إيران نجت... وأمريكا تراجعت..؟ قراءة صادمة لنتائج الاتفاق

روبيرت ملحم

إيران نجت... وأمريكا تراجعت..؟ قراءة صادمة لنتائج الاتفاق

في الشرق الأوسط، نادراً ما تنتهي الحروب بانتصار مطلق أو هزيمة كاملة، فغالباً ما تفضي الصراعات الكبرى إلى تسويات مؤقتة يعلن فيها الجميع النصر، بينما تكون الحقيقة أكثر تعقيداً، ومن هذا المنطلق يبرز السؤال الذي يشغل العواصم الإقليمية والدولية: من الرابح الحقيقي من الاتفاق الأمريكي – الإيراني الذي أوقف المواجهة العسكرية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاوض؟
للوهلة الأولى يبدو أن الطرفين خرجا منتصرين، واشنطن تتحدث عن نجاح الدبلوماسية في منع حرب طويلة ومكلفة، فيما تؤكد طهران أنها صمدت في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية وأجبرت الولايات المتحدة على العودة إلى طاولة الحوار، لكن القراءة المتأنية تكشف أن الاتفاق لم يصنع منتصراً واضحاً بقدر ما أعاد رسم موازين القوى ومنح كل طرف ما كان يحتاجه في هذه المرحلة.
الولايات المتحدة دخلت الأزمة وهي تدرك أن أي حرب مفتوحة مع إيران لن تكون شبيهة بحروب العقود الماضية، فإيران ليست دولة معزولة جغرافياً، بل لاعب إقليمي يمتلك أوراق ضغط تمتد من مضيق هرمز إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن. كما أن أي تصعيد طويل كان سيهدد أسواق الطاقة العالمية ويرفع أسعار النفط ويزيد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي الذي يستعد لاستحقاقات سياسية واقتصادية مهمة.
لذلك يمكن القول إن واشنطن حققت هدفها الأساسي: منع تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، كما أنها حافظت على موقعها القيادي في المنطقة وأعادت الملف النووي الإيراني إلى دائرة التفاوض بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، ومن الناحية السياسية، تستطيع الإدارة الأمريكية تسويق الاتفاق باعتباره انتصاراً للدبلوماسية الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهدافها دون التورط في نزاع واسع النطاق.
لكن هذه المكاسب لا تخفي حقيقة أن ادارة الرئيس ترمب لم تحصل على كل ما كانت تطمح إليه، فالبرنامج النووي الإيراني لم يُغلق، والنفوذ الإقليمي لطهران لم يتراجع بصورة حاسمة، كما أن النظام الإيراني بقي قائماً وقادراً على التفاوض من موقع الدولة وليس من موقع المهزوم.
أما إيران، فقد تكون حققت المكاسب الأكثر إلحاحاً بالنسبة لها، فبعد سنوات من العقوبات والضغوط الاقتصادية والتوترات العسكرية، كانت طهران بحاجة إلى متنفس اقتصادي وسياسي يعيد الاستقرار إلى الداخل ويخفف من حدة الضغوط الخارجية، الاتفاق وفر لها هذه الفرصة.
لقد نجحت إيران في تجنب سيناريو المواجهة الشاملة، وحافظت على مؤسسات الدولة، وأبقت ملفاتها الاستراتيجية الأساسية مفتوحة للتفاوض بدلاً من فرض شروط استسلام عليها، كما أن أي تخفيف للعقوبات أو فتح قنوات اقتصادية جديدة سيمنح الاقتصاد الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من الضغوط المتواصلة.
الأهم من ذلك أن طهران خرجت برسالة سياسية مفادها أنها لا تزال رقماً صعباً في معادلات المنطقة، وأن تجاهلها أو محاولة تجاوزها لم يعد خياراً واقعياً بالنسبة للقوى الدولية والإقليمية.
لكن الرابح والخاسر لا يقتصران على طرفي الاتفاق، فهناك أطراف إقليمية كانت تأمل في أن تؤدي المواجهة إلى إضعاف إيران بصورة أكبر أو إلى تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية، هذه الأطراف تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يقوم على إدارة الصراع مع إيران وليس إنهاءه.
في المقابل، قد تكون أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي من أكبر المستفيدين من الاتفاق، فاستقرار الملاحة في الخليج وتراجع احتمالات الحرب الشاملة يمنحان الأسواق قدراً من الطمأنينة بعد فترة من القلق وعدم اليقين.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بما تحقق اليوم، بل بما سيحدث غداً، فالعديد من الملفات الجوهرية ما زالت معلقة: البرنامج النووي، القدرات الصاروخية، العقوبات الاقتصادية، النفوذ الإقليمي، والعلاقات بين إيران وجيرانها العرب، وإذا فشلت المفاوضات اللاحقة في معالجة هذه الملفات، فقد يتحول الاتفاق الحالي إلى مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التوتر.
الاتفاق الأمريكي – الإيراني لم ينتج منتصراً مطلقاً أو مهزوماً مطلقاً، الولايات المتحدة ربحت تجنب حرب مكلفة وغير مضمونة النتائج، وإيران ربحت فرصة للخروج من العزلة والضغوط دون تقديم تنازلات استراتيجية حاسمة، أما الرابح الأكبر، فهو الوقت؛ فقد حصل الطرفان على فرصة لإعادة ترتيب أوراقهما وتأجيل المواجهة الكبرى إلى مرحلة لاحقة.
وفي عالم السياسة، لا يُقاس النصر بما يحدث عند توقيع الاتفاقات، بل بما يحدث بعد فترة من تنفيذها، لذلك فإن الحكم النهائي على هذا الاتفاق لن يصدر اليوم، وإنما عندما تتضح ملامح الشرق الأوسط الذي سيولد من رحم هذه التسوية.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1293 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع