الغرور ... وهمْ العَظَمة

سعد عبد المجيد ابراهيم

الغرور ... وهمْ العَظَمة

ليس هناك صفةٌ تُنفِّر الناس من صاحبها بقدر ما يُنفِّرهم الغرور. فمن طبيعة البشر التعاطف مع الآخرين؛ إذ يستطيع كل إنسانٍ سويٍّ أن يتعاطف مع الفقير، ويعذر الجاهل، ويغفر للمخطئ، لكنه نادرًا ما يحتمل المتغطرس الذي يمشي بين الناس مزهوًّا بنفسه، ينظر إليهم بتعالٍ وفوقية، وكأن الله قد فضَّله عليهم بميزةٍ لم يمنحها لأحدٍ سواه.

ومن المثير للدهشة أن تجد الغرور عند بعض من لا يملكون ما يدعو للغرور. فهناك من يتكبر بمنصبٍ زائل، أو بمالٍ ورثه ولم يصنعه، أو بشهادةٍ مزورة لم تضف إليه علمًا، أو بوسامةٍ سرعان ما يطويها الزمن، أو حتى بانتمائه إلى أسرةٍ أو عشيرةٍ يظن أن فضلها يغنيه عن فضله الشخصي، مع أن شيئًا من ذلك لا يبرر الغرور. فعندما يصغر الإنسان في عين نفسه، تزداد حاجته إلى تضخيم ذاته. والتفاخر ليس إلا محاولةً لتعويض شعورٍ داخلي بالنقص، تدفع الإنسان إلى ارتداء قناعٍ يخفي وراءه ضعفًا لا يريد الاعتراف به أو أن يكتشفه أحد. والمغرور يظل متعطشًا للإعجاب، وأن يُمدح بما ليس فيه، فإن لم يجده سعى إلى فرضه على الناس بالتكبر والاستعلاء.

ومن أبرز سمات المغرورين أنهم يتحدثون عن أنفسهم أكثر مما يتحدث التاريخ عن العظماء. فإذا تكلموا انصبَّ حديثهم على منجزاتهم، وأصلهم وفصلهم، وكرمهم، ومكانتهم الاجتماعية والعلمية، وغيرها من الصفات التي يظنون أنهم يتفوقون بها على الآخرين، ليبقى الضوء مسلطًا عليهم وحدهم. ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي، كما منحت الجميع فرصةً للتواصل، منحتهم أيضًا منصةً يعرضون من خلالها صورةً متخيلة عن أنفسهم أكبر من حقيقتهم، فينشرون نشاطاتهم المبالغ فيها، وصورهم مع شخصياتٍ اجتماعية أو سياسية مرموقة، أو مع أفراد عائلاتهم، ليظهروا بمظهر العظمة أمام الآخرين.

ومن صور الغرور المؤلمة ما نراه عند بعض الأبناء الذين نشأوا في بيوتٍ متواضعة الحال، وآمن آباؤهم بالتعليم طريقًا للنجاح والتقدم، فضحّوا من أجلهم بكل ما يملكون، وبما لا يملكون، حتى أتمّوا دراستهم وأصبحوا أطباء، أو مهندسين، أو أساتذة جامعات، أو أصحاب شهاداتٍ عليا. لكن ما إن حقق بعضهم النجاح وبلغ مكانةً مرموقة، حتى تسلل إليه الغرور، فتنكر لفضل والديه، واستثقل برهما، وربما خجل من بساطتهما أو من البيئة التي خرج منها. وينسى أن ما وصل إليه كان ثمرة سهر أمه، وكدِّ أبيه، وحرمان أسرةٍ آثرت مستقبله على راحتها. ومن أقبح صور الغرور أن يظن الإنسان أنه صنع نفسه بنفسه، متناسيًا الأيادي التي امتدت له وحملته حتى وقف على قدميه، والقلوب التي دعت له، والعيون التي سهرت من أجل نجاحه.

وفي طرفٍ آخر من التاريخ نرى كثيرًا من المغرورين دفعوا حياتهم وحياة شعوبهم ثمنًا لغرورهم. فالإمبراطور الروماني نيرون، مثلًا، الذي ظن نفسه أعظم من شعبه، انتهى هاربًا مطاردًا بعد أن فقد كل شيء. أما القائد الفرنسي نابليون بونابرت، فعلى الرغم من عبقريته العسكرية، فقد قادته ثقته المفرطة بنفسه إلى غزو روسيا، وكانت تلك الحملة بداية النهاية لإمبراطوريته.

ولعل أخطر أنواع الغرور ذلك الذي يصيب المسؤول أو صاحب السلطة، حين يحيط نفسه بالمنافقين ممن يخدعونه بتمجيده والإطراء عليه، ظنًّا منه أن المنصب قد جعله أرفع من الناس. عندها يبدأ في فقدان القدرة على سماع الحقيقة. فالسلطة التي لا يرافقها تواضع ورقابة تغري صاحبها، وتدفعه إلى الاستعلاء وإساءة استعمالها. والحاكم المغرور يظن أنه لا يخطئ، وأن قراره لا يُراجع، وأن إرادته فوق إرادة الوطن. وحين يستبد الغرور بصاحب السلطة، تتحول القرارات المصيرية إلى رهاناتٍ شخصية، وتُقاد الأمم إلى حروبٍ ومغامراتٍ بوهم العظمة الذي يصيبه. وقد عرف تاريخنا الحديث نموذجًا لمثل هذا الحاكم الذي ساقه غروره وعنجهيته إلى حربٍ طويلة استنزفت بلاده وأرهقت شعبه، ثم إلى مغامرةٍ أخرى انتهت بسقوط نظامه، وتشريد الملايين من أبناء بلده، واحتلال الوطن، وتفكيك دولته، وإغراق البلاد في دوامةٍ من العنف والانقسام ما زال أبناؤها يعانون منها حتى اليوم. وهكذا تدفع الدول ثمن غرور حكامها وتهورهم، وتتحمل أجيالٌ كاملة تبعات ذلك الغرور دون أن تشارك في اتخاذ القرار.

ونصادف في حياتنا اليومية نماذج كثيرة من المصابين بهذا الداء، حتى بين بسطاء الناس وصغار الموظفين. فثمة موظفٌ صغير يتصرف وكأنه يملك المؤسسة، ومدير يظن أن احترام الناس له سببه شخصه وكفاءته لا كرسيه، وتاجر ينظر إلى الفقراء باستعلاء، ومتعلم يحتقر من لم ينل شهادته، وآخر لا يملك سوى مظهره فيعيش أسير المرآة، يقيس قيمة البشر بوسامتهم لا بأخلاقهم. بينما نجد أن الإنسان العاقل المتوازن، كلما ازداد علمًا، أدرك اتساع مساحة جهله، ولذلك كان كبار العلماء أكثر الناس تواضعًا. ولا يكاد يُرى عالمٌ حقيقي يتباهى بعلمه، بينما يكثر التباهي عند أنصاف المتعلمين.

ويبقى السؤال: لماذا يحب الناس المتواضعين وينفرون من المغرورين؟

لأن التواضع يبعث الطمأنينة، ويجعل صاحبه قريبًا من القلوب، بينما يقيم الغرور جدارًا بين الإنسان والناس. فكلما ارتفع مقام الإنسان المتواضع، ازداد لينًا، أما المغرور، فكلما ارتفع كرسيه، ازداد بعدًا عن الآخرين، لأن الناس تقيس قيمة الإنسان بما يتحلى به من أخلاق، ولا يعيرون اهتمامًا لماله، أو منصبه، أو وسامته، أو نفوذه. فالمناصب تزول، والثروات تتبدد، والجمال يذبل، ويبقى التواضع وسامًا يعلقه الناس في أعناق أصحابه حتى بعد رحيلهم. ولعل أجمل ما يقال في هذا الباب بيت الشعر:

«ملأى السنابل تنحني بتواضعٍ

والفارغاتُ رؤوسُهنَّ شوامخُ»

وكذلك الإنسان؛ فكلما امتلأ علمًا، وخبرةً، وخلقًا، ازداد تواضعًا، وكلما فرغ منها انتفخ غروره. والغرور يرفع صاحبه في نظر نفسه فقط، أما في أعين الناس فإنه يبدأ بالسقوط منذ اللحظة التي يظن فيها أنه أكبر منهم. وكثير من الناس قادهم غرورهم إلى ارتكاب حماقات كلّفتهم، وكلّفت من حولهم، حياتهم، وأهدرت استقرار أوطانهم.

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]


  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1291 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع