
د. سعد ناجي جواد*

ما بين تلافيف الدماغ، آخر نتاج النطاسي العراقي الاستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي
وصلني قبل ايام كتاب الاخ الغالي والصديق الصدوق الجراح البارع الدكتور عبد الهادي الخليلي، طبيب الجملة العصبية، والذي اراد منه ان يكون سجل لتاريخ رحلته في الجراحة العصبية والحياة. ياتي هذا الكتاب بعد كتاب آخر اصدره قبل ذلك بعنوان، رحلتي في الطب والحياة (اربعة اجزاء).
يقع الكتاب الجديد، الذي كتب مقدمة له الدكتور عامر الصفار، في اقل من ستمائة صفحة بقليل (562 صفحة). مما يجعله سفرا ضخما ومرجعا مهما. وبتقديري المتواضع هو ليس كتاب طبي تخصصي بقدر ما هو مذكرات وتجربة طبيب. عندما تسلمت الكتاب تصورت انني سأحتاج إلى وقت طويل كي إقراءه، وشعرت انني ساجد صعوبة في فهم ما فيه من مواضيع علمية متخصصة. ولكن الاسلوب الشيق الذي كُتِبَ فيه جعلني ابحر في صفحاته بكل سهولة ويسر. واستطيع ان اقول ايضا ان الكتاب هو انجاز اخلاقي نموذجي وارشادي للأطباء بصورة عامة، والاجيال الجديدة منهم خاصة. وكدليل على خلقه العالي وادبه الجم، فان الدكتور عبد الهادي لم يبخس او يهمل دور اي إنسان مر في حياته، سواء اولئك الذين تتلمذ علي أيديهم أو الذين اشرفوا على تدريبه في العراق وخارجه، ولم ينس أسماء من زامله، بل وحتى من عمل معه من ممرضات وممرضين. وكلما تعمق القاريء في القراءة يتولد لديه شعور بان الدكتور عبد الهادي كان حريصأ منذ ان كان طالبا او في بدايات عمله المهني على توثيق كل ما يمر في حياته من احداث وبالصور احيانا. وزاد على ذلك ان اضاف تعريفات بالمدن التي سكنها اثناء دراسته والمستشفيات التي عمل فيها، ونبذة عن لأطباء والزملاء الذين عمل معهم، او الذين رحلوا بصورة مبكرة. كما ان التجربة الطبية التي يسردها الدكتور عبد الهادي تجعل من الكتاب مرجعا مهما لكل طالب طب يروم اكمال دراسته العليا في الخارج. من ناحية اخرى يعطي الكتاب صورة عن معنى الاصرار وتمسك الانسان بالهدف. فبعد ان عقد الدكتور عبد الهادي العزم منذ نعومة أظفاره على ان يكون طبيبا، يروي لنا كيف انه أضطر في مرحلة ما إلى ان يلتحق بكلية الهندسة، ثم عاد إلى الطب، وكيف انه اختار طب العيون لضرورة ما ثم عاد واختص بالجملة العصبية، وأبدع في الاختصاصين.
تربط عائلة الخليلي النجفية الكريمة، التي عرفت بأدبائها وشعرائها وعلمائها في كافة المجالات، مع عائلتي (الساعاتي) علاقة صداقة طويلة امتدّت إلى تسعة عقود تقريبا، وتوجت بنسابة عن طريق التزاوج. ولهذا فإن تعرفي على الاخ الدكتور هادي بعد عودتي إلى العراق في نهاية السبعينيات (حيث اختلفت سنين تغربنا للدراسة) جاء وكانه حدث طبيعي وبدون مقدمات، وشعرنا وكاننا نعرف بعضنا البعض منذ زمن بعيد. التقيته لاول مرة في مستشفى الجملة العصبية في بغداد عندما ذهبت لكي اطلب منه ان يشمل برعايته إبن عم لي تعرض لحادث مروري صعب. ولكني وجدته قد قام باللازم قبل وصولي، كما ان ابتسامته الطيبة عندما شاهدني امامه بعثت الإطمئنان في نفسي، ولا ازال اذكر كلماته الاولى عندما لاحظ قلقي (لا تخاف اخي بالريش، وهو تعبير عراقي يشير إلى سطحية الإصابة). طبعا الإصابة لم تكن كذلك، ولكن لثقته بنفسه وقدرته على علاج الحالة قال لي تلك الكلمات.
ليس من المبالغة القول ان الدكتور عبد الهادي يتمتع بصفات نادرا ما تنجمع في شخص واحد. فهو بالإضافة إلى خلقه العالي وأدبه الجم وتواضعه الكبير، عالم، ليس في مجال تخصصه فقط، (حيث له تجارب مهمة في موضوع جديد جدا وهو اعادة الحياة للحبل الشوكيّ المقطوع)، وانما بالتراث الطبي وتاريخ الطب العربي والأدب واللغة العربية وبالحضارات العراقية السابقة، وكل ما اتحدث معه أتعلم منه شيئا جديدا عن العراق القديم. ولكن ما يهمني اكثر من ذلك هو حقيقة ان الدكتور الخليلي يمتلك من الروح والمشاعر الوطنية وحب للعراق ما يثير اعجابي وإعجاب كل من عرفه، يوما بعد يوم. هذا الحب الذي لم يتزعزع حتى عندما مر باحداث كان البعض يتصور، وانا منهم، انها ستخلق او تترك في نفسه مرارة عميقة. وفي كل مرة اشاهده يتحدث بالحب عن العراق او اتابع افعاله ونشاطاته التي يحاول من خلالها التذكير بالحضارات العراقية او رعاية المواهب العراقية، اُجري في ذهني مقارنة بينه وبين اشخاص اعرفهم، وعايشتهم (كأقران او أصدقاء مقربين او كشخصيات معروفة في المجتمع العراقي)، مروا بظروف اقل بكثير من تلك التي مر بها ابو ياسر (دكتور هادي) ولكنهم انقلبوا على إثرها بمعدل 180 درجة وآثروا الانسلاخ عن هويتهم بل وعن وطنهم، ووصل الأمر بالبعض إلى التعاون مع الأجنبي ضد العراق.
اخيرا ليسمح لي اخي ابو ياسر ان احيد عن الموضوع قليلا واذكر حادثة لا زلت اعتز بها. عندما التحقت بعملي في جامعة بغداد بعد عودتي من الدراسة، علمت ان هناك مركزا دراسيا جديدا قد انشيء أطلق عليه اسم مركز الدراسات الفلسطينية، (بالمناسبة فان هذا المركز اغلق بعد الاحتلال)، وكان المركز نشيطا جدا ويحتوي مكتبة صغيرة ولكنها تزخر بمراجع مهمة وحديثة.
طلب مني المركز ان اعمل مراجعة لكتاب عن حرب السويس 1956، والتي أشرت بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية. الكتاب كان بعنوان (السويس: لا نهاية للدرس)، No End Of A Lesson: The Story of Suez ولغرض إكمال العرض ذهبت إلى مكتبة المركز لكي ابحث عن بعض المصادر. في المكتبة استقبلتني بحفاوة امينة المكتبة، سيدة شابة أنيقة مبتسمة، وقدمت لي كل ما احتجته، وأشعرتني بانها تعرفني. ثم علمت انها من ال الخليلي، وتذكرت ان دار عائلتها كان يقع بالقرب من دارنا في شارع ابي نؤاس المعروف وسط بغداد. ثم علمت انها زوجة الاخ الدكتور هادي، وتذكرت بيت الشعر الذي يقول:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكلُّ قرين بالمقارن يقتدي.
حفظ الله دكتورنا المبدع عبد الهادي الخليلي وعائلته، ومّنَ الله علية بالقوة والعافية والقدرة على الإستمرار في إبداعاته خدمة لمهنته ولعراقنا الحبيب.
*كاتب واكاديمي عراقي

600 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع