في اللوائح، بل يصبح مساساً بمصالح ومواقع فعلية.
من هنا تنشأ مقاومة التغيير التي لا تظهر دائماً في صورة رفض صريح. أحياناً تتبنى المؤسسة نفسها مفردات مثل «التجديد» و«الشفافية» و«تمكين القاعدة»، لكنها تفعل ذلك بطريقة تجعل هذه المفاهيم منفصلة عن توزيع السلطة الحقيقي. تتحول الشفافية، مثلاً، إلى نشر بيانات شكلية، ويتحول التجديد إلى تغيير في الوجوه، بينما تبقى آليات اتخاذ القرار والرقابة والمساءلة على حالها. وهكذا يصبح خطاب الإصلاح وسيلة لامتصاص الضغط بدلاً من أن يكون مدخلاً لإعادة بناء المؤسسة.
وتزداد المفارقة وضوحاً إذا قارنا ذلك بالتغير الذي طرأ على بيئة الإنتاج والاتصال نفسها. فالتكنولوجيا الحديثة جعلت تداول المعلومات أسرع، والعمل أكثر اعتماداً على الشبكات، وأتاحت أشكالاً جديدة من التعاون وإنتاج المعرفة. وفي المقابل، لا تزال كثير من الأحزاب تعمل بعقلية تشكلت في ظروف كان فيها الوصول إلى المعلومات أبطأ، والاتصال أكثر كلفة، والسرية جزءاً أساسياً من العمل السياسي.
لا يعني هذا أن التكنولوجيا تفرض نموذجاً سياسياً واحداً، أو أن الشبكات الرقمية تعني تلقائياً الديمقراطية. لكنها تخلق إمكانات جديدة يصعب تجاهلها. وعندما يبقى القرار محصوراً في هيئات مغلقة، بينما يستطيع الأعضاء التواصل وتبادل المعلومات بصورة مباشرة وفورية، ينشأ تناقض متزايد بين طريقة عمل المجتمع وطريقة عمل التنظيم. يصبح السؤال عندها ليس فقط: هل تستطيع القيادة أن تتغير؟ بل: هل تستطيع أن تتخلى عن جزء من أدوات السيطرة التي راكمتها؟
وهذه ربما هي أصعب نقطة في عملية التحول. فإعادة بناء التنظيم الشبكي لا تحتاج فقط إلى لوائح جديدة أو منصات رقمية، وإنما إلى إعادة توزيع حقيقية للسلطة. ومن الطبيعي أن تواجه هذه العملية مقاومة من كل من ارتبطت مكانته أو نفوذه بالبنية القديمة. لذلك فإن انتظار أن تقوم البيروقراطية نفسها بالتخلي طوعاً عن الأدوات التي تمنحها نفوذها قد يكون رهاناً غير واقعي.
وفي حال بلغ الانسداد الداخلي حداً يجعل الإصلاح الجوهري مستحيلاً، يصبح من المشروع التفكير في بناء مسارات تنظيمية جديدة خارج الهياكل القديمة، لا باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها محاولة لخلق تجربة مختلفة يمكن أن تتعلم من إخفاقات التجارب السابقة. ومن هنا يمكن أن تنشأ «كتلة تاريخية» جديدة، ليس بمعنى إعادة إنتاج تحالفات الماضي، وإنما بمعنى بناء قوة اجتماعية وسياسية قادرة على جمع فئات وتجارب لم تعد تجد لنفسها مكاناً داخل الأطر التقليدية.
هذه الحركات الجديدة قد تنشأ في مواقع العمل، وفي الأحياء، وفي الفضاءات الرقمية، وفي القضايا البيئية والثقافية والتكنولوجية، وعلى هامش الأطر الحزبية القائمة. وما يجمع بينها ليس بالضرورة برنامج أيديولوجي مكتمل منذ البداية، بل تجربة مشتركة في مواجهة مشكلات لم تعد المؤسسات القديمة قادرة على تمثيلها أو تنظيمها.
وفي هذا السياق يتغير معنى القيادة نفسه. فالكادر القيادي الجديد لا يفترض أن يكون «قائداً للجماهير» يقف خارجها ويوجهها، بل يمكن أن يكون محفزاً ومنسقاً داخل شبكة أوسع منه. تتمثل مهمته في ربط المبادرات ببعضها، وتسهيل الوصول إلى الموارد، وفتح قنوات تبادل المعرفة، ومساعدة الأعضاء على تحويل تجاربهم المتفرقة إلى فهم سياسي مشترك.
وبذلك لا تختفي القيادة، وإنما يتغير موقعها ووظيفتها. تصبح القيادة قدرة على بناء العلاقات وتسهيل التعاون وإنتاج الشروط التي تسمح للآخرين بالمشاركة، بدلاً من أن تكون امتيازاً دائماً في احتكار القرار. وهذا التحول، في جوهره، هو الانتقال من تنظيم يحتاج إلى قائد كي يعمل، إلى تنظيم يستطيع أفراده أن يعملوا معاً حتى عندما يتغير القائد.
ولا يعني التأسيس من جديد محو التاريخ أو التنكر للتجارب التي سبقتنا، كما لا يعني أن كل ما أنتجته التنظيمات السابقة أصبح بلا قيمة. على العكس، لا يمكن بناء تجربة جديدة من دون فهم أسباب نجاح التجارب السابقة وإخفاقاتها، وما تركته من دروس في التنظيم والعمل السياسي. المقصود هو أن نأخذ من هذا التاريخ ما يساعدنا على بناء هيكل مختلف، أكثر قدرة على مقاومة إعادة إنتاج المركزية المغلقة، وشخصنة السلطة، والتبعية للأفراد والمواقع التنظيمية.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التكنولوجيا من زاوية تتجاوز استخدامها كأداة للسرعة والكفاءة فقط. فقد تحدث إنجلز عن الانتقال من «إدارة الأشخاص» إلى «إدارة الأشياء» بوصفه جزءاً من تصور أوسع لتحرر الإنسان من علاقات السيطرة. وبغض النظر عن الاختلاف في تفسير هذه الفكرة أو إسقاطها على واقعنا الحالي، فإنها تفتح سؤالاً مهماً: إذا أصبحت الآلات قادرة على تولي جزء متزايد من الأعمال التنظيمية الروتينية، فهل يمكن أن نستخدم ذلك لتحرير الإنسان من البيروقراطية بدلاً من استخدام التكنولوجيا لإنتاج بيروقراطية أكثر تعقيداً؟
يمكن للذكاء الاصطناعي، مثلاً، أن يساعد في التعامل مع بعض المهام التي تستهلك وقتاً كبيراً من الكوادر: تنظيم الجداول والاجتماعات، معالجة كميات ضخمة من البيانات، تحليل المؤشرات الديموغرافية والاقتصادية، تلخيص النقاشات، ومتابعة تنفيذ الخطط والمهام. كما يمكن استخدامه في قراءة اتجاهات الرأي العام ورصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية، مع ضرورة التعامل مع هذه النتائج باعتبارها أدوات مساعدة لا بديلاً عن الحكم السياسي والخبرة الميدانية.
والفائدة الحقيقية هنا ليست أن تصبح الآلة «عقل التنظيم»، بل أن تتولى ما يمكن أتمتته من الأعمال المتكررة، حتى يتاح للإنسان وقت أكبر لما لا يمكن اختزاله في البيانات: التفكير النقدي، والإنتاج الفكري، والعمل الميداني، وبناء العلاقات الإنسانية، وفهم التجارب الاجتماعية من داخلها، وصياغة خطاب سياسي وثقافي وجمالي يحتاج إلى الحس والسياق والخيال.
لكن التكنولوجيا ليست محايدة تماماً لمجرد أنها تبدو كذلك. فالخوارزمية لا تعمل في فراغ؛ من يصممها يحدد ما الذي تقيسه، وما الذي تعتبره مهماً، وما البيانات التي تعتمد عليها، ومن يملك حق الوصول إليها. لذلك فإن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمل السياسي والتنظيمي من دون مساءلة هذه الأسئلة قد يؤدي ببساطة إلى نقل مركزية القرار من المكتب السياسي إلى بنية تقنية لا تقل غموضاً عنه.
لهذا، فإن التحدي أمام الحركات البديلة ليس امتلاك التكنولوجيا فحسب، وإنما امتلاك القدرة على تحديد القواعد التي تحكم استخدامها. ينبغي أن تكون الأدوات الرقمية قابلة للفهم والمراجعة قدر الإمكان، وأن تخضع البيانات والخوارزميات لرقابة بشرية وديمقراطية، وألا تتحول أنظمة التقييم أو تحليل السلوك إلى وسائل جديدة لمراقبة الأعضاء أو ضبطهم. التكنولوجيا المفيدة هي التي توسع قدرة الإنسان على المشاركة واتخاذ القرار، لا التي تنتزع منه هذه القدرة باسم الكفاءة.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الهدف بناء تنظيم «تقوده الخوارزميات»، بل تنظيم يستخدم التكنولوجيا كي يمنح أفراده وقتاً ومساحة أكبر للتفكير والفعل. فالآلة تستطيع أن تعالج البيانات، وتكشف الأنماط، وتقترح البدائل، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الإنسانية نفسها، ولا أن تقرر وحدها ما الذي يستحق النضال من أجله. يبقى القرار السياسي فعلاً بشرياً وجماعياً، وتبقى مهمة التقنية أن تخدم هذا الفعل لا أن تحل محله.
ملاحظة حول نطاق المقال
هذا المقال لا يخاطب حزباً بعينه، ولا يفترض أن أزمة التنظيم تنحصر في تجربة واحدة. بل يتوجه إلى مختلف الأحزاب والحركات الشيوعية واليسارية في الشرق الأوسط، التقليدية منها وغير التقليدية، باعتبار أن السؤال المطروح يتجاوز أسماء التنظيمات وقياداتها: كيف يمكن بناء أشكال تنظيمية قادرة على الاستمرار والتجدد، من دون أن تعيد إنتاج المشكلات التي أدت إلى إنهاك التجارب السابقة؟

518 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع