كواليس غضب ضباط جهاز المخابرات العراقي؟

صباح البغدادي

كواليس غضب ضباط جهاز المخابرات العراقي؟

حين ظهر مسؤول ما يُسمّى بجهاز الاستخبارات والاستطلاع في حركة( النجباء) على شاشات التلفزة (1) ، وهو يهاجم "جهاز المخابرات الوطني العراقي" ويتهمه بتلفيق التهم له، لم يكن ذلك تصريحاً عابراً، بل كان تحدياً سافراً للدولة، واعتداءً فجّاً على المؤسسة الأمنية الوحيدة التي ما زالت تقف بوجه فوضى الأحزاب السياسية الحاكمة والاختراقات الأجنبية على حد سواء . والأدهى من ذلك هو الصمت الحكومي المريب، الصمت الذي يشبه الخضوع أو الخوف ، وكأن الدولة عاجزة عن الرد على فصيل مسلح يتجرأ على التشهير بجهاز سيادي وطني، بينما يعمل كذراع معلن وصريح لا لبس فيه او تأويل للحرس الثوري الإيراني داخل العراق ويتباهى علنا تحت لافتة “المقاومة الإسلامية” لهذا أصبح واجباً وطنياً لا يقبل التأجيل أن نقف نحن العراقيين صفاً واحداً مع ضباط ومنتسبي "جهاز المخابرات"، تلك القلعة الأخيرة التي تحاول حماية ما تبقى من سيادة العراق . ولذا توجب علينا أن نقف مع الرجال الذين نذروا حياتهم للدفاع عن هذه القلعة قبل أن تُهدم جدرانها بأيدي الفصائل الولائية العابرة للحدود والتي تتستر بالدين والمقاومة وهي في حقيقتها أدوات خارجية تعبث بأمن العراق وتهدد وجود الدولة نفسها.

تُظهر التجربة السياسية العراقية في هذه المرحلة الدقيقة أن التفاعل بين السلطتين التشريعية والإعلامية لم يعد مجرد تواصل عابر، بل تحوّل إلى ضرورة وطنية تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه الدولة، بدا واضحًا أن ثمة إدراكًا متزايدًا داخل أروقة ومكاتب مجلس النواب بأن العراق يمرّ بمرحلة مفصلية تتجاوز حدود التوقعات التقليدية، وأن المخاطر التي تلوح في الأفق تتطلب شفافية أكبر في تداول المعلومات، وتوسيع دائرة النقاش العام بما يتجاوز حدود الجدران المغلقة. إنّ ما يجري اليوم داخل المطبخ السياسي لمجلس النواب ليس مجرد نقاشات أو مداولات، بل هو صراع بين رؤيتين: رؤية تريد أن تُبقي الحقيقة حبيسة الجدران، ورؤية أخرى بدأت تدرك أن الصمت لم يعد ممكنًا، وأن البلاد تحتاج إلى صوتٍ يعلو فوق الضجيج، يوقظ المواطن، ويضع بين يديه مفاتيح الفهم قبل أن يُغلق باب النجاة.

حيث تفيد التسريبات لنا ومن قبل بعض السادة المسؤولين الافاضل والقريبين من المطبخ السياسي لمجلس النواب, بأن بعد اطلاق سراح القيادي في حركة النجباء ومهاجمته لجهاز المخابرات سادت حالة مماثلة وشبيه الى حدآ بعيدأ عن ما حصل مع "جهاز مكافحة الإرهاب" (2) حيث سيطرة على معظم منتسبين جهاز المخابرات حالة من الامتعاض والغضب بسبب إطلاق سراح القيادي وكذلك مهاجمته للجهاز علنا بهذه الصورة الفجة وعلى الرغم من أن ملفه كان يحتوي على دلائل شبه قطعية، وقرائن موثقة، وتسجيلات صوتية وأفلام ، وتفريغ كاميرات المراقبة في وقت حادث الاغتيال، وفي مقدمتها تورطه في اغتيال العقيد نبراس فرمان شعبان الفيلي، مدير مكتب جهاز المخابرات في جانب الرصافة، والذي قُتل بهجوم مسلح عام 2021، فإن القضاء العراقي وجهاز المخابرات لم يتمكنا، من أخذ إفادته أو مواجهته بالمواد التي جُمعت ضده عبر سنوات من العمل الاستخباري الدقيق والشاق . الأخطر من ذلك أن الجهات المختصة لم تستطع حتى إخضاعه لجهاز كشف الكذب، أو فتح تحقيق أولي معه، رغم أن الملف استغرق سنوات من الرصد والمتابعة والعمل الحثيث، وتضمن معلومات حساسة جُمعت عبر عمليات ميدانية محفوفة بالمخاطر ومهددة لحياة المنتسبين والضباط الذين عملوا على ملف هذا القيادي بإخلاص وتفان وحرص لكشف الحقائق كما هي .

هذا العجز لا يعكس فقط خللًا في قدرة الدولة على إنفاذ القانون، بل يكشف عن معادلة قاسية تتمثل بان فصيل مسلح قادر على تعطيل الإجراءات القضائية، وإجهاض جهود أجهزة سيادية، وإغلاق ملف اغتيال أحد أبرز ضباط المخابرات، دون أن تتمكن الدولة من طرح سؤال واحد على المتهم أو مواجهته بأبسط الأدلة. إن عدم قدرة القضاء على استدعاء شخص يحمل هذا الحجم من الاتهامات، وعدم قدرة جهاز المخابرات على استجوابه رغم امتلاكهما ملفًا متكاملًا، يمثل ضربة مباشرة لهيبة الدولة، ويطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل العدالة في العراق.

إن منتسبين وضباط المخابرات الذين عملوا على هذا الملف لسنوات، وعرّضوا أنفسهم لخطر الانكشاف والاستهداف الشخصي، وجدوا أن كل ما بذلوه من جهد يمكن أن يُلغى بقرار سياسي أو تسوية عاجلة، وأن الشخص الذي كانوا يتابعونه سرًا يُستقبل علنًا بالتهليل والاحتفاء. هذا المشهد لا يضرب فقط ثقتهم بالدولة، بل يضرب معنى وجودهم المهني نفسه، ويخلق حالة من الإحباط النفسي العميق داخل مؤسسة تعتمد في عملها على الثقة المطلقة بأن الدولة قادرة على حماية من يعملون في الظل.

إن عدم قدرة الدولة على استجواب شخص متهم بملف اغتيال ضابط مخابرات رفيع، رغم وجود أدلة شبه قطعية، ليس مجرد خلل إداري أو قضائي، بل هو جرس إنذار وجودي يشير إلى أن الدولة تواجه تحديًا يتجاوز حدود القانون، ويمتد إلى قدرتها على حماية مؤسساتها السيادية، وضمان أن العدالة لا تُعطّل تحت ضغط السلاح أو النفوذ السياسي. بل هو انعكاس مباشر لواقع سياسي ـ أمني مضطرب، يمكن رصد ملامحه على الأرض من خلال سلسلة قرارات مرتبكة، وتناقضات صارخة بين مؤسسات الدولة، وتدخلات واضحة من فصائل مسلحة تمتلك نفوذًا يتجاوز قدرة الحكومة على فرض القانون. وحين يصبح شخص واحد قادرًا على الظهور بمظهر “المنتصر” بعد خروجه من قضية تحمل شبهات خطيرة، وحين يُستقبل استقبال الأبطال بينما تعجز الدولة عن استجوابه أو مواجهته بالأدلة، فإن ذلك لا يعكس فقط خللًا في القرار القضائي، بل يكشف عن انكسار في هيبة الدولة، وتراجع في قدرة مؤسساتها على حماية نفسها، فضلًا عن حماية مواطنيها.

هذا النوع من المشاهد يترك أثرًا نفسيًا عميقًا داخل الأجهزة الأمنية:

ضباط مكافحة الإرهاب يشعرون بأن حياتهم أصبحت بلا قيمة أمام تسويات سياسية.
ضباط المخابرات يرون أن سنوات من العمل السري ذهبت أدراج الرياح.
المواطن البسيط يرى أن القانون يمكن تجاوزه إذا كان الشخص ينتمي إلى فصيل مسلح قوي.
هذه ليست مبالغات، بل انعكاسات واقعية لما يحدث عندما تتداخل سلطة الدولة مع سلطة السلاح، وحين يصبح القرار القضائي خاضعًا لضغوط سياسية أو تهديدات غير مباشرة.

وعندما تعرّض مبنى جهاز المخابرات للقصف الصاروخي العام (3) الساعة العاشرة من يوم السبت 21 اذار 2026 ، وسقط أحد ضباطه شهيداً وبعض المنتسبين أصيبوا بجروح متفاوتة في هجوم نفّذته كتائب حزب الله—وهي جماعة مسلّحة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومسؤولة عن أعمال عنف وانتهاكات خطيرة—هرع في حينها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى موقع الهجوم ليرى حجم الدمار بنفسه، متوعداً بمحاسبة الجناة وكشف الحقيقة للرأي العام خلال 72 ساعة. كان المشهد يوحي بأن الدولة أخيراً ستقف بوجه من يعتدي على مؤسساتها السيادية. لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر صدمة ؟ فقد أصدرت كتائب حزب الله (4) بياناً وقحاً، مليئاً بالتحريض الطائفي، يهاجم منتسبي جهاز المخابرات، ويصف الضباط السنة بالخيانة للسعودية، ويتهم الضباط الأكراد بالعمالة لإسرائيل، ويهددهم بأسلوب همجي لا يصدر إلا عن جماعة مسلحة تتصرف فوق القانون وتحت حماية نفوذ خارجي. ومنذ ذلك اليوم… ما زلنا ننتظر نتائج التحقيق الذي وعد به رئيس الوزراء خلال ثلاثة أيام. ويبدو أن التحقيق لم يُدفن فحسب، بل تمّ إخفاؤه في أدراج المكاتب، وترك أوراقه لتأكلها غبار السنين، وكأن دم الضابط الذي قُتل لا يعني شيئاً، وكأن القصف على جهاز سيادي ليس سوى حادث عابر لا يستحق المواجهة أو الحقيقة وإن هذا الصمت الرسمي، وهذا التراجع غير المبرر، ليس مجرد تقصير؛ إنه رسالة خطيرة بأن الدولة تتردد في مواجهة جماعات مسلحة تتجاوز القانون وتعتدي على مؤسساتها، وأن القلاع السيادية تُترك وحدها في مواجهة من يريد تقويضها من الداخل والخارج.

(*) هذا عجز بيت شهير من المعلقة الشهيرة للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، وصدره: "ستُبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلا" ومن حيث ورد في الأثر أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا الشطر (ويأتيك بالأخبار من لم تزود).

(1)
https://www.youtube.com/watch?v=tUjPQjK2k7g

(2)
https://algardenia.com/maqalat/72875-2026-08-17-18-50-43.html

(3)
https://alhurra.com/17861

(4)

https://rojnews.news/ar/?p=265210

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

741 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع