
فارس الجواري
من السماء إلى الخزينة......حوكمة إيرادات عبور الطائرات في الأجواء العراقية بين معايير ICAO ومتطلبات IATA
يشكل ملف إيرادات عبور الطائرات فوق الأجواء العراقية أحد أهم الموارد السيادية غير النفطية القادرة على دعم قطاع الطيران المدني وتعزيز الاستدامة المالية لمؤسساته ولا سيما في ظل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للعراق الذي يربط بين آسيا وأوروبا والخليج العربي وما يتيحه ذلك من كثافة عالية لحركة العبور الجوي اليومية التي تجاوزت حاجز ال700 طائرة يوميا قبل التوترات الاخيرة في المنطقة مما ادخل ايرادات كبيرة لميزانية الحكومة وهو مايطرح تسألات حول كيفية جباية تلك الاموال وهل إن إدارة هذا الموارد ترتبط فقط بوجود المجال الجوي المفتوح أو بعدد الرحلات العابرة أم تعتمد على عوامل اخرى اساسية اهمها كفاءة الإدارة المؤسسية للقطاع ودقة النظام المالي فيه ومدى الالتزام بالمعايير الدولية التي تحكمه .
وتُعد الشركة العامة لخدمات الملاحة الجوية العراقية الجهة التشغيلية الأساسية المسؤولة عن تقديم خدمات الملاحة الجوية فوق الأجواء العراقية بما يشمل إدارة الحركة الجوية وخدمات المراقبة الجوية والإرشاد الملاحي وكذلك تشغيل الرادارات وأنظمة الاتصالات لضمان انسيابية و سلامة عبور الطائرات ضمن الممرات الجوية المعتمدة . وهذه الخدمات لا تُقدم مجاناً بل تُستوفى عنها تلك الرسوم التي نوهنا عنها في بداية المقالة وفق آليات معتمدة دولياً تستند إلى قواعد منظمة الطيران الدولية ICAOالتي تضع الأطر الفنية والتنظيمية المتعلقة بإدارة المجال الجوي وايضا ما يقدمه الاتحاد الدولي للنواقل الجوية IATA من دور مكمل ومؤثر في هذا النظام بوصفه الجهة المهنية التي تمثل شركات الطيران العالمية من خلال مساهمتها في تنظيم العلاقة المالية والتشغيلية بين هذه الشركات ومقدمي خدمات الملاحة الجوية في تسهيل عمليات الفوترة والتسوية المالية وتقليل النزاعات المتعلقة بالمطالبات المالية وتوحيد النظم التشغيلية بين شركات الطيران والدول، فضلاً عن تمثيل مصالح الناقلات الجوية في حال وجود اعتراضات على الرسوم أو الحاجة إلى مراجعة سياسات التسعير.
إن نجاح العراق في تعظيم الاستفادة من هذا المورد يرتبط بمدى قدرته على الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الحوكمة المؤسسية الحديثة فوجود نحو سبعمائة طائرة تعبر الأجواء العراقية يومياً يمثل فرصة مالية كبيرة إلا أن هذه الفرصة قد تتحول إلى مورد مهدور إذا غابت الشفافية وضعفت الرقابة المؤسسية أو تغلب النفوذ غير الرسمي على الإجراءات النظامية لذلك فإن تطبيق المعايير الدولية للإبلاغ المالي IFRS داخل الشركة العامة لخدمات الملاحة الجوية الذي اعلن عنه مؤخرا يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية لأنه يربط الإيراد بالخدمة الفعلية المقدمة ويمنع الفجوة بين الحركة الجوية المسجلة وبين الإيرادات المحصلة فعلياً ففي النظام التقليدي تُسجل الإيرادات وفق إجراءات إدارية أو تقديرات غير مرتبطة بزمن تحقق الخدمة بينما تقوم فلسفة IFRS على الاعتراف المالي الدقيق المبني على تحقق المنفعة الاقتصادية فعلياً وهذا يعني أن كل رحلة تعبر المجال الجوي العراقي يجب أن تقابلها بيانات تشغيلية موثقة ورسوم محددة وحالة تحصيل واضحة بما يسمح ببناء قاعدة مالية دقيقة يمكن الرجوع إليها في التدقيق والرقابة والمساءلة.
أن عملية التحصيل تبدأ من تسجيل عبور الطائرة داخل أنظمة المراقبة الجوية التابعة لشركة الملاحة الجوية بعد تحديد بيانات الرحلة مثل شركة التشغيل، نوع الطائرة، مسار العبور، مدة استخدام المجال الجوي، ونقاط الدخول والخروج وبناءً على هذه البيانات تُحتسب الرسوم وفق معادلات معتمدة دولياً وهي مقطوعة لكافة انواع واحجام الطائرات العابرة باجور ثابتة تقدر ب 450 دولار لكل طائرة بعد ذلك تُصدر الفواتير لشركات الطيران أو عبر أنظمة التسوية المالية المرتبطة بـ IATA بما يضمن انتظام المطالبات وتقليل نسب التأخير أو التعثر في السداد , أما الرقابة على استحصال هذه الأموال فتتطلب وجود فصل واضح بين الجهة التشغيلية والجهة الرقابية بحيث لا تكون المؤسسة نفسها هي الخصم والحكم في آن واحد وهنا يبرز دور ديوان الرقابة المالية الاتحادي والجهات الحكومية المختصة في مطابقة البيانات التشغيلية مع البيانات المالية تُودع بعدها هذه الإيرادات ضمن الحسابات الحكومية الرسمية وفق الأطر القانونية المعتمدة لتتحول من رسوم تشغيلية إلى مورد سيادي يدعم الموازنة العامة ويغذي مشاريع البنية التحتية في قطاع النقل والطيران حيث يمكن توجيه هذه الإيرادات إلى تحديث أنظمة الرادار والمراقبة الجوية وتطوير الأبراج والمراكز الملاحية ورفع كفاءة أنظمة الاتصالات الجوية وتأهيل المطارات المدنية وتدريب الملاكات الفنية والمراقبين الجويين وتحسين معايير السلامة الجوية فضلاً عن دعم مشاريع التحول الرقمي والتوافق مع متطلبات التدقيق الدولي اضافة الى رواتب الكوادر .
غير أن هذا المسار يظل مرتبطاً بعقبة جوهرية تتمثل في النفوذ غير المؤسسي داخل قطاع الطيران المدني، حيث تؤدي البيئات الإدارية غير المستقرة وتداخل الأدوار وضعف الشفافية في القطاع ادى إلى إضعاف القرار الفني وتحويل بعض الموارد إلى مساحات نفوذ بدلاً من أن تكون أدوات تنمية لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق فقط عبر تحديث الأنظمة المحاسبية أو إقامة الدورات التدريبية بل من خلال إعادة بناء البيئة المؤسسية نفسها بحيث تصبح اللوائح أقوى من العلاقات وتكون الكفاءة المهنية مقدمة على الولاء الإداري ويُحمى القرار الفني من التأثيرات السياسية والشخصية فإيرادات عبور الطائرات ليست مجرد أرقام مالية بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة مورد سيادي وفق منطق المؤسسة لا منطق النفوذ كون إن مستقبل الطيران المدني العراقي يرتبط بقدرته على تحويل موقعه الجغرافي إلى قوة اقتصادية مستدامة وهذا لا يتحقق إلا عبر إدارة احترافية لإيرادات الأجواء العراقية قائمة على الشفافية والرقابة والامتثال الدولي أضافة الى التكامل بين شركة الملاحة الجوية بصفته الخدمية وسلطة الطيران المدني بصفته التشريعية الرقابية ضمن منظومة متماسكة تجعل من كل طائرة تعبر السماء العراقية قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني وفي هذا الإطار يصبح تطبيق IFRS وتعزيز العلاقة المهنية مع IATA والالتزام الصارم بمعايير ICAO، ليس مجرد خيار إداري بل ضرورة سيادية واستراتيجية لمستقبل الطيران المدني في العراق.
نيسان 2026

846 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع