بين الشجاعة والحكمة … حين يكون التراجع انتصارًا آخر

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
22 أيار 2026

بين الشجاعة والحكمة … حين يكون التراجع انتصارًا آخر

١. القرار ليس مجرد لحظة عابرة، بل هو نقطة فاصلة بين ما كان وما سيكون. وما إن يُتخذ حتى يصبح جزءًا من الماضي، لا يمكن استعادته أو إعادة تشكيله. لذلك كانت الشجاعة هي القوة التي تدفع الإنسان لاتخاذ القرار الصحيح في مكانه وزمانه ، بينما تبقى الحكمة هي البوصلة التي تحدد إن كان الاستمرار هو الطريق الصحيح أم أن التراجع المؤقت هو النجاة الحقيقية.كثيرون يظنون أن التنازل ضعف، وأن التراجع هزيمة، لكن التاريخ والحياة يثبتان العكس. أحيانًا يكون أعظم القرارات هو الاعتراف بأن الظروف أصبحت أقوى من المواجهة المباشرة، وأن الحفاظ على ما تبقى أهم من خسارة كل شيء باسم الكبرياء.

٢. ما حدث مع اليابان في الحرب العالمية الثانية. كانت حينها قوة عسكرية عظيمة، تقاتل بعقيدة لا تعرف الاستسلام، لكن بعد الدمار الكبير وإلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي، أدركت القيادة أن الاستمرار لن يصنع مجدًا بل فناءً كاملًا. عندها جاء الأصعب هو الاستسلام.
ذلك القرار لم يكن جبنًا، بل شجاعة في مواجهة الحقيقة بدل الهروب منها. وبفضل تلك الحكمة، لم تنتهِي اليابان، بل بدأت من جديد حتى أصبحت واحدة من أعظم القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم اليوم .

٣.في الحياة اليومية الاعتيادية قد ينسحب إنسان من جدال ليحافظ على علاقة، أو يتخلى عن معركة خاسرة لينقذ مستقبله، أو يؤجل حلمًا حتى تحين له الظروف المناسبة. هذه ليست هزائم، بل انتصارات بعيدة المدى لا يفهمها إلا أصحاب البصيرة.الحكمة ليست أن تنتصر دائمًا، بل أن تعرف متى تقاتل ومتى تتوقف. والشجاعة ليست فقط في التقدم، بل أحيانًا في الاعتراف بأن الطريق الحالي يقود إلى الهاوية.

٤. حين ينتصر العناد على الحكمة تبدأ نهايات الأوطان ويتحول القرار من وسيلة إنقاذ إلى أداة دمار. فالقائد الذي يجعل كبريائه أهم من شعبه، أو صورته أهم من مستقبل وطنه، لا يعود يقود بعقل الدولة بل بغرور الذات. وهنا تصبح الحروب أطول، والخسائر أكبر، والثمن يُدفع من دماء الأبرياء .التاريخ مليء بقادة رفضوا التراجع رغم وضوح الهزيمة، لأن ذلك كان بالنسبة لهم سقوطًا لأوطانهم ومن أبرز الأمثلة :
أ. أدولف هتلر : في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. كانت ألمانيا منهكة ومدنها مدمرة، والجيوش المتحالفة وصلت إلى قلب برلين، ومع ذلك رفض هتلر الاستسلام أو التفاوض، وأصرّ على استمرار الحرب حتى اللحظة الأخيرة. نتيجة هذا العناد كانت دمارًا شاملًا، وملايين القتلى، وانهيار ألمانيا بالكامل. دون أن يعترف بالخسارة.

ب. صدام حسين : خلال حرب الخليج الثانية.
بعد دخول العراق إلى الكويت، حاول العراق الى حلول ممكنه لتجنب الكارثة عبر حلول سياسية ، لكن الإصرار الامريكي والدول المساندة لها والاصرار من بعض قادة العرب وخاصة الخليج يتضح ان ماحصل هو فخ مبيت للايقاع بالعراق والاصرار على المواجهة حتى النهاية أدى إلى حرب مدمرة، ثم سنوات طويلة من الحصار والانهيار الاقتصادي وبعدها الاحتلال الامريكي للعراق عام ٢٠٠٣ والمعاناة التي دفع ثمنها الشعب العراقي لعقود وحتى يومنا هذا كانت فرصة امام العراق لافشال النوايا هو الموافقة على الانسحاب وفق ماقدم للعراق من تعويضات .

ج .معمر القذافي : رفض تقديم تنازلات سياسية حقيقية مع تصاعد الأزمة عام 2011،أدخلت البلاد في حرب وفوضى وانقسام ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم. أحيانًا يكون التنازل المؤقت إنقاذًا للدولة، لكن العناد يجعل القائد يرى التراجع نهاية له، حتى لو كان استمرار الصراع نهاية للوطن.

د. حتى في التاريخ القديم، نجد نابليون بونابرت عندما أصرّ على غزو روسيا عام 1812 رغم التحذيرات والظروف القاسية. ذلك القرار القائم على الثقة المفرطة والعناد أدى إلى تحطم جيشه العظيم، وكان بداية سقوط إمبراطوريته.

٥. عندما يتغلب العناد حين يهزم الحكمة ينتج :تحويل الخلافات إلى حروب.تدمير الاقتصاد والمجتمع.ضياع أرواح الأبرياء.انهيار الدول من الداخل.صناعة أجيال تعيش آثار القرار لعقود.القائد الحكيم لا يُقاس بعدد المعارك التي يخوضها، بل بعدد الكوارث التي يمنع وقوعها.

٦. الرسول محمد بن عبدالله كان مثالًا عظيمًا في الجمع بين الشجاعة والحكمة، فلم يكن اتخاذ القرار عنده قائمًا على العناد أو الرغبة في إثبات القوة، بل على مصلحة الناس وحماية الرسالة وتقدير الظروف. لذلك بقيت مواقفه دروسًا خالدة في القيادة والتصرف الصحيح وقت الأزمات.من أعظم الأمثلة :
أ. صلح الحديبية: عندما خرج المسلمون إلى مكة لأداء العمرة، مُنعوا من الدخول، وانتهى الأمر باتفاق بدا للكثير من الصحابة قاسيًا وغير عادل، حتى إن بعض الشروط كانت مؤلمة للمسلمين. لكن الرسول (ص ) نظر إلى ما هو أبعد من لحظة الغضب والانفعال، ورأى أن السلام المؤقت وحفظ الأرواح وفتح باب الاستقرار أهم من خوض مواجهة قد تستنزف الجميع.في ذلك الوقت ظن البعض أن الاتفاق تنازل، لكن الأيام أثبتت أنه كان فتحًا وحكمة عظيمة؛ إذ انتشر الإسلام بعدها بشكل أكبر، ودخل الناس فيه أفواجًا، لأن الاستقرار أتاح للناس أن يروا الحقيقة بعيدًا عن أجواء الحرب.

ب. غزوة الأحزاب : لم يعتمد الرسول( ص ) على الشجاعة وحدها، بل أخذ بمبدأ التخطيط والمشورة، فقبل فكرة حفر الخندق رغم أنها لم تكن عادة معروفة عند العرب آنذاك. وهذا يوضح أن القائد الحكيم لا يرى التراجع عن العادات أو قبول أفكار جديدة ضعفًا، بل وسيلة لحماية الناس وتحقيق الهدف.

ج .كان الرسول ( ص ) أيضًا يعلم أن الحفاظ على الإنسان أهم من المكابرة؛ لذلك انسحب في بعض المواقف العسكرية حين كانت المصلحة تقتضي إعادة التنظيم وتجنب خسائر أكبر، لأن الحكمة ليست في الاستمرار بأي ثمن، بل في معرفة الوقت المناسب لكل قرار.

٧. الاستنتاج : القرارات الكبرى لا تُقاس بلحظة اتخاذها، بل بما تحافظ عليه بعدها. فالعناد قد يرضي الكبرياء مؤقتًا، لكنه قد يدمّر كل شيء، بينما الحكمة قد تبدو مؤلمة في البداية لكنها تنقذ المستقبل.
الرسول (ص ) قدّم نموذجًا مختلفًا للقيادة؛ قيادة لا يحكمها الغضب ولا الكبرياء، بل البصيرة والرحمة وبعد النظر. لذلك كانت قراراته تبني مستقبلًا، لا مجرد انتصار لحظة.

٨. الخلاصة : ليس كل تراجع هزيمة، وليس كل صمود بطولة. أحيانًا تكون أعظم القرارت أن تقول: “يكفي”، وأعظم الانتصارات أن تحافظ على ما تبقى لتبدأ من جديد.
القوة الحقيقية ليست في رفض التراجع دائمًا، بل في امتلاك الشجاعة لاتخاذ القرار الصحيح حتى لو بدا صعبًا أو غير مفهوم في وقته. وهذا ما جعل الرسول ( ص ) قدوة في الحكمة والقيادة والرحمة معًا.
المكابرة والعناد قد يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالقوة، لكنه كثيرًا ما يكون بداية السقوط. الحكمة ليست ضعفًا، بل القدرة على إنقاذ الناس حتى لو اضطر القائد أن يتنازل عن كبريائه. فالتاريخ لا يخلّد من دمّر شعبه ليحفظ صورته، بل يخلّد من امتلك شجاعة القرار في الوقت المناسب.

٩. السؤال إين العراق اليوم : هو بين حكمة النجاة وخطر الانجراف:
يقف العراق اليوم في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه الحديث. فالمنطقة كلها تعيش على حافة اشتعال مستمر؛ صراعات نفوذ، توترات إقليمية، سباق مصالح دولية، وتحالفات تتغير بسرعة. والعراق بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه وتركيبته السياسية أصبح في قلب هذه العاصفة، لا على هامشها ان كان يعلم او لايعلم .
السؤال الحقيقي ( ليس فقط أين يقف العراق بل هل تعلّم من تاريخه بما يكفي كي لا يكرر أزماته ).تأريخه متخم بالدروس الثقيلة.فكلما دخل صراعًا أكبر من قدرته، دفع شعبه الثمن لعقود. والدرس يتكرر حين تتحول الدولة إلى ساحة لصراعات الآخرين، يصبح القرار الوطني ضعيفًا، ويصبح الشعب وقودًا للمواجهات.وانقسامات داخلية تجعل القرار الوطني أحيانًا أسير التوازنات الخارجية أكثر من كونه نابعًا من رؤية عراقية خالصة. الخطر ليس فقط في الحرب، بل في التطبع على الأزمات.فعندما يعتاد المجتمع على التوتر، تبدأ القرارات تُبنى على ردود الفعل لا على التخطيط، وعلى العاطفة لا على الحكمة. وهنا تدخل الدول مرحلة خطيرة؛ مرحلة السير نحو الهاوية دون أن تشعر، لأن الضجيج السياسي يطغي على صوت العقل.مع ماتقدم ان العراق يملك أيضًا فرصة مختلفة.فهو ليس بلدًا فقيرًا أو بلا تاريخ، بل دولة تحمل إرث حضارات عظيمة من حضارة بلاد ما بين النهرين، وتملك موقعًا يمكن أن يجعلها جسر توازن لا ساحة صدام. بعض التحليلات الحديثة ترى أن العراق يستطيع لعب دور الوسيط الإقليمي إذا امتلك قرارًا متوازنًا يحمي مصالحه أولًا. المشكلة أن الدول لا تسقط فجأة، بل تسقط عندما تظن أن الخطر بعيد بينما هي تسير نحوه خطوة بعد أخرى:
أ. حين يصبح الولاء للخارج أقوى من الانتماء للوطن.
ب. حين يتحول السلاح إلى لغة السياسة.
ج. حين تُقدَّم المصالح الحزبية على مصلحة الدولة.
د. عندما يظن القادة أن التاريخ لن يعيد نفسه.

١٠. التاريخ لا يرحم من لا يتعلم منه.
فأمم كثيرة ظنت أن القوة اللحظية تحميها، لكنها اكتشفت متأخرة أن العناد والانقسام أخطر من أي عدو خارجي.
العراق اليوم ليس أمام خيار الحرب أو السلام فقط، بل أمام خيار أعمق إما أن يبني دولة تتعلم من ماضيها وتوازن بين القوى بحكمة، أو يبقى ساحة تتصارع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية.الهاوية لا تبدأ بالسقوط، بل تبدأ عندما تتوقف الأمم عن الإصغاء لدروس تاريخها. والعراق، بما يحمله من جراح وتجارب، يملك فرصة نادرة كي يختار الحكمة قبل أن تفرض عليه الظروف اختيارات مؤلمة جديدة خارج أرادته .

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

739 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع