
محمد البغدادي
كيف تحوّلت مواقع التواصل إلى كنز استخباري
لم تعد "فيسبوك" و"تيك توك" و"إكس" مجرد منصات للدردشة والترند. تحوّلت في العقد الأخير إلى أكبر غرفة عمليات استخبارية مفتوحة في التاريخ. والسبب بسيط: الناس صاروا يوثّقون حياتهم طوعاً، والمخابرات صارت تجمع فقط.
سابقاً، كان العميل يحتاج أشهراً ليرسم خريطة علاقات هدف. اليوم تكفي دقيقة.
لايك، كومنت، منشن، قائمة أصدقاء، موقع الجيك. كلها نقاط تُبنى منها "شبكة معارف" كاملة. صورة سيلفي بجانب مبنى حكومي + تاغ الموقع = إحداثيات دقيقة. فيديو "يومي" من ابنك بالمدرسة = دوام أمني لأبيه.
الكنز هنا ليس بالمعلومة السرية، بل بكمية المعلومات العادية التي تتراكم لتصبح سرية.
من يجمع القش يصنع القنبلة
العنصر البشري لم يعد قادراً على تحليل مليار تغريدة يومياً. فدخلت الـAI.
الخوارزميات الآن لا تبحث عن كلمة "قنبلة". تبحث عن نمط: شخص يغير سلوكه فجأة، يبدأ بمتابعة حسابات متطرفة، يحذف صور قديمة، ينشط الساعة 3 فجراً. هذا "سلوك شاذ" كافٍ لرفع علم أحمر.
لم تعد الاستخبارات تصيد الأفراد، صارت تصيد الأنماط. والنمط أنت تصنعه بكل سكرول.
الحرب النفسية صارت مجانية
أخطر ما في الكنز الاستخباري أنه سلاح ذو حدين. الدولة تراقب، والخصم يضلل.
حساب وهمي بصورة جنرال + 3 آلاف متابع وهمي = "رأي عام" يُصنع خلال ساعات. شائعة تُطلق من صفحة مجهولة في أوروبا الشرقية، تصل بغداد قبل نشرة الأخبار.
لم تعد تحتاج لطائرة تجس. يكفي بوت يغرد ألف مرة بالدقيقة.
المعركة الاستخبارية انتقلت من الظل إلى الضوء. من ملفات مغلقة إلى ستوري مفتوح.
والقاعدة الجديدة تقول: "ما لا تقوله لضابط المخابرات، ستقوله لخوارزمية تيك توك". الفرق أن الضابط يسألك، والخوارزمية لا تسأل. تجمع فقط.
السؤال الذي لا يطرحه أحد: إذا كان عدوك يعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك، فمن الخاسر الحقيقي في هذه الحرب؟

459 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع