
بسام شكري
محاكم التفكير في العراق
لم تعد الأزمات التي يعيشها العراق مجرد أزمات خدمات أو فساد إداري عابر، بل تحوّلت إلى بنية عميقة تمس جوهر الوعي الجمعي، وتعيد تشكيله وفق معايير قسرية تشبه ما يمكن تسميته بـ"محاكم التفكير". هذه المحاكم لا تُقام في قاعات رسمية، بل تنتشر في الفضاء العام، في الإعلام، وفي منصات التواصل الاجتماعي ، وفي المؤسسات التعليمية، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
منذ سنوات طويلة، يعيش العراق تحت تأثير احتلال مزدوج، مادي وفكري، تتداخل فيه المصالح الخارجية مع منظومة حكم داخلية تهيمن عليها قوى دينية-سياسية. هذه المنظومة لم تكتفِ بإدارة الدولة، بل سعت إلى إعادة تعريف الهوية العراقية، عبر إحلال خطاب طائفي محل الخطاب الوطني، وتغليب الولاءات الضيقة على مفهوم الدولة الجامعة. ومع هذا التحول، أصبحت مؤسسات الحكم، من تشكيل الحكومات إلى تعيين السفراء وإدارة الوظائف العليا، تدور في فلك هذه الهيمنة.
في ظل هذا الواقع، تبرز مفارقة مؤلمة: جامعات تخرّج آلاف الطلبة سنوياً، لكنها في كثير من الأحيان تعجز عن بناء إنسان يمتلك أدوات التفكير النقدي أو حتى المهارات الأساسية. وفي المقابل، تتفاقم أزمة البطالة بين الشباب، بينما تُدار قطاعات واسعة من سوق العمل من قبل عمالة أجنبية، في مشهد يعكس خللاً عميقاً في السياسات الاقتصادية والتعليمية معاً.
الأخطر من ذلك هو تداخل السلطة الدينية مع مفاصل الدولة، بما في ذلك المؤسسات الأمنية والعسكرية، حيث يصبح القرار خاضعاً لتفسيرات أيديولوجية بدلاً من معايير مهنية. هذا التداخل لا يضعف الدولة فحسب، بل يخلق بيئة مغلقة يصعب فيها مساءلة السلطة أو نقدها.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح الصوت الحر هدفاً مباشراً. الصحفي أو الكاتب الذي يحاول كشف الفساد أو نقد الواقع يواجه تهديدات قد تصل إلى الاغتيال، بينما تُفتح المنابر أمام خطاب يروّج للخرافة والانقسام، ويعيد إنتاج أفكار تنتمي إلى عصور مضت، بهدف إشغال المجتمع عن قضاياه الحقيقية، وعلى رأسها نهب الثروات وتدهور الخدمات الأساسية.
فبعد أكثر من عقدين، لا يزال العراق يعاني من نقص الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، في وقت تُحرق فيه كميات هائلة من الغاز محلياً، ويتم استيراد الغاز من الخارج لتوليد الطاقة. كما أن آلاف المصانع متوقفة، ما يعمّق الاعتماد على الاستيراد ويضعف الاقتصاد الوطني.
أما الإعلام، فقد شهد تحوّلاً خطيراً، حيث برزت شخصيات تُقدَّم للجمهور بوصفها مؤثرة، لكنها في الواقع جزء من منظومة موجهة تعمل على ترويج خطاب معين، يسعى إلى طمس الذاكرة الوطنية، وإضعاف الروح المعنوية، وعزل العراق عن محيطه الطبيعي.
وفي الفضاء الرقمي، تتجلى "محاكم التفكير" بأوضح صورها، عبر جيوش إلكترونية تعمل على مهاجمة أي طرح مخالف، وتشويه الحقائق، وخلق رأي عام مصطنع. هذه الظاهرة لا تقتصر على التضليل، بل تسهم في ترهيب الأفراد ودفعهم إلى الصمت، خوفاً من الإقصاء أو الاستهداف.
إن أخطر ما في هذه المحاكم ليس قدرتها على القمع المباشر، بل نجاحها في تشكيل وعي جديد يقبل بالقمع ويبرّره، بل ويدافع عنه أحياناً. وهنا تكمن المعركة الحقيقية: معركة استعادة العقل النقدي، وإعادة بناء الإنسان القادر على السؤال، وعلى التمييز بين الحقيقة والزيف.
العراق لا يفتقر إلى الموارد ولا إلى الطاقات البشرية، لكنه يواجه أزمة في إدارة هذه الموارد، وأزمة أعمق في حرية التفكير. ولن يكون هناك أي أمل في التغيير ما لم تُكسر هذه المحاكم غير المرئية، ويُفتح المجال أمام حوار حر، يعيد الاعتبار للعقل، وللوطن، وللمستقبل.
الاغتيال كأداة لإسكات العقل في العراق (2003–2025)
منذ عام 2003، لم يكن العنف في العراق موجهاً ضد الجسد فقط، بل استهدف العقل أيضاً، عبر اغتيال الصحفيين والإعلاميين الذين حاولوا كشف الحقائق أو مساءلة السلطة. وتشير تقديرات منظمات محلية ودولية إلى أن عدد الإعلاميين الذين قُتلوا خلال هذه الفترة يتراوح بين نحو 280 إلى قرابة 500 ضحية، وذلك بحسب اختلاف معايير التوثيق وتعريف "العامل الإعلامي". فوفق مرصد الحريات الصحفية، قُتل ما يقارب 277 إعلامياً، بينما توثق لجنة حماية الصحفيين رقماً قريباً يبلغ أكثر من 280 صحفياً، في حين تذهب نقابة الصحفيين العراقيين إلى تقديرات أعلى تصل إلى نحو 495 ضحية، شاملة فئات أوسع من العاملين في المجال الإعلامي. وعند وضع هذه الأرقام في سياق عالمي، تتضح خطورة المشهد بشكل أكبر. إذ تشير تقارير دولية إلى مقتل حوالي 1668 صحفياً حول العالم بين 2003 و2022، ما يعني أن العراق وحده يمثل نسبة تتراوح بين 15% إلى 20% من إجمالي الضحايا عالمياً خلال تلك الفترة، وهي نسبة مرتفعة بشكل استثنائي لدولة واحدة. بل إن العراق، خصوصاً في السنوات التي تلت 2003 مباشرة، صُنّف مراراً كـأخطر بلد في العالم على الصحفيين، متقدماً على دول تشهد حروباً ونزاعات طويلة. ولم يكن الخطر ناتجاً فقط عن العمليات العسكرية، بل أيضاً عن الاغتيالات المنظمة التي استهدفت أصواتاً إعلامية ناقدة.
الأخطر من عدد الضحايا هو واقع الإفلات شبه الكامل من العقاب، حيث بقيت الغالبية الساحقة من هذه الجرائم دون تحقيقات حاسمة أو محاسبة للجناة، ما خلق بيئة ترهيب دائمة دفعت الكثير من الصحفيين إلى الصمت أو الهجرة أو ممارسة الرقابة الذاتية. إن اغتيال الإعلاميين في العراق لا يمكن فهمه كحوادث منفصلة، بل كجزء من منظومة أوسع تعمل على تقييد حرية التعبير، وتحويل المجال العام إلى مساحة خاضعة للرقابة غير المعلنة. وهنا تتجلى "محاكم التفكير" بأوضح صورها، حيث لا يُحاكم الإنسان على ما فعل، بل على ما يفكر به أو يكتبه. وبذلك، يصبح استهداف الصحفيين ليس مجرد انتهاك لحقوق فردية، بل اعتداءً مباشراً على حق المجتمع في المعرفة، وعلى إمكانية بناء وعي جماعي قائم على الحقيقة. وفي ظل استمرار هذا الواقع، تبقى حرية الكلمة في العراق رهينة الخوف، ويظل العقل مهدداً ما لم تُكسر دائرة العنف والإفلات من العقاب.
حين يتحول الفكر إلى ساحة صراع
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم ليس العنف المسلح وحده، بل ذلك النوع الصامت من العنف الذي يتسلل إلى العقول، ويعيد تشكيلها وفق منطق الإقصاء والطاعة العمياء. "محاكم التفكير" في العراق ليست مجرد ظاهرة داخلية، بل نموذج متكامل لـ"الإرهاب الفكري" الذي يسعى إلى فرض رؤية واحدة، وتجريم الاختلاف، وتحويل الدين أو الأيديولوجيا إلى أداة للهيمنة السياسية والاجتماعية , وتكمن الخطورة الحقيقية في أن هذا النموذج لا يبقى محصوراً داخل الحدود الجغرافية. فالعراق، بحكم موقعه وتركيبته، يمثل نقطة تماس حضاري وسياسي مع دول الجوار مثل الخليج العربي والأردن وسوريا. وانتقال خطاب الإقصاء والطائفية عبر الإعلام، والمنصات الرقمية، والشبكات العابرة للحدود، يمكن أن يخلق بيئات مشابهة تُضعف الدولة الوطنية، وتفتح الباب أمام انقسامات داخلية تهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله، في نفس الوقت يمثل النظام السياسي في العراق اليوم خطرا على الأمن القومي العربي.
إن تصدير نموذج "محاكم التفكير" يعني عملياً تصدير الفوضى الناعمة: فوضى لا تبدأ بالسلاح، بل بالكلمة، ولا تُنهي الدولة دفعة واحدة، بل تُفككها تدريجياً من الداخل عبر ضرب الثقة، وتغذية الكراهية، وإضعاف مفهوم المواطنة. وهذا ما يجعل مواجهتها ضرورة ليس للعراق وحده، بل لمحيطه العربي كله. لكن هذه الظاهرة، رغم تعقيدها، ليست قدراً محتوماً. هناك مسارات واقعية يمكن أن تشكل بداية المواجهة:
أولاً، إعادة الاعتبار للتعليم النوعي، الذي لا يكتفي بالتلقين، بل يؤسس لعقل نقدي قادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الدين كقيمة روحية واستخدامه كأداة سياسية.
ثانياً، حماية حرية الصحافة والإعلام المستقل عبر تشريعات واضحة وآليات تنفيذ حقيقية، تضمن عدم إفلات مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين من العقاب، وتعيد الثقة بدور الإعلام كسلطة رقابية.
ثالثاً، فصل المؤسسات الدينية عن القرار السياسي والإداري، بما يحفظ للدين مكانته الروحية، ويمنع توظيفه في الصراع على السلطة أو في تشكيل الوعي القسري. ومنع المصطلحات الطائفية في الإعلام ومنع الطقوس الوثنية الغريبة عن الإسلام من ممارستها في العراق لتعميق الهوية الوطنية بدلا من الطائفية.
رابعاً، مواجهة الجيوش الإلكترونية وخطاب الكراهية من خلال استراتيجيات إعلامية رقمية مضادة، تقوم على الشفافية، وتقديم المعلومات الموثوقة، وتعزيز الوعي الرقمي لدى المجتمع.
خامساً، إعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة، التي تتجاوز الانقسامات الطائفية، وتعيد تعريف الانتماء على أساس المواطنة لا المذهب.
إن كسر "محاكم التفكير" يبدأ من استعادة الإنسان لحقه في السؤال، وفي الشك، وفي الاختلاف. فالدول لا تُبنى بالخوف، ولا تستقر بالعقول المُصادَرة. وما لم يُستعد هذا الحق، سيبقى الخطر قائماً، لا على العراق وحده، بل على المنطقة بأسرها.
بسام شكري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

808 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع