السرديّة المقدّسة: حين يتحوّل التاريخ إلى عقيدة سياسية.

بقلم ابراهيم فاضل الناصري

السرديّة المقدّسة: حين يتحوّل التاريخ إلى عقيدة سياسية.

يقينا اقول انه ليست أخطر الأزمات التي تمرّ بها الأمم تلك التي تُهزم فيها عسكريًا أو تتراجع فيها اقتصاديًا، بل تلك اللحظة التي تفقد فيها القدرة على النظر إلى تاريخها بوصفه مادةً للفهم، فتجعله بدلًا من ذلك مادةً للإيمان. ففي هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود الماضي حقلًا للبحث، بل يتحول إلى محراب، ولا يعود التاريخ سجلًا للوقائع، بل يصبح نصًا مقدّسًا تُحرَّم مساءلته. ومن هنا تولد «السردية المقدّسة».
إن السردية المقدسة ليست مجرد رواية تاريخية مشبعة بالعاطفة، بل هي بناءٌ رمزيٌّ شديد التعقيد، تُصاغ داخله الذاكرة الجماعية بطريقة تجعل الأمة أو الجماعة أو الدولة ترى نفسها باعتبارها صاحبة رسالة استثنائية، أو ضحية أبدية، أو وريثة مجد سماوي، أو حاملةً لحقيقة نهائية. إنها ليست تفسيرًا للماضي فحسب، بل مشروعٌ للسيطرة على الحاضر، وتوجيه المستقبل.
ولعل أخطر ما في هذه السرديات أنها لا تُقدَّم للناس باعتبارها «وجهة نظر»، بل باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة. فهي لا تطلب من الفرد أن يفهمها، بل أن يؤمن بها. ولهذا تصبح مناقشتها خروجًا عن الإجماع، أو خيانةً للهوية، أو اعتداءً على المقدسات الوطنية والدينية.
منذ فجر الحضارات، أدركت السلطات أن السيطرة على الإنسان لا تتحقق بالقوة المجردة وحدها، بل بالسيطرة على مخيلته أيضًا. فالملوك القدماء في بلاد الرافدين ومصر القديمة لم يكونوا يكتفون بإدارة الدولة، بل كانوا يحرصون على الظهور بوصفهم امتدادًا للإرادة الإلهية. لم يكن الملك حاكمًا فقط، بل حلقة وصل بين السماء والأرض، وبذلك يصبح عصيان السلطة عصيانًا للنظام الكوني نفسه.
ومع تطور الزمن، تغيرت الأشكال وبقي الجوهر واحدًا. فالدولة الحديثة، رغم خطابها المدني والعقلاني، لم تتخلَّ عن صناعة المقدس، بل أعادت إنتاجه بصيغ جديدة. فحلّت «الأمة» أحيانًا محلّ العقيدة، و«الثورة» محلّ النبوءة، و«الزعيم المؤسس» محلّ القديس، و«العَلَم» محلّ الأيقونة. وهكذا لم يختفِ المقدس من السياسة، بل غادر المعبد إلى مؤسسات الدولة والإعلام والتعليم.
إن الأنظمة السياسية حين تصنع سردية مقدسة، فإنها لا تعيد كتابة التاريخ فقط، بل تعيد تشكيل الوعي الجمعي. فهي تنتقي من الماضي ما يخدمها، وتُسقط ما يربك صورتها. تنتصر لذاكرةٍ دون أخرى، وتمنح بعض الأحداث خلودًا رمزيًا، بينما تدفن أحداثًا أخرى في صمت الأرشيف. وهكذا يصبح التاريخ ليس ما حدث فعلًا، بل ما تقرر السلطة أن الناس يجب أن يتذكروه.
ومن هنا نفهم لماذا تُبالغ الدول في صناعة الرموز الوطنية، والاحتفاء بالمعارك، وتقديس الشهداء، وإنتاج الأفلام التاريخية، وإعادة تدوير الخطابات البطولية. فكل ذلك ليس نشاطًا ثقافيًا بريئًا، بل جزء من هندسة الوعي. إن السلطة تعرف جيدًا أن الجماهير التي تعيش داخل سردية مقدسة يسهل تعبئتها، لأن الإنسان عندما يشعر أنه جزء من «رسالة تاريخية» يصبح أكثر استعدادًا للتضحية، وأقل ميلًا للتشكيك.
ولهذا السبب تحديدًا تحتاج السرديات المقدسة دائمًا إلى «عدو». فلا يمكن لسردية تقوم على الاصطفاء أو البطولة أو المظلومية أن تستمر دون خصمٍ دائم. فالعدو هنا ليس مجرد طرف سياسي، بل ضرورة وجودية لبقاء الرواية نفسها. ومن ثمّ تُصوَّر الصراعات السياسية غالبًا باعتبارها معارك نهائية بين الخير والشر، أو بين الهوية والضياع، أو بين المقدس والمدنس.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الهدف من هذه السرديات إقناع الناس بالحقيقة، بل منعهم من التفكير خارج الإطار المرسوم لهم. فالسردية المقدسة لا تخشى الجهل بقدر ما تخشى النقد. ولذلك فإن أول ما تفعله هو تحويل الأسئلة إلى محرمات. فالتاريخ الذي يُفترض أن يكون مجالًا للتفكير الحر، يتحول إلى مساحة للأوامر العاطفية، ويصبح الباحث في بعض البيئات مطالبًا بالولاء أكثر من الحقيقة.
ولعل المأساة الكبرى تبدأ عندما تُختزل هوية الشعوب في سردية واحدة. ففي المجتمعات المتنوعة، كثيرًا ما تؤدي السرديات المقدسة إلى محو التعدد التاريخي والثقافي. إذ تُفرض رواية مركزية واحدة بوصفها «الرواية الوطنية»، بينما تُهمَّش بقية الأصوات والهويات والذكريات. وهكذا يتحول التاريخ إلى أداة إقصاء بدل أن يكون فضاءً للفهم المشترك.
وفي عالمنا العربي تبدو هذه الظاهرة أكثر تعقيدًا، لأن المنطقة لم تعرف سردية واحدة، بل عاشت تحت تراكم سرديات متنافسة: دينية، وقومية، وطائفية، وثورية، وعشائرية. وكل سردية منها تحاول أن تحتكر معنى الوطن، ومعنى التاريخ، ومعنى الشرعية. ولهذا تبدو صراعات الحاضر أحيانًا وكأنها حروب ذاكرة أكثر من كونها حروب سياسة.
إن أخطر ما تفعله السردية المقدسة أنها تُحوّل الإنسان من كائن يفكر إلى كائن يتذكّر بالطريقة التي تُراد له. فهي لا تكتفي بصناعة الماضي، بل تصنع شكل الإدراك ذاته. ولهذا فإن الأمم التي تعجز عن نقد سردياتها، تبقى سجينة ماضيها حتى وهي تعيش في الحاضر.
أما التاريخ العلمي الحقيقي، فإنه يبدأ من الشك، لا من اليقين. يبدأ من الاعتراف بأن الماضي أكثر تعقيدًا من الروايات الرسمية، وأن البشر ليسوا ملائكةً ولا شياطين، وأن الأمم لا تُبنى بالأساطير وحدها، بل بقدرتها على مواجهة ذاكرتها بشجاعة.
فالأمم التي تقدّس سردياتها أكثر مما تفهمها، قد تنجح مؤقتًا في تعبئة الجماهير، لكنها على المدى البعيد تُنتج مجتمعات تخاف من الحقيقة، وتخشى السؤال، وتعيش داخل صورة متخيلة عن ذاتها. وحين تصل الأمم إلى هذه المرحلة، يصبح التاريخ عبئًا على الوعي بدل أن يكون طريقًا إلى الحكمة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

575 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع