
نذير ال حويز
الإسلام … سلاماً: تأمل فلسفي في جوهر الدين
ان سألني أحد عن ديني، قلت: أنا مسلم. لا لأنني أنتمي إلى جماعة تنتصر لاسمها، ولا لأنني أحمل راية مذهب في مواجهة مذهب آخر، بل لأن الإسلام، كما أفهمه، حالة وجودية وبنيوية قبل أن يكون هوية اجتماعية تتمثل بسعي الإنسان إلى أن يصالح نفسه، وأن يسالم العالم، وأن يتجه بقلبه وعقله نحو الحقيقة والخير.
لقد تحوّلت الأديان، في كثير من مراحل التاريخ، من جسورٍ نحو المعنى السلام إلى حدودٍ تفصل البشر بعضهم عن بعض. وأصبح الإنسان يعرّف نفسه بما يفرّقه عن الآخرين أكثر مما يعرّفها بما يجمعه بهم. غير أن الأنبياء، في لحظاتهم الأولى، لم يأتوا ليؤسسوا قبائل روحية متناحرة، بل ليوقظوا الضمير الإنساني من سباته.
نادى النبي موسى عليه السلام بالتوحيد والعدل، ودعا إلى تحرير الإنسان من عبودية الأصنام والطغيان، كل هذا من أجل أن يكون الإنسان في سلام. وبشّر النبي عيسى المسيح عليه السلام بالمحبة والغفران، حتى جعل الرحمة معياراً لسمو الروح، هكذا علّم أتباعه كيف يكونون مسالمين. ومن بعد جاء النبي محمد صلوات الله عليه مؤكداً أن الإيمان لا ينفصل عن العمل الصالح، وأن قيمة الإنسان فيما يقدمه من خير للناس ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾.فالاسلام بمعناه الجوهري كان ومازال سبب بعث الانبياء والرسل جميعاً
وهذا ليس حكراً على الأنبياء والرسل، بل ما عبّر عنه الفلاسفة والحكماء اذ قالوا «لا تعامل الآخرين بما لا تحب أن يعاملوك به»، هو الصدى الأخلاقي ذاته الذي تردّد في ضمير الرسالات. فالتوصيفات الحالية هذا مسلم وهذا يهودي وهذا مسيحي وهذا مومن وهذا كافر هي في كثير من الأحيان نتاج صراعات سياسية واقتصادية أخذت مفهوماً دينياً لتغلفه بالقداسة كما نراها اليوم حاضرة. في الواقع ما هي إلا ملل متأثرة بالمفاهيم البيئية التي تعيشها او ورثتها دون ان يكون لها اي تدخل في تشكيلها
يحضرني ما قاله جلال الدين الرومي أن الحب هو الطريق الأوسع إلى الله، قائلاً: «تعال، تعال، مهما كنت». وكذلك العابد محيي الدين ابن عربي إذ يقول: «لقد صار قلبي قابلاً كل صورة». إن القلب الذي اتسع للمحبة اتسع لتجلّيات الحق، وأرى أن هذه هي التجليات الحقيقية لفهم التدين، لا الكراهية والانتقام والثارات.
أما الحكم على نوايا الناس فليس من شأن البشر، فنحن لا نملك مفاتيح القلوب ولا نعرف خفايا السرائر. ولذلك فإن معركتنا ليست ضد إيمان الآخرين ومعتقداتهم، بل ضد الظلم والكراهية والتعصب. ولسنا حرّاساً على أبواب الجنة، بل مسؤولون عن أن نجعل الأرض أقل قسوة وأكثر عدلاً. الله يورث الأرض ومن عليها.
أنا أعلم أن هناك من سيحارب هذا الرأي، لأن الهويات المغلقة تمنح أصحابها شعوراً بالتفوق، ولأن الأسواق التي تتغذى على الخوف من الآخر لا تزدهر إلا بالانقسام والخلافات . ولكن تبقى الحقيقة لا تُقاس بعدد أتباعها، بل بقدرتها على تحرير الإنسان من الخوف والكراهية، وانحيازه إلى الحقائق القلبية التي تأخذ بناصيته نحو الإيمان الخالص.
إن التقرب إلى الله، كما أفهمه، لا يتحقق بكثرة الطقوس إذا غاب أثرها الأخلاقي، ولا بمزاوله الشعائر إذا خلت القلوب من الرحمة والرأفة. فالدين الذي لا يجعل الإنسان أكثر إنسانية يفقد روحه، والعلم الذي لا يخدم الإنسان يفقد حكمته، والعقل الذي لا يتواضع للحقيقة يتحول إلى صنم جديد. لابد من الدفع لانتقال المفاهيم المعاصرة من المعناها المقيد بأسوار الدين إلى مقاصدها الاولى من اجل ادراك غاياتها الحقيقية أنا اعلم ان هذه المشوار صعبة و القليلون يبدؤون الخطوة الأولى، والأقل منهم من يواصل المسيرة ، وثلة قليلة من تصل إلى تلك الغايات .
ولذلك فإن رسالة هذا العصر، على سبيل المجاز، هو العقل حين يتحرر من التعصب والخرافة ويدرك أن الأساطير كانت أسلوباً أتقنه القدماء لتوصيل المعرفة، ثم قُدمت المعرفة عبر قصص اسلوباً اعتادها تلك الحقبة . أما اليوم فالرسول هو العلم حين يُسخَّر لخير البشرية لا لتضليلها، ورسالته المحبة التي تجعل الإنسان يرى في الآخر شريكاً في الإنسانية لا خصماً في الهوية والمذهب والملة.
وأختم هذه الخواطر التي استرسلت عبر نوافذ التاريخ لتخبرنا اليوم لتجعلني أقول:
«فما خُلق الإنسان ليشقى، بل ليسعى. وسعيه هو شهادته الحقيقية، وأثره في حياة الناس هو الترجمة الأصدق لإيمانه. هناك، حيث يلتقي العقل بالرحمة والاخلاق بالعمل الصالح ليعبد الطريق إلى الله.

991 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع