
شفق نيوز-يعمل العراق من خلال مركزين للقوة، وليس مركزاً واحداً، ما بين سلطة الحكومة وسلطة الميليشيات، وهو ما يقتضي، بحسب معهد "منتدى الخليج الدولي" الأميركي، حتمية خضوع العراق لإعادة هيكلة نظام الدولة فيه لإنهاء الازدواجية المؤسسية داخله.
وبحسب تقرير للمعهد الأميركي، ترجمته وكالة شفق نيوز، فمنذ اندلاع الحرب الإيرانية الأميركية - الإسرائيلية في أواخر شباط/فبراير 2026، وجد العراق نفسه في قلب صراع إقليمي لم يختر الدخول فيه، موضحاً أن الحرب أظهرت سمة طويلة خاصة بالنظام السياسي العراقي، وهي أن الحكومة هي من تمثل السيادة، إلا أن هناك قوة موازية داخل الدولة تقرر متى وكيف تُمارس هذه السيادة.
وأوضح التقرير أن "العراق لا يعمل من خلال مركز قوة واحد، بل مركزين"، مضيفاً أن الحكومة تمتلك السلطة الدبلوماسية والاعتراف الدولي والإطار المؤسسي لدولة ذات سيادة، بينما تحدد الميليشيات المدعومة من إيران، المنظمة تحت إطار الحشد الشعبي، والتي تعمل من خلال مظلة المقاومة الإسلامية في العراق، متى تُستقطَب الدولة إلى الصراع.
وطرح التقرير الأميركي، تساؤلاً: أين توجد السلطة في العراق فعلياً؟، لافتا إلى أن النظام السياسي في العراق يتمتع ببنية حكم ديمقراطي، حيث تُجرى الانتخابات، ويجري التفاوض على التحالفات، وتشكيل الحكومات، إلا أن هذا السلوك المؤسسي يخدم أيضاً وظيفة إضفاء الشرعية على نظام تُتخذ فيه أهم القرارات بشكل متزايد من خارج مؤسسات الدولة.
وفي حين أشار التقرير إلى استجابة الجماعات المسلحة لطهران، والتي يتم تمويلها من قبل بغداد، وإلى فتوى آية الله الكبرى علي السيستاني في العام 2014 للدفاع عن العراق وتشكيل العديد من الميليشيات، ثم إنشاء الحشد الشعبي، قال إن الميليشيات التي تطلق اليوم طائرات مسيرة على دول الخليج وإقليم كوردستان تمثل فصيلاً أيديولوجياً ولاؤه الأساسي للمشروع الإيراني، وليس للمجتمع العراقي الذي يُجندون منه.
ونبه التقرير، أيضاً إلى أن الفصائل انتقلت لاحقاً إلى الساحة الانتخابية، وكانت قوة تتمتع بالشرعية عبر المجالات الدينية والعسكرية والبرلمانية والميزانية، مع تلقي أوامرها من طهران.
ووفق المعهد الأميركي، فإن العراق، مثله مثل لبنان بدرجة كبيرة، جرى جذبه إلى الحرب من قبل قوى لا يملك السيطرة عليها، لافتاً في هذا الإطار إلى الهجمات على دول خليجية. وتابع قائلاً إن رد بغداد كان يتأرجح بين موقفين غير متوافقين: إدانة ضربات الميليشيات باعتبارها إرهاباً، مع إدانة الضربات الانتقامية الأميركية الإسرائيلية باعتبارها عدواناً.
وذكر أنّ "التناقض بلغ ذروته في 24 آذار/مارس، عندما أذنت بغداد رسمياً لقوات الحشد الشعبي بالرد على الهجمات على مواقعها، مما جعل العراق طرفاً عدائياً في الصراع، ومحو ما تبقى من الحدود بين سلوك الدولة وعمل الميليشيات".
وبحسب التقرير، فإن الحرب جاءت في أسوأ لحظة ممكنة، موضحاً أن البلد دخل الصراع من دون وجود مسؤول تنفيذي عامل، بقيادة رئيس وزراء كانت سلطته مقيدة دستورياً، في حين جعل الجمود داخل الإطار التنسيقي بغداد غير قادرة هيكلياً على مواجهة تصعيد الميليشيات.
ورأى التقرير أن الترشيح الأخير لعلي الزيدي لرئاسة الوزراء يؤكد هذه الديناميكية، حيث إنه كشف عن استمرار اختيار القيادة العراقية بسبب التجزؤ الداخلي ومن خلال الضغوط المتنافسة من واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن طهران دفعت باتجاه تثبيت رئيس وزراء متحالف أيديولوجياً لتعزيز العراق داخل الشبكة الإقليمية الإيرانية، لافتاً إلى أن القرار السياسي السيادي للعراق لا يُتخذ في بغداد، بل في سياق التجاذب بين واشنطن وطهران.
وخلص التقرير إلى أن هذه الديناميكية تشير إلى مسألة أوسع مرتبطة بكيفية ممارسة السلطة داخل العراق، الذي يتمتع بكل السمات الرسمية للدولة والمتمثلة بعلم ودستور وبرلمان ورئيس وزراء وسفارات خارجية، إلا أنه في الوقت نفسه يفتقر إلى العنصر الأكثر أهمية، وهو احتكار استخدام القوة داخل أراضيه.
وبعد الإشارة إلى "مصالح إيران"، رأى التقرير أنّ القرارات التي تتخذها الحكومة العراقية يمكن تقويضها من جانب الحشد الشعبي، حيث إن بإمكان "الدولة داخل الدولة" أن تعرقل التعيينات السياسية، وتؤثر في القرارات المتعلقة بقضايا النفط والغاز، وتقوض العلاقات الخارجية للعراق في أي لحظة.
وختم تقرير "منتدى الخليج الدولي"، بالقول إن الطبقة السياسية في بغداد لا تزال شديدة الانقسام ومقيدة لكي تخوض مواجهة حقيقية مع القوى التي تقوضها، مضيفاً أن "المطلوب ليس مجرد إرادة سياسية، وإنما إعادة تشكيل هيكلي للدولة العراقية تنهي الازدواجية المؤسسية التي جعلت هذه الأزمة ممكنة".

900 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع