من نحن؟؟

موفق الخطاب

من نحن؟؟

نحن من يطلقون عليهم «كبار السن»، أو يدلعوننا بفي بعض البلدان «كبار المواطنين».

تعالوا نقص عليكم من نحن:

نحن جيل وُلدنا في خمسينيات القرن الماضي، وترعرعنا في الستينيات، واشتد عودنا في السبعينيات، فولجنا المعاهد والجامعات.

وعشنا أجمل السنوات، ثم أتت حقبة الثمانينيات، فانخرط جيلنا في المعسكرات، وشارك بعضنا في القتال دفاعًا عن الوطن والمهمات، ثم انتقلنا إلى سوح العمل والوظيفة في منتصف الثمانينيات ونهاية التسعينيات.

وتزوجنا، واكتشفنا العالم، وخضنا المغامرات، وبنينا أحلامنا في تلك العقود الجميلة بلا منغصات.

واستقرينا مع بدايات الألفية الجديدة، وأصبحنا أكثر حكمة مع مرور السنوات.

وها نحن نواصل المسيرة بثبات نحو ما ما قدر الله لنا من الأيام أو الأشهر أو السنوات.

لقد عشنا عبر سبعة عقود متقلبة بحلوها و مرها…

وعبر قرنين…
وألفيتين مختلفتين…

عشنا زمن الهواتف الأرضية؛ تلفون «أبو هندر»، ثم «أبو القرص»، ثم «السيناو»، و شاهدنا موبايل «الشحاطة» و «النوكيا» وكان في حينه سحرا، ثم حظينا بانواع الموبايلات و إلى مكالمات الفيديو و اللقاء على «الزووم» مع أي شخص في العالم و بلحظات.

انتقلنا من الصور والشرائح التقليدية، وكاميرات «الكوداك» و«أكفا»، وتحميض أفلامها في الاستوديوهات، إلى كاميرات الموبايلات «السامسونغ» و«الآيفون»، و«اليوتيوب» و«السنابات»، ومن أسطوانات الفينيل والكاسيتات إلى الموسيقى الرقمية، ومن الرسائل المكتوبة بخط اليد والبريد العادي والمستعمل ابو الطابع إلى البريد الإلكتروني و«الواتساب» و«الماسنجر».

تابعنا المباريات عبر الراديو، ثم التلفزيون الأبيض والأسود ماركة نصر في المقاهي 'تابعنا بشغف مع كل يوم اثنين الساعة التاسعة مساءا مسلسلات محفورة في الذاكرة ((الضحية،الساقية ؛الطبال،بنت الحتة،وغيرها حتى جاء عصر التلفزيون الملون القيثارة ، ثم شاشات HD والمنصات الرقمية. وكنا نحجز مقاعدنا مبكرًا في دور السينما والمسرح الوطني، وخان مرجان وحفلات يوسف عمر والعالمية البغدادي..

وعرفنا أولى أجهزة الكمبيوتر، والبطاقات المثقبة، والأقراص المرنة، ولغة الفورتران، واليوم نحمل في هواتفنا الذكية مكتبات كاملة من المعرفة والمعلومات.

ارتدينا السراويل «الشورتات» القصيرة ونحن في الكشافة، وقلدنا على السجية بارتداء ملابس الشارلستون وقصة شعر بروس لي في السبعينيات، وشهدنا كل التحولات الاجتماعية والثقافية التي مرت بها الأجيال.

ركبنا الدراجات الهوائية ماركة «الحدباء» (البايسكلات)، وركضنا خلف العربات التي تجرها الخيول، واستخدمنا الدراجات النارية والسيارات التقليدية، وأكملنا الدراسة حتى الجامعات، وكانت وسيلة تنقلنا هي الباصات والفورتات، واليوم نشهد عصر السيارات الهجينة والكهربائية بأرقى التقنيات والموديلات.

نجونا من حروب طاحنة، وأوبئة وأمراض كثيرة، وعشنا أحداثًا وتغيرات عالمية كبرى، حتى وصلنا إلى زمن كوفيد-19، ونجانا الله منها بفضل رحمته والدعوات.

نعم… لقد مررنا بالكثير، لكنها كانت حياة جميلة حقًا.

إذن، نحن جيل استثنائي…

وُلدنا في عالم بسيط وعشنا شبابنا في عالم تطور شيئا فشيئا الى الرقمي (Digital)، وها نحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي (AI) وChatGPT.

لقد رأينا تقريبًا كل شيء…

وعشنا تغيرات لم يشهدها جيل قبلنا ولا بعدنا، فيها من الأفراح والمنغصات…

تعلمنا كيف نتكيف مع الظروف، وكيف ننهض بعد كل كبوة، ولا نستسلم لتقلبات الحياة.

كنا نتجمع تحت عمود الكهرباء في الازقة و المحاليل، وحول لمبة الكاز أو شاحن الدينمو في الدارجة، ثم على ضوء اللوكس، لنكتب واجباتنا اليومية ونراجع ما نستطيع من الواجبات.

وكان هنالك دوامان في المدارس: أربع حصص صباحية ودوام (حصتين) بعد الظهر، وكنا نهرب ونختفي عند مرور المعلم في الطرقات حتى لا يرانا.

أما موسم رمضان…

فلم تكن الكهرباء ولا المياه قد وصلتا إلى أغلب أحيائنا بعد.

فكنا صبية نتجمع وننظر إلى مئذنة المسجد، وعندما تضيء ويُطلق مدفع الإفطار، ننطلق فرحين إلى البيت ونحن نلعلع بصوتنا الطفولي:

«فطروا… فطروا… فطروا».

وقد فطرنا على أصابع التمر بالجوز والزلابيا والبقلاوة، ورشفة من ماء العيون أو البئر في فناء المسجد ، وكسرنا بها صيامنا حتى نصل إلى البيت.

كان راديو «توشيبا» و«سيلفر» بغطاء جلدي حلم كل شاب، وهو لا يفارقنا.

كنا في الصيف ننام ظهرًا في السراديب، وليلاً على الأسطح ونملئ الماء بجرار الفخار ، وكنا نراقب السماء الصافية والشهب المحترقة، وكنا نلهو ليلاً بالطيارات الورقية، ونشدها بطرف أسرتنا، ونستغرق بالنوم وأحلام الطفولة تلاعب أجفاننا…

هذه كانت قمة التكنولوجيا حينها!

نستمتع ببرامج رمضان، ونجتمع عند الإفطار لنستمع إلى الحافظ خليل إسماعيل، ثم موسيقى الناي قبل مدفع الإفطار، وأغنية «يا إله الكون، أنا لك صمنا…»، ثم مقتطفات من حديث الشيخ عبد الله شحاته، وعمر النعمة، وأسماء الله الحسنى يشدوها سيد النقشبندي، رحمهم الله.

وأجمل ما في رمضان فترتا الإفطار والسحور، ومسابقات رمضان.

ولا يكاد يؤذن للعشاء حتى نمشي إلى المساجد لنصلي العشاء والتراويح، وننام مبكرًا حتى نحظى بالسحور.

نحن جيل الخمسينيات، عشنا حياتنا خلال مراحل عمرنا بسعادة ورفاهية. تعلمنا من والدينا الأدب والعلم والدين والأخلاق الحميدة، وأكملنا ذلك في مدارسنا وجوامعنا. وحظينا بخطب الجمعة لبشير الصقال و ذنون البدراني و عبد الله الأربيلي و ملا يحيى ابو سعود والشيخ عبد الوهاب الشماع رحمهم الله.. وانتقلنا بعدها الى بغداد فكنا جمعة نشد الرحال الى جامع البنية لنصغي الى الشيخ محمود غريب وأخرى الى جامع زيونة لنستمتع بخطب الشيخ عبد الرحمن محمود و الشيخ عيادة الكبيسي في الصليخ رحمهم الله جميعا..

خيرات وطننا طافحة علينا، لا نحتاج إلى شيء إلا ونجده متوفرًا، وكان المربون يحسنون تربيتنا، ولا تهاون منهم إن قصرنا في أدبنا وعلمنا وحسن سلوكنا.

فما أجمل ذلك العمر الذي عشناه بأدق تفاصيله وذكرياته وأحداثه…

تحية كبيرة لكل أفراد هذا الجيل الفريد…

جيل لن يتكرر.

لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الوقت لا يتوقف.

الحياة مهمة جئنا لنؤديها، وكل يوم يمضي لا يعود.

تنظر إلى الساعة فتجد أن المساء قد حل، وهكذا طُويت الأيام والسنين، واحدودب الظهر، وطغى المشيب.
وفي الذاكرة الكثير واخشى عليكم الإطالة والملل..
فهل عرفتم من نحن؟؟

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

909 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع