صالة سينما الخيام

في أوائل ستينيات القرن الماضي، لم تكن قد مضت سوى بضع سنوات على سقوط النظام الملكي، وتربع العسكر على سدة الحكم، وكان بطلَا الانقلاب الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف، إلا أن العلاقة بين الأخوين اللدودين لم تستمر طويلًا، فشبَّ النزاع بينهما، وانعكس ذلك على الشارع العراقي، إذ انتقل الصراع إلى الأحزاب السياسية، وتوغلت عناصر الحزب الشيوعي في الشارع ومؤسسات الدولة العراقية، بل وحتى في صالات العرض السينمائي.
ومن بين تلك الصالات المنتشرة في شارع الرشيد، كانت سينما الخيام تُعد أرقى صالة عرض من حيث التصميم والديكورات، والإضاءة الخافتة، والمقاعد المريحة، ودقة المواعيد في عرض الأفلام، والالتزام بقواعد فتح الصالة وإغلاقها، ولهذا كانت من الصالات التي نحرص على زيارتها كل أسبوع للاستمتاع بمشاهدة الأفلام العالمية.

ومن تلك الأفلام فيلم الأم (The Mother)، المقتبس من رواية الكاتب الروسي مكسيم غوركي (Maxim Gorky)، التي كتبها عام (1906)، وتتطرق إلى ظروف ثورة البلاشفة في روسيا إبان حكم القيصر نيقولا الثاني (Nicholas II) من أسرة رومانوف (Romanov). وتتمحور الرواية حول أم أنهكتها قسوة الحياة، فهي أم بسيطة من الطبقة العاملة، تكافح وتناضل في سبيل ابنها، ولكنها، بعد أن أدركت طموحاته وأهدافه، أخذت تناضل من أجل الجميع، ولا سيما العمال الذين عانوا من ظلم الطبقة الحاكمة.
وكان الفيلم من إنتاج الاتحاد السوفيتي، وخلال عرضه ظهرت لقطة نضالية مؤثرة، إذ أخفت الأم مناشير تحت ثوبها الطويل، وأوصلتها إلى الدار التي كان يجتمع فيها ابنها مع الشباب الثوري، ثم فتحت ثوبها فتساقطت المناشير على الأرض، فتلقفها الشباب لقراءتها، عندها ارتفعت وتيرة الحماس بين المتفرجين، وتعالت الهتافات والتصفيق في الصالة، ويا لها من فرحة! ثم أخذت الهتافات والتصفيق يتكرران مع كل لقطة مؤثرة.

وبعد مدة، عُرض فيلم آخر في الصالة نفسها، من إنتاج هوليوود، وهو الفيلم التاريخي سبارتاكوس (Spartacus)، بطولة (Kirk Douglas) والممثلة الجميلة (Gene Simmons)، وتدور أحداث الفيلم حول حياة العبد سبارتاكوس، الذي ثار على المعاملة غير الآدمية التي كان يعيشها العبيد في ظل الإمبراطورية الرومانية، وسعى مع رفاقه إلى نيل حريتهم، وخلال الثورة، التي اندلعت بين عامي (73–71) ق.م، انضم إليهم آلاف العبيد من مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، حتى غدت الثورة شوكة في خاصرة الإمبراطورية المترامية الأطراف.
وخلال عرض الفيلم ظهرت لقطة مثيرة قبيل نهايته، عندما أسر الرومان سبارتاكوس ومن معه، فسأل القائد الروماني الأسرى: (من منكم سبارتاكوس؟)، فنهض أسير وقال: (أنا)، ثم أعقبه آخر، ثم آخر، حتى أخذ الجميع يرددون: (أنا سبارتاكوس)، وقد أثارت هذه اللقطة حماس الجالسين في الصالة، فارتفعت الهتافات والتصفيق تأييدا للحزب الشيوعي، لأن الأفكار الماركسية كانت ترفض العبودية.
وهكذا شهدت صالة سينما الخيام عرض فيلمين من دولتين متصارعتين أيديولوجيا، إحداهما اشتراكية والأخرى رأسمالية، ومع ذلك تفاعل المتفرجون مع كليهما بحماسة ثورية، والغريب أن تلك الصالة لم تعرض أفلاما دينية، ربما لأنها لا تحقق الأرباح المرجوة، وربما لأنها لا تستثير التصفيق والهتافات، أو لعل مزاج شباب أوائل الستينيات كان بعيدا عن الاتجاه الديني، وأكثر ميلًا إلى العمل السياسي.
ومن مبدأ: (المجد لله في الأعالي)، كانت الأرض تعيش عالمًا آخر، يقوم على هتاف الجماهير: (أحمر علمنا بالمنجل والجاكوج... أحمر علمنا).
مع تحياتي...

972 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع