
جلال چرمگا
الوعود الفالتونية للحکومات العراقية بيضت وجه عرقوب مليون مرة
لو خلينە رٶساء الحکومات العراقية المتعاقبين منذ بداية عهد الصخام، العفو قصدي العهد اللي سمو العراق الجديد تحت المجهر، من دون أي شك أکو فد شئ يجمعهم ويربطهم أبعضهم أکثر من أي شئ آخر، وهذا الشئ هو إطلاقهم الوعود، وشلون إطلاق، کأنه مطر ونزل على راسنا، وعود في کل المجالات وكژنه لسان حال کل واحد منهم يگول: ما عليکم باللي فات آني راح أکون المخلص المنقذ واللي راح يوفي بوعوده، بس بالنتيجة يطلع أنگس من اللي گبله!
ياجماعة الخير، کلکم تعرفون قصة وعد أو مواعيد عرقوب، واللي ينذکر بإخلاف الوعد والکذب وعدم الوفاء بالعهد، وقصة المثل للي ما يعرفه هو إنه أخوه طلب منه حاجة أو مساعدة، فوعد عرقوب:" إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها" ولمن صار عند النخلة طلعها، فطلب من أخوه أن ينتظر حتى أتصير بلح، واستمر عرقوب بالمماطلة فيگولە مرة خليها حتى أتصير زهر وبعدين رطب وبعدين تمر ولمن أثمرت النخلة گام عرقوب وقطف التمر بالليل وماأنط لأخوه أي شي!
الحقيقة جماعة الخير، عرقوب رجال کذاب وخلف أبوعده ويا أخوه وإنتهت سالفته، بس اليوم أحنە أبعراق المصائب والازمات وکل السوالف الطايح حظها، واللي لازم أعترف بي گدامکم، آني ما کنت أتصور فد يوم وبالعراق يعود عرقوب من الموت ويصير مو عراقيب بلکو عقارب، ومن أول رئيس وزراء ولحد صاحبنا علي الزيدي أخذ من الوعود الکاذبة أشگد ما تريد ومثل ما يگول المثل: من هالمال حمل جمال!
أي رئيس وزراء من يستلم الحکم يطلع صدره وکأنه عنتر لو هرقل وينفخ أبنفسه وکأنه فسيفس وعاد أول ما يبلش بالوعود وأشلون وعود، رنانة وطنانة وماکو مثله أبزمانە، بس النتيجة تطابق تماما ويا المثل: أواعدك بالوعد وأزگيك يا كمون!
ومن هنا تبدي الحفلة الحقيقية، لأن رئيس الوزراء من يطلع علينا أول مرة، يفتح دفتر الوعود وكأنه فاتح دفتر شيكات، وكل وعد أكبر من الثاني: راح نحل أزمة السكن، راح نوفر الكهرباء، راح ننهي البطالة، راح نحارب الفساد، راح نصلح التعليم والصحة، راح نعمر العراق، وراح وراح وراح... لدرجة المواطن المسكين يحس نفسه مو بالعراق، يحس نفسه فجأة انتقل إلى دولة أوروبية وما بقى عليه غير يختار بأي مدينة يريد يسكن!
بس المشكلة مو بالوعود، المشكلة أن الحكومات العراقية عندها موهبة عجيبة بتحويل الوعد إلى مشروع، والمشروع إلى لجنة، واللجنة إلى توصيات، والتوصيات إلى مؤتمر، والمؤتمر إلى صور تذكارية، وبالنهاية يضيع الوعد بين المكاتب مثلما تضيع معاملات المواطن بين دوائر الدولة!
والأغرب من هذا كله أن الحكومة من تنطيك وعد، لا تسأله: "متى يتحقق؟"، لأن هذا السؤال يعتبر من الأسئلة الاستفزازية والخطيرة، وقد يعرض المواطن إلى تهمة عدم التفاؤل بالمستقبل! وإذا ألحيت وسألت: "وين الكهرباء؟"، يجاوبوك: "المشروع قيد التنفيذ". وإذا گلت: "وين الخدمات؟"، يگولولك: "الخطة الاستراتيجية قيد الإعداد". وإذا سألت عن فرص العمل، يگولولك: "هناك رؤية مستقبلية". والمواطن، من كثر ما سمع كلمة "مستقبل"، صار يشك أن مستقبله نفسه يحتاج إلى تقاعد قبل لا يجي!
أما الكهرباء، فهاي وحدها تحتاج مو مقال وإنما ملحمة شعبية. كل حكومة تجي تعدنا بأن الكهرباء راح تستقر، والشعب العراقي من يسمع كلمة "استقرار" يفرح، مو لأن الكهرباء استقرت، وإنما لأنهم أخيرا اعترفوا أن الكهرباء موجودة أصلا حتى تستقر!
يگولولك: "هذه السنة غير". السنة تخلص وتجي السنة اللي بعدها، فيگولولك: "هذه المرة أكو مشاريع استراتيجية". والمشاريع الاستراتيجية تبقى استراتيجية إلى درجة أن المواطن لا يشوفها لا بالحاضر ولا بالمستقبل!
وبالنسبة لمكافحة الفساد، فهاي أظرف سالفة. كل حكومة تدخل وهي تحمل سيف مكافحة الفساد، وتطلع وهي محتاجة إلى مكافحة فسادها هي! ومن كثر ما سمعنا عن "الحرب على الفساد"، صار عندنا إحساس أن الفساد نفسه بطل حرب، وكل حكومة تدخل وياه بمعركة، وبعد فترة نشوفه طالع منها أكثر قوة وخبرة وتسليحا!
أما الإصلاح الإداري، فحدث ولا حرج. كل حكومة تريد تبسيط الإجراءات، فتقوم بتشكيل لجنة لتبسيط الإجراءات، وبعدها لجنة لمتابعة لجنة التبسيط، وبعدها لجنة لتقييم أداء اللجنة، وبعدها لجنة عليا للتنسيق بين اللجان، والمواطن بالنهاية يظل واقفا أمام الشباك ومعه نفس المعاملة، بس صار عنده أربع لجان إضافية حتى يعرف ليش ما انجزت!
يا جماعة الخير، عرقوب القديم وعد أخوه بنخلة، وأخذ يماطله إلى أن صار التمر بيده، فقام وقطفه بالليل وخلاه صفر اليدين، أما عراقيبنا الجدد، فالموضوع عندهم أوسع بكثير: ما عندهم نخلة وحدة، عندهم بلد كامل، وما يوعدونك بطلعة نخلة، وإنما يوعدونك بنخيل العراق كله!
عرقوب الأول كان عنده عذر واحد: يريد يحتفظ بالتمر لنفسه. أما عراقيب العراق الجديد، فحتى التمر ما نعرف وين راح!
والحقيقة، بعد كل هذه السنين، صار المواطن العراقي أكثر خبرة من أن يصدق أي وعد، لكنه رغم ذلك يبقى يسمع ويهز راسه ويگول: "إن شاء الله هالمرة صدگ". مو لأنه ساذج، وإنما لأن الإنسان، حتى لو انضرب ألف مرة، يبقى عنده ذاك الأمل الصغير بأن المرة الألف وواحد يمكن تكون مختلفة.
بس الظاهر أن الحكومات عندنا متفقة على مبدأ واحد: لا تخلي المواطن يفقد الأمل، وخليه دائما ينتظر الوعد الجاي!
ولهذا أگولها بصراحة: الوعود الفالتونية للحكومات العراقية ما عادت بس بيضت وجه عرقوب، وإنما خلته يطلع من قبره، ويلبس دشداشة، ويأخذ منصب مستشار، ويمكن بعده ينتظر تعيينه مدير عام!
وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، فأنا أخاف بعد فترة ما راح نذكر "وعد عرقوب" كمثل على خلف الوعد، وإنما راح نضطر نكول: "وعد الحكومة العراقية... وذاك المثل مال عرقوب!"
لأن عرقوب، مهما كان كذاب، يبقى گدام جماعة الوعود الجدد تلميذ ابتدائي مؤدب!.

509 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع