قصة (عشق الصبى) - الجزء الثاني

بقلم احمد فخري

قصة (عشق الصبى) - الجزء الثاني

من لم يتسنى له الاطلاع على الجزء الاول فبامكانه متابعته من خلال هذا الرابط

https://algardenia.com/maqalat/70546-2026-02-08-16-20-42.html

فتح سمير الدولاب واختار افضل ما لديه من بدلات كي يبهر بها حبيبته في لقائهم الاول لكنه تراجع عن ذلك بآخر لحظة وفكر ملياً {يجب ان اعطيها انطباعاً بانني انسان طبيعي وعلاقتنا هي مجرد لقاء بين صديقين. دعني اتخيلها وكأنها صديقي اياد، فماذا ساقول له للوهلة الاولى لو قابلته بحديقة الزوراء يا ترى؟ اكيد ساقول، هلو اياد... لا، اظن انني ساقول، هلو ايودي، كيف حالك؟ لذلك سابدأ بـ هلو هنودة، كيف حالك؟ ربما (هلو) تعتبر كلمة جداً سوقيّة او بسيطة، لماذا لا استبدلها بـ (مرحباً هل وجدت المكان بسهولة؟) لا، هكذا ستعتبرها انتقاصاً من شخصيتها. فانا اسألها عن كيفية العثور على المكان وكأنها انسانة غبية لا تعي شيئاً وستتوه عن المنطقة. لماذا لا اكتفي بـ (مرحباً) واترك الامر لانسياب الحديث بيننا؟ اجل سافعل ذلك}. ارتدى قميصاً فظفاظاً وبنطال جينز ازرق وحذاء ماركة (كاپا) اهدته اليه والدته مؤخراً إذ قالت وقتها "ستلبسه وتذهب به للامتحان فتشعر بارتياح كبير في قدميك وانت تسترخي كي يكون ادائك جيداً بالبكالوريا". وبعد ان نظر الى هيئته العامة بالمرآة رأى فتىً وسيماً يرتدي ملابس متواضعة غير مبالغ فيها. ابتسم وخرج من البيت مسرعاً ليرى سيارة اجرة مقبلةً من بعيد. لوح بيده فتوقفت. حنى ظهره ونظر الى سائقها قائلاً، "الزوراء لو سمحت". جلس على الكرسي الخلفي من السيارة وراح يغرق بافكاره ويتحاور مع نفسه فيقول {احبك يا هنودة. انت فتاة احلامي. ساتزوجك يوماً وسنخوض معترك الحياة معاً. اجل سافاتح امي بعد ان اسمع منك القبول... انتظر، انتظر، لحظة، اي قبول هذا يا احمق؟ انت لم تراها وجهاً لوجه بعد، والآن تأتي لتقول سافاتح امي بالزواج منها؟ ربما سأكتشف انها قبيحة، والصورة التي اختارتها هند بهاتفها لاحدى عارضات الازياء. وقتها ساصاب بالاحراج وسأرضى بها وبشكلها القبيح مدى الحياة. والآن اهدأ يا سمّوري اهدأ... لا تتسرع، تريث قليلاً ارجوك... يجب ان تأخذ الامور بروية فقد تقودك حماقاتك وتهورك الى فقدانها الى الابد. هذه المرة يجب ان تتصرف بحكمة فالفتاة ذكية لابعد الحدود ولديها تحفظات متعددة نحو الكثير من الامور. لا تخرج لها عفريتك من البداية فتخسرها الى الابد. اجل ساحاول التصرف معها ببرود ورزانة، لا البرود المبالغ قد يجعلها تعتقد انني انسان جامد لا ابالي بشيء لذلك يجب ان ارسم لها صورة الشاب المحترم الذي يحمل قيماً اخلاقية عالية لترى فيّ انساناً سوياً وترضى بي كشريكاً للحياة. لا ان انفرها بعيداً واخسرها الى الابد. وقتها ساعض على اناملي وسوف لن ينفعني الندم. اجل هذه ستكون ستراتيجيتي مع هند. كم انت ذكي يا سمّورة}. فجأة سمع السائق يقول، "لقد وصلنا الزوراء، 12 الف دينار لو سمحت". امسك سمير بمحفظته واخرج منها المبلغ ليعطيه للسائق ثم نزل امام بوابة المنتزه. سار بداخله وراح يمسح ارجائه بناظريه من اقصاه الى اقصاه. لكنه لم يرى اي وجود لحبيبته. مشى قليلاً نحو الجانب الشرقي من المنتزه متجهاً الى النخلة الصغيرة ووقف بجانبها. صار ينظر في جميع الاتجاهات فلم يجد اي اثر لا لها ولا لأي انسان آخر بالمنتزه. ففي تلك الاوقات تكون درجة الحرارة مرتفعة ولا يفضلون الذهاب الى المنتزه حتى يتلطف الجو قليلاً. بقي واقفاً ثم تفحص هاتفه فرأى الساعة تشير الى 16:35 {لا بأس لقد تأخرت خمس دقائق فقط. ما الضير في ذلك؟ سانتظرها حتى لو تأخرت نصف ساعة، ليس لدي مشكلة؟ ماذا ورائي؟ انها اهم حدث في حياتي. اجل انا سانتظر}. بقي صاحبنا واقفاً ينظر حوله لاكثر من نصف ساعة وعندما تفحص هاتفه وجد الساعة تشير الى 17:02. {انها لم تأتي بعد. يبدو انها ارادت تلقيني درساً لن انساه ابداً. كم انا غبي لانني صدقتها وتصورت انني ساكوّن علاقة حميمية مع شخص خيالي من خلال شاشة حاسوب. على العموم دعني انتظر 10 دقائق اخرى، فإن لم تأتي، ساعود الى بيتي وامري الى الله}. بقي سمير واقفاً حتى نظر الى هاتفه ليجده يشير الى 17:35. {لا هذا كثير ولا يطاق ابداً. انتظرتها اكثر من ساعة كاملة لكنها سخرت مني ولم تحضر. الجو ما زال ساخناً وانا اتعرق كالخنزير. لقد ضربتني (بوري معدل). انا سإمت الانتظار، يجب ان اعود الى بيتي الآن، دعها تذهب الى الجحيم}. مشي باتجاه البوابة التي دخل منها وصار يمشي بخطى بطيئة يعاني من حرارة الجو التي زادت من شدة غضبه وسخطه وشعوره بالخذلان لانه تلقى صفعة موجعة في صميم كرامته. تلك الصفعة سوف تكون الفاصل الاكبر بحياته فلن يثق بواحد منهن بعد ذلك ابداً. كيف تستطيع فتاة غبية ان تستغفله؟ كيف لم يشعر بالمقلب الذي اعدته له تلك الفتاة المفعوصة {ساهينها واوجه لها كلاماً لاذعاً وانهي تلك العلاقة التافهة. فالعلاقات لا تبنى من خلال الانترنيت كما يقول الجميع. كم كنت ساذجاً. انجرفتُ وراء مشاعري بمخيلتي لانني قليل الخبرة مع النساء. لا، وفوق كل ذلك اردت الزواج منها هاهاها، كم انا مجنون... ما هذا؟ من التي تقف هناك؟ ترى من تكون تلك الفتاة التي ترتدي فستاناً احمراً قانئ. انها تنظر بعيداً ولا استطيع رؤية وجهها. لقد انحجب وجهها عني تماماً. هل يجوز ان تكون هي هند بحد ذاتها؟ انا لا ارى وجهها من هنا. ليتها تدور برأسها لارى ملامحها. هيا يا فتاة اديري رأسك هيا ارجوك اتوسل اليك، اريد ان اراك كي اتأكد}. فجأة ادارت وجهها فالتقت المقلتين ببعضهما البعض لتملأ وجهه ابتسامة عريضة. {لا اصدق ما ارى لقد جائت لملاقاتي}.

** هند تستدير برأسها نحو سمير

سمير : ما هذا يا فتاة؟ انا لا اصدق.

هند : ما الأمر، هل انا قبيحة لهذه الدرجة؟ الم يعجبك شكلي؟

سمير : قبيحة؟ هل قلت قبيحة؟ يا لك من محتالة.

هند : شكراً جزيلاً. وتقول عني محتالة الآن. وماذا بعد؟ قبيحة ومحتالة. ربما ستقول انني غبية كذلك!

سمير : لا لم اقصد ذلك ابداً. انت سحرتيني بجمالك يا هنّودة. انت اجمل ما رأت عيني من النساء. هل تعلمين شيئاً؟ انت تشبهين قطعة النستلة.

هند : وما رأيك بصوتي؟ هل ازعجك صوتي؟

سمير : صوتك ناعم كزقزقة العصافير. انا متيم بك يا عمر... اقصد يا هند.

هند : كنت ستنادي عمر؟ من هو عمر؟

سمير : لا كنت ساقول يا عمري لكنني عدلت عن ذلك.

هند : لماذا؟ هل لأنني لا استحق كلمة عمري؟

سمير : بل تستحقين اكثر من ذلك بكثير لكنني حاولت ان احترم ما طلبتيه مني في السابق واردت ان ابدو الفتى المهذب الذي لا يتسرع بمشاعره.

هند : وماذا عن مشاعرك؟ هيا اخبرني فانا متحمسة جداً كي اعرف مشاعرك واريد رأيك فيّ. هل انا جميلة حقاً بنظرك؟

سمير : لو فتحت لك قلبي لوجدت فيه ماسة كبيرة تتربع على عرشه.

هند : ماسة؟ اي نوع من الماس يا زين؟

سمير : انت يا ماسة عمري وجوهرة قلبي ماسة من اللون الوردي.

هند : كلام العشق هذا يسكرني ويجعلني انتشي لكنه يخيفني بنفس الوقت. من قال انك لست زير نساء متمرس تحاول تخديري بتلك العبارات المنمقة المغطاة بالعسل وشكولاطة.

سمير : شكولاطة، هل قلت شكولاطة؟ انت اجمل (كيت كات) رأيته بحياتي. انت خليط من (مارس) و(سنيكرز) و(نوتيلا) يا اجمل دوندرمة فستق رأيتها بعمري. ولكن تعالي هنا، كيف خطرت لك فكرة ارتداء فستان احمر؟ وكيف عرفتِ ان اللون الاحمر هو لوني المفضل؟

هند : انا اقرأ الافكار. الم اخبرك من قبل؟

سمير : لا لم تخبريني بانك عرافة. لكن بصريح العبارة انت اجمل عرافة شفتها بحياتي.

هند : كف عن مغازلتي ودعنا نتحدث بشكل طبيعي لو سمحت.

سمير : لا اقدر. فانا متيم بك يا هنّودة. لقد سرقت قلبي وروحي وعقلي.

هند : يا لك من كذاب. تتهمني بالسرقة الآن؟ وماذا بعد؟

سمير : اتهمك مع سبق الاصبار اقصد مع كامل الاصرار لا لا اقصد...

هند : ربما تقصد (مع سبق الاصرار والترصد). اليس كذلك؟

سمير : لم تبقي لي عقلاً لافكر به يا جميلة الجميلات. لقد فقدت القدرة على النطق. انت اميرتي. حبذا لو...

هند : حبذا لو ماذا؟ اخبرني فانا استمع اليك بكل اهتمام.

سمير : حبذا لو اقدر على مقابلة اهلك. بالواقع انت لم تخبريني أي شيئ عن اهلك. ماذا يعمل والدك وامك واخوانك واين تسكنون؟

هند : حسناً، اسمع عزيزي زين، ابي رجل في الستين من العمر موظف بوزارة النفط وامي مدرسة لغة انجليزية. لدي اخ واحد فقط اسمه اوس. لكننا نناديه (كارثة) لانه حقاً يستحق ذلك اللقب. فهو يدمر كل شيء يقع بين يديه.

سمير : كم يبلغ من العمر؟

هند : اوس عمره 5 سنوات الآن. وهو المدلل الوحيد في العائلة. كل شيء يمشي بامر منه. تخيل، عندما نطلب من ابي امراً يعتذر ويقول ليس الآن لانني اشعر بالتعب ولا يسعني الخروج. لكن عندما يطلبه اوس فابي يعود ويرتدي ملابسه من جديد ثم يخرج كي يلبي له رغباته. اشعر وكأنني مواطنة من الدرجة الثانية بداخل بيتنا.

سمير : هذا حال الاطفال دائماً. لكنه يظل اخوك وعليك رعايته. فالاخ لا يقدّر بثمن. اقول ذلك لانني محروم من الاخوة الذكور. لذا اتخذت من صديقي اياد اخاً. انه زميلي بالدراسة وصديق عمري. فنحن التقينا منذ ان كنا بالابتدائية. وقتها كنت بالصف الرابع وكان ذلك اول يوم من بدئ الدراسة. كنت راكباً دراجتي الهوائية راجعاً الى بيتنا بعد انتهاء الدوام حين رأيت ولدين من عمري يمسكان بولد يضربانه ضرباً مبرحاً. تخيلت نفسي الممثل (كلنت ايسوود) في فيلم (الجيد والسيئ والقبيح). قفزت من دراجتي بالهواء لاهبط على احدهم فطرحته ارضاً. تركته على الارض وانتصبت على قدمي فضربت الولد الثاني ضربة شديدة لكنني رأيت صاحبه يقف ويستل قلم رصاص من حقيبته ليمسك به وكأنه خنجر فيهجم علي كي يطعنني. غرس رأس القلم المدبب في جلد ساعدي لكنني لم ابالي بالطعنة فلكمته لكمة شديدة كادت تفصل رأسه عن جسده. آلمته الضربة كثيراً فركض وامسك بيد صاحبه وولوا هاربين. التقطت الولد المسكين من الارض وساعدته على الوقوف وسألته، "ما اسمك؟" قال، "اياد". ثم سألته، "لماذا يعتدون عليك يا اياد؟" قال لانه جديد بالمدرسة ولا يتحدث العربية بشكل جيد لانه وُلِدَ في بريطانيا عندما كان ابوه يدرس الهندسة وقد عادوا للعراق قبل اشهر قليلة. ساعدته على الوقوف واركبته خلفي على دراجتي الهوائية ثم سألته عن مكان سكناه قال، "نحن نسكن بالعْمارة" فقلت له ان العْمارة بعيدة جداً عن بغداد فكيف جاء الى المدرسة في بغداد هذا الصباح؟ قال لا انا اسكن بالعْمارة بآخر هذا الشارع. ليتضح لي ان منزلهم عبارة عن شقة في عمارة سكنية جديدة تقع بآخر شارعنا. وقتها اوصلته الى شقته وطلبت منه ان يأتي الى بيتي صباح كل يوم كي اخذه معي الى المدرسة حفاظاً على سلامته. ومن وقتها اصبحنا اثنان لا يفترقان ابداً.

هند : قصة جميلة. الاصدقاء الحميمين بامكانهم ان يكونوا اكثر من اخوة. هنيئاً لك بصديقك اياد.

سمير : اجل انا احبه كثيراً وهو يحبني حباً جماً وقد فرح عندما علم باني اتواصل معكِ.

هنا تجهم وجهها ونظرت اليه بغضب قائلة،

هند : وماذا قلت له عني؟

سمير : لا شيء، لا شيء لا تخافي يا عزيزتي، فقط قلت له انني تعرفت عليكِ وحسب.

هند : جيد، والآن علي ان اعود الى بيتي.

سمير : لكننا وصلنا للتو وقد بدأنا حديثنا منذ لحظات يا فتاة.

هند : هل قلت لحظات؟ انظر الى الوقت. هاتفك يشير الى السادسة والربع.

سمير : وما المشكلة في ذلك؟ لدي كلام كثير اود التحدث به اليك. وكذلك لدي اعتراف خطير.

هند : هل قلت اعتراف؟ ماذا ورائك الآن؟ هيا تحدث، بماذا كذبت عليّ هذه المرة؟

سمير : بالحقيقة اسمي ليس زين العابدين بل هو سمير عبد الواحد.

هند : لا تزعل مني يا سمير لكنني لم أكن معجبة باسم زين العابدين. اسمك الحقيقي أجمل ويعجبني اكثر.

سمير : الست غاضبة مني إذاً ؟

هند : لا بالعكس. انا سعيدة باسم سمير. اما انا فاسمي هند، اي انني لم اكذب عليك باسمي. اصبحنا الآن سمير وهند.

سمير : هل تقصدين... هل انك...؟

هند : ماذا؟ انا فقط اجرب ما سيقوله عنا الناس. الصديقان (سمير وهند) لا غير.

سمير : حسناً انا فقط اعتقدت انك. لا، لا شيئ بتاتاً.

هند : والآن اخبرني، هل لديك عشيقة؟ فانا صديقتك ومن حقي ان اعرف عنك كل شيء كما هو الحال مع اياد.

سمير : لا ليس لدي اي عشيقة.

هند : اسمع مني سمورة، الآن يجب ان اعود الى بيتي والا فإن مجلس التحقيق سينعقد في دارنا. هل تريد لي ذلك؟

سمير : لا ابداً. انا اريد مصلحتك. لكنني يجب ان اعترف لك بشيئ اتمنى ان تسمحي لي بذلك.

هند : تفضل قل ما عندك. فاليوم هو يوم الاعترافات الخطيرة. تفضل فاجئني.

سمير : انا ساشتاق اليك كثيراً هنودة.

هند : شكراً لك على اشتياقك يا صديقي. مع السلامة.

امسك بيدها ليصافحها وهو يكاد لا يصدق ان يده تلامس يدها للمرة الاولى فشعر بملمسها الناعم وكأنه يلامس اوراق ورد الداوودي. انها حقيقية لا مفر منها فهي جميلة وكما تقول الاغنية (سكر محلي محطوط على كريما). {اجل انا مغرم بها لكنني لا اريد ان افصح عما يدور بداخلي لانني اتجنب خسارتها بسبب اندفاعي وتهوري. ساكتفي بـ}،

سمير : الى اللقاء هنّودة.

استدارت وصارت تسير بغنج وبطئ شديد متجهة نحو بوابة المنتزه. وقف ينظر اليها وهي تغيب عنه رويداً رويداً. كان يأمل ان تقف وتستدير ثم تقول له، "اشتقت اليك ولا اريد فراقك". فتركض نحوه وتعانقه. لكنها لم تفعل ذلك. بقي واقفاً لاكثر من ربع ساعة مشدوهاً يفكر بذلك اللقاء الساحر الذي جمع بين قلبه وعقله وكيانه مع تلك الفتاة... فتـــــــــاة؟ {لا انها ليست فتاة انها ملاك انها ملكة جمال العراق بل ملكة جمال العالم. انا وقعت بحبها يا ناس. ساخبر اياد عنها لانه زميلي وصديقي واخي. سيفرح لفرحي لانه يحبني حباً جماً. ما اشعر به الآن هو غرام المراهقة بل انه حبي الاول والأخير انه الحب الحقيقي الذي قلما يتذوقه انسان خلال مسيرة حياته. اريد ان اضحك اريد ان ابكي اريد ان اصرخ اريد ان احلق بالسماء كالنوارز. قلبي تحرر من قفصه وحلق عالياً بالسماء}. وبعد قليل عندما هفتت نشوة العشق التي اجتاحت قلبه وعصفت بكيانه في المنتزه رجع الى الشارع ولوح لسيارة اجرة كي ترجعه الى منزله. جلس في السيارة وعاد الى عالم الواقع المرير وهو ينظر من خلال الشباك الى المركبات والمارة والازدحام الكبير.

وفي الايام التي تلت ذلك اللقاء كانت اتصالات هند وسمير تزداد اعدادها ويزداد امدها شيئاً فشيئاً حتى صار لزاماً عليه ربط جهاز الشحن بالهاتف اثناء المكالمات التي كانت تدوم فترات طويلة. اصبح لا يراه احد من افراد عائلته الا ما ندر. صار لا يكلم احداً في المدرسة ما عدى اياد. حديثه معه كان ينصب على هند وجمال هند ورقة هند وثقافة هند واحاديث هند الشيقة وقصص هند التي لا تنتهي. بدأ صديقه اياد يشعر ان صاحبه سمير سوف ينجرف الى الهاوية. لكنها هاوية جميلة تبعث بقلب صاحبه الفرح والسعادة لانه يحب فتاته الجميلة ويتمنى لو انه يحصل على فتاة مثلها كي تقوم بانتشاله من الفراغ العاطفي الذي يعاني منه.

ظلت هذه الحالة لفترة من الزمان حتى التقى الحبيبان باحدى المرات في منتزه الزوراء بالقرب من النخلة الصغيرة الخالدة فقالت له بدلال،

هند : عزيزي سمورتي، الم يحن الوقت ان نرتبط بشكل رسمي بدلاً من لقائاتنا السرية التي تصيبني بالخوف الشديد؟ الخوف من ان يرانا احد ليبلغ اهلي بذلك فيصبح اقتراننا امراً مستحيلاً. انا يا سمورتي لا اريد خسارتك لانني بدأت اشعر بـ...

سمير : ها... قوليها، بماذا تشعرين؟

هند : ارجوك لا تحرجني فانا استحي منك.

سمير : وهل تستحين من شخص ستصبحين زوجته؟ هل يعقل ذلك؟ اسمعي مني يا هنودة، انا احبك حباً جماً ولا استطيع ان اتخيل حياتي من دونك. انت تربعت على عرش قلبي لافكر فيك ليل نهار. اريدك ان تكوني لي واكون لك. اريد ان اسمعها منك يا عمري. هيا قوليها.

نظرت اليه هند بخجل ثم نظرت الى الارض وقالت بصوت خافت،

هند : انت تعلم انني احبك. وحبك قد اصابني بارتباك كبير. فكلما خطرتَ على بالي وانا بعيدة عنك ابتسم واتذكر كلماتك الرومانسية الجميلة فاتخيل نفسي جالسة انتظر عودتك للدار. فيسألني اولادنا، اين ابي؟ لاقول لهم بانك في الطريق. دعونا نعدّ له اطيب الاطعمة كي يستمتع بها بعد نهاية يوم طويل. افكر بك حين نخلد للنوم وكيف ستقبلني وتنام جنبي و...

سمير : وماذا بعد؟ قوليها لا تخجلي... وماذا بعد؟

هند : ارجوك لا تحرجني اكثر فانا لا استطيع ان اقولها.

سمير : قوليها ارجوك فانا زوجك الآن. اقصد ساصبح زوجك.

هند : عندما تصبح زوجي ساقولها لك كل يوم وكل لحظة. ستنجلي كل الحواجز بيننا وسنصبح جسدين بروح واحدة. انت لا تعي كم هو مقدار الحب الذي اكنه لك بقلبي. انت ستعوضني عن ابي وامي واخي وجميع اقاربي.

سمير : اسمعي مني هنودتي. بعد ان قلتِ ما قلتِ الآن. لم يعد هناك مجال للتأخير. اريد ان ارسل اهلي كي يطلبون يدك من العائلة.

هند : هل يعقل ذلك؟ هل ستتحقق احلامي؟ فانا احبك اكثر مما تتصور يا سمورتي. اريد ان انجب منك 3 اطفال لا بل 5. لانني احبك ولا اتخيل حياتي من دونك.

سمير : إذاً دعينا نتحدث بموضوعية اكبر. انا اطلب منكِ ان تفاتحي عائلتك بالموضوع اليوم وعندما تلتمسين تقبلهم لارتباطنا، بعدها تخبريني بقرارهم وسوف ابعث اليك بامي لتطلبك على الفور.

هند : وهو كذلك. ساتحدث الى امي اليوم وسارد لك الخبر بالمساء حبيبي. ساتصل بك تمام الساعة التاسعة.

سمير : ارجوك لا تذهبي الآن فانا لم اشبع من صحبتك. ابقي معي قليلاً ثم عودي الى بيتك بعدها.

هند : كما تحب حبيبي. انا اعتبر نفسي زوجتك وملك لك من الآن. فانت كل شيء عندي ولن احب رجلاً غيرك ابداً.

سمير : وانا كذلك يا روحي.

بقي العشيقان يتجولان غير مبالين برواد المنتزه الذين صاروا يرمقونهم بنظرات مريبة لانهم شبكوا اصابعهم ببعضها البعض والعشق كان جلياً. فجأة قابلتهم من بعيد فتاة شابة جميلة نظرت اليهم ثم قالت باستغراب،

الفتاة : هند؟ يا الهي، أهذا انت؟ لا اصدق. ماذا تفعلين هنا؟

نظرت هند اليها والارتباك بادياً عليها إذ قالت،

هند : عنود؟ يا لها من صدفة جميلة. لماذا انت هنا؟

عنود : لم ارك منذ ان التقينا اول امس بسبب البيت فانا لا ازال انتظر العقد الذي...

قاطعتها هند وقالت،

هند : لا عليك حبيبتي. سامرؤ عليك غداً صباحاً وسنتحدث بذلك الخصوص.

عنود : لكنني اردت ان اعرف لماذا...

قاطعتها هند للمرة الثانية وقالت،

هند : قلت لك سامرؤ عليك غداً يا عنود وسنتحدث باسهاب لا تكثري الكلام. انا الآن بصحبة حبيبي سمير وليس لدي وقت للحديث عن ذلك الامر.

نظرت عنود الى سمير وقالت،

عنود : تشرفنا بك اخ سمير.

سمير : الشرف لي اخت عنود.

عنود : لا اريد مقاطعة لقائكم وخلوتكم. دعني ارحل الآن إذاً.

ودعتهما عنود وابتعدت لتمشي بممرات المنتزه. فسألها،

سمير : من تكون هذه الفتاة؟

هند : انها ابنة عمي عنود. لا عليك انها تتحدث كثيراً ونحن في غنى عن ثرثرتها.

سمير : ذكرت ابنة عمك مشكلة العقد او شيء من هذا القبيل. ما هي قصة البيت؟

هند : طيب، دعني احدثك عنها إذاً. ابنة عمي عنود مولودة بابوظبي وهي تسكن في دولة الامارات بشكل دائم مع عائلتها. جائوا الى العراق قبل بضعة ايام وارادوا إستئجار بيتٍ مؤقت ليقيموا فيه ببغداد لبضعة أشهر اثناء اجازتهم السنوية. ساعدتها بالعثور على بيت لكن عائلتها لم تعجب بالبيت لذا وعدتهم ان اسأل جارنا الحاج حسين لانه سمسار عقارات فوعدني ببيت آخر مؤثث يلائمهم اكثر. اترك هند ومشاكلها ودعنا نتذوق طعم اللحظات الحلوة بصحبة بعضنا البعض.

مشى الحبيبان بالمنتزه لفترة طويلة. ولما بدأ الظلام يحل رويداً رويداً. نظرت اليه حبيبته وقالت،

هند : دعني ارحل الآن حبيبي لقد تأخر الوقت كثيراً.

سمير : اذهبي يا عمري. سانتظر منك المكالمة المفصلية المنتظرة لتخبريني عن قرار امك.

هند : ستكون اول من يعلم بقرارها يا عمري.

سمير : اسمعي مني. بما اننا اصبحنا بمفردنا الآن وليس حولنا احد اريد ان افعل شيئاً تقت لفعله منذ امد بعيد.

هند : ما هو هذا الشيء، اخبرني؟

سمير : اريد ان اقبلك.

هند : انا كذلك. ولكن ليس الآن ارجوك. انتظر الى ما بعد الخطوبة حبيبي سمير. سامحني لانني فتاة من الطراز الكلاسيكي القديم (دئه اديمه) يعني.

سمير : حسناً يا عمري كما تشائين. سوف لن اضغط عليك ابداً. استودعك الله. لا تنسي الاتصال بي هذا المساء.

هند : وهل يعقل ذلك؟ انها مسألة مهمة جداً سترسم خطة حياتنا الى الابد. ساهاتفك اليوم مساءاً. انتظر مني مكالمة حبيبي.

استدارت هند ومشت بعيداً بينما بقي العاشق الولهان ينظر اليها وهي تبتعد عنه وقبل ان تختفي تماماً ادارت رأسها اليه وبعثت له بقبلة هوائية اصابته بالشلل الكامل ثم رسمت ابتسامة عريضة على وجهها ليسترد وعيه بعدها ويعود الى بيته خائباً منكسراً من شدة الشوقه اليها. وفي الطريق وبينما كان جالساً بسيارة الاجرة وردته مكالمة هاتفيه من صديقه اياد يقول،

اياد : سمير احمد لله اني تمكنت من الوصول اليك. لقد اتصلت بك اكثر من 20 مرة ولم تجب على اتصالاتي. اين كنت؟ هل انت بخير؟

سمير : لا تقلق عزيزي، انا وضعت هاتفي بالوضع الصامت لانني كنت في الجنة. لقد كنت مع حبيبتي وشريكة عمري هنودة في الزوراء. انا الآن راجع لبيتي. تعال الى عندي وساحكي لك كل شيء.

اياد : هذا ما كنت اتمناه لانني في ورطة كبيرة.

سمير : ورطة؟ يا ساتر يا ربي، ما المشكلة هل العم حنا بخير؟ هل الخالة سعاد بخير؟

اياد : الجميع بخير لا تقلق، لكن حاسوبي توقف عن العمل تماماً ولم يعد يظهر شيئ على الشاشة.

سمير : سافحصه لك فور وصولك بيتي. ولكن اغلب الظن انك قمت بالضغط على احدى الازرار عن طريق الخطأ فقمت باتلاف بعض البيانات الرئيسية. تعال ودعني اصلحه لك.

اياد : حسناً انا في الطريق. هل تريدني ان اجلب معي شيئاً؟

سمير : كلا، فقط تعال لانني اريد الحديث معك لاخبرك بما وقع لي للتو مع هند.

اياد : حسناً سنتحدث سمورة. وداعاً.

اغلق سمير الخط مع صديقه وبقي جالساً في السيارة حتى استدارت ودخلت شارعهم فرأى من بعيد صاحبه اياد حاملاً حاسوبه المتنقل ينتظره على الباب. خرج من السيارة ورحب بصاحبه ليدخلا البيت سوية فقابلتهما امه قالت،

ام سمير : اين كنت يا سمير؟ لقد قلقت عليك كثيراً. فانت لم تتعود البقاء حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل خارج البيت.

سمير : لا تقلقي يا امي. كنت مع اياد نراجع دروسنا وقد رجعنا للتو من بيته.

ام سمير : هل اعد لكم بعض الطعام؟

اياد : ليتك تفعلين ذلك يا خالة ام سمير فانا جائع جداً.

ام سمير : ساناديكما وقتما يجهز الطعام.

صعد الصديقان الى الطابق العلوي ودخلا الغرفة ليجلس سمير امام منضدته. التفت الى اياد، مد يده اليسرى وقال،

سمير : هات حاسوبك.

اعطاه الحاسوب وهو يقول،

اياد : اقسم لك سمورة لم اقم باي شيء. فقط ضغطت على زر التشغيل لكنني جوبهت بسواد الشاشة.

ضغط سمير على زر التشغيل وقام بفحص المشكلة بشكل معمق. ثم قال،

سمير : كما توقعت. بعض الملفات قد محيت عن طريق الصدفة. سارجعها من النُسَخْ الاحتياطية في تاريخ قديم.

وبعد ربع ساعة ارجع كل شيء الى نصابه لتعود الحاسبة تعمل بشكل طبيعي قال،

سمير : اصبح الحاسوب يعمل كما يجب، تفضل.

اياد : شكراً لك حبيبي سمير، لا اعلم ماذا اعمل من دونك! يا ترى ماذا كانت المشكلة؟

سمير : لو شرحتها لك فسوف لن تفهمها. المهم انها عادت تعمل كما يجب.

اياد : والآن حدثني بما اردت ان تخبرني بالتفصيل الممل؟

سمير : ماذا اقول لك يا صديقي، لقد ذهبت الى الجنة اليوم وعدت منها.

اياد : اريد القصة من الفها الى يائها. لا تدع حدثاً الا سردته. احكي القصة بالتفصيل فانا استمع اليك بكل شوق.

سمير : حسناً ساخبرك. أنت تعلم انني ذهبت اليوم لملاقات هند في الزوراء اليس كذلك؟

اياد : اجل بالقرب من النخلة الصغيرة.

سمير : هذا صحيح. ذهبت هناك قبل الموعد بقليل وبقيت انتظر وانتظر حتى تأخرت كثيراً وكدت اعود الى دارنا لكنها وصلت وبدأنا نتباحث عن الخطوبة والزواج.

صار سمير يخبر صاحبه بما جرى بالتفصيل من اللحظة التي تحدثا بها بشكل عاطفي وحتى النهاية. كان اياد يستمع اليه بتركيز وشوق كبير ثم سأله،

اياد : وهل قبلتها؟

سمير : كلا لم تقبّلني، قالت انها فتاة تقليدية (دئه اديمه). آخخخخخخ يا صاحبي. قبل قليل كنت مع ملاك الرحمة والآن انا مع الشيطان الرجيم.

ضحك الاثنان وقال،

اياد : اكمل حديثك. ماذا وقع بعد ذلك؟

سمير : قالت انها ستتحدث الى امها لتخبرها عن علاقتنا ولتهيئها لزيارة اهلي كي يخطبوها.

اياد : يا سلام. قصتكم لم ترد حتى في اساطير العشق والهيام. لا لقيس وليلى، ولا عنتر وعبلة ولا حتى روميو وجولييت. انا احسدك كثيراً يا صديقي. اتمنى ان اكون مثلك.

سمير : لا تقلق ايودي، انا وعدتك بانني ساعلمك كيف تبحث عن الفتيات وكيف تستطيع اصطيادهن كما تصطاد الغزلان.

اياد : انا جداً شاكر لافضالك. انت حقاً صديقي الصدوق سمورة. والآن اخبرني، كيف ستفاتح الوالدة ام سمير بكل ذلك؟

سمير : يجب ان استعمل استراتيجية صحيحة. لان اختيار الوقت المناسب هو فن بحد ذاته. فالوالدة مهتمة جداً بنجاحي بالامتحانات القادمة، لذلك ساقوم بترتيب اوراقي حتى اتمكن من طرح موضوع الخطبة بالوقت المناسب.

اياد : انت حقاً ذكي وتدرس كل الامور بوقتها. والآن قل لي، ماذا سيجري بينكما؟

سمير : وعدتني هند انها ستتصل بي هذا المساء لنقوم برسم خططنا المستقبلية بشكل منسق كي لا نترك الأمر للمفاجئات حتى تباغتنا بسلبيات لم تكن بالحسبان. وستخبرني بقرار امها عن الخطوبة.

اياد : إذاً ساتركك الآن كي تستعد للقائك الهاتفي مع هند.

سمير : وماذا عن الطعام؟ لقد اعدت امي الشطائر كعادتها.

اياد : ساخذها معي واخبرها بان الوقت متاخر. لا تنسى ان امك تحبني وسوف لن تغضب مني.

سمير : كما تريد ايودي.

حمل اياد حاسوبه وخرج من غرفة سمير لينزل به الى الطابق السفلي فوجد ام سمير قد اعدت لهما الشطائر. اخذ اثنان منها وقدم لها اعتذاراً ثم خرج ليركب دراجته ويعود بها الى بيته. بينما غير سمير ملابسه وجلس بغرفته استعداداً للقائه المرتقب مع هند امام شاشة الهاتف. كان من المفترض ان تتصل به مع الساعة التاسعة تماماً. بقي ينظر الى ساعته وهي تسير ببطئ شديد ينتظر الدقائق تمر، لكنها بتلك الاحوال لا تجري كما يرغب المرئ فتعمل ببطئ شديد قاتل. أخيراً وعندما وقف ميل الدقائق على الثانية عشر تماماً ليصبح الوقت التاسعة بالضبط. نظر الى هاتفه وربطه بالشاحن استعداداً للقاء مرتقب مع روحه وحبيبة عمره وامله بالحياة. لكن الهاتف لم يرن. {ما هذا التقاعس؟ لماذا لم ترن؟ ستتصل بالتأكيد انا متأكد من ذلك فالشغف الذي ابدته عندما كنا سوية في الزوراء يؤكد لي انها سوف تعمل المستحيل كي نلتقي فتخبرني عن رد امها بخصوص ارتباطنا}. هنا بدأ يجد لها الاعذار فيقول {احتمال انها لا تزال تحاول اقناع والدتها بعلاقتنا. او تكون قد وقعت بمشاكل مع اخوها اوس ذلك الوغد الصغير. فربما كان يشاغب معها ويزعجها فمنعها من ان تختلي بنفسها في غرفتها حتى تكلمني، او ربما كان لدى العائلة ضيوف ثقلاء اطالوا الجلوس لديهم. ومع ذلك كان الاجدر بها ان تبعث لي ولو برسالة نصية مقتضبة تخبرني فيها انها ستتأخر. على العموم، سانتظر بعض الوقت كي اقطع الشك باليقين}. ظل المسكين ينتظر ساعات طوال وظل الوضع على ما هو عليه حتى الثانية عشر ليلاً. قطع الامل وقتها وعلم ان هند سوف لن تتصل لسبب ما. فكر ملياً ثم قال {لا شك انها ستتصل في الغد، فهي متيمة مثلي تماماً، ولا تصبر يوماً واحداً دون ان تكلمني. سوف لن احاول الاتصال بها لعلني احرجها}. دخل سريره والافكار السلبية تتكثف برأسه كالغيوم السوداء المحملة بامطار حامضية. بعدها خلد لنوم قلق مليء بالكوابيس. استيقظ في اليوم التالي ونظر الى هاتفه عسى ان يجد منها رسالة واردة او اشارة تخبره فيها بانها استجابت لما اتفقا عليه بالامس. لكن امنياته كلها كانت فارغة وبائت بالفشل، إذ كان هاتفه صامتاً متجهماً لا يشير الى اي شيء. اصابه الجنون فانتصب من سريره وراح يرتدي ملابسه بغضب شديد، اخذ حقيبته ونزل للطابق السفلي، حيا امه بتحية باردة بلا طعم او لون او رائحة وخرج من البيت تاركاً ورائه الباب مفتوحاً كعادته دون ان يستمع الى السيل الكبير من الاسئلة من والدته. وفي المدرسة التقى باياد حين سأله،

اياد : ماذا قالت لك هند ليلة امس؟ هل وافقت امها على الخطوبة؟

سمير : هند لم تتصل. انتظرتها طوال الليل ولم تتصل. لا اعلم السبب لكن الامر اصابني بالجنون. فانا قلق عليها كثيراً.

اياد : كيف حصل ذلك؟ الم تطلب منها ان تخبرك بالتفصيل عن قرار والدتها؟

سمير : اجل يا اياد اجل لكنها لم تفعل. بقيت انظر الى هاتفي واتوسل اليه كي يصدر رنيناً لكنه لم يفعل.

اياد : اسمع مني يا صديقي. احياناً تتمنع الفتيات بهذه الطريقة كي يحفزن الفتيان على المزيد من الحب والاهتمام.

سمير : حبيبي ايودي، لقد تخطينا هذه المرحلة. فنحن نحب بعضنا البعض وقد صرحنا بذلك لبعضنا وتحركنا قدماً نحو مرحلة الزواج. لم يبقى امامنا سوى الحصول على موافقة اهلها كي نذهب جميعاً لطلب يدها.

اياد : إذاً تريث قليلاً وسوف تتصل بك اليوم لا محال. ربما لان شيئاً ما قد وقع لها. كن صبوراً عزيزي. فحب بهذا الحجم وهذه العظمة لا يمكن ان يخبو ويموت بسرعة الضوء.

سمير : كلامك منطقي ولكن...

اياد : ولكن دعني اسألك سؤالاً واحداً، هل قمت باهدائها اي هدية منذ ان تعارفتوا؟

سمير : هدية؟ لا لم اهدها اي شيء. لماذا تسأل؟

اياد : الفتيات يحببن الهدايا فهي توطد العلاقات بين الطرفين لأن مفتاح قلب المرأة هي الهدية ومن خلال ذلك تستطيع الفتاة ان تقيم مدى كرم او بخل الحبيب كي يكون مؤهلاً ليصبح زوج المستقبل. لذا انصحك ان تهديها هدية حتى لو كانت وردة واحدة او باقة ورد او حتى حلقة مفاتيح فيها دب صغير او لوحة معدنية مكتوب عليها (احبك). هذه الامور بقدر بخس ثمنها لكنها تساوي الكثير لدى الفتيات.

سمير : ربما انت على حق ولكن الاتصال بيننا قد انقطع تماماً فكيف تريدني ان اهديها شيئاً؟

فجأة سمعا صوت الجرس ليدخلا الى الصف ويبدأ درس الرياضيات. وفي نهاية ذلك اليوم خرج الصديقان فقال اياد لصاحبه،

اياد : كن متفائلاً يا صاحبي ولا تيأس. ستتصل بك هند اليوم انا متأكد من ذلك. فهي تعتبر نفسها محظوظة لان احداً مثلك احبها.

سمير : ارجو ذلك عزيزي. ليتني كنت اكمن نفس ثقتك.

توادع الصديقان وذهب كلٌ الى منزله. وفي المساء جلس سمير بغرفته ينتظر بصبر كبير وينظر الى هاتفه وكأنه يتوسل اليه كي يصدر صوتاً لكن الهاتف لم يستجب لامنياته. وفي لحظة من لحظات الغضب والشك فتح هاتفه ليتأكد من ان نظام الصوت لازال يعمل لديه فتبين ان كل شيء كان على ما يرام لكن هند لم تتصل، لم تتصل، لم تتصل {ما هذا يا هند؟ بحق جاه النبي، اتصلي فانا مشتاق لسماع صوتك الجميل وكلماتك الجميلة وضحكاتك العسلية ووجهك الذي يبعث السعادة في قلبي}. لكنها بقت في حالة صمت مطبق قاتل تاركة الشاب المسكين جسداً بلا روح من شدة الهُيام. وباليوم التالي تكرر الشيء نفسه فلم تتصل هند {أيعقل ان تكون قد ماتت؟ يا ساتر يا ربي، لا، لا، لايمكن ذلك فهي شابة بكامل صحتها وهي حذرة جداً من ان تقع بحادث سير اثناء عبور الشوارع او ما شابه. اترك عنك تلك الافكار السوداوية يا سمير فانها ستتصل ولكن بالوقت الملائم. سانتظر وارى}. بقي سمير على هذا الحالة ستة ايام بلياليها دون اتصال مع حبيبته وكلما اتصل يأتيه الرد [الهاتف مغلق او خارج نطاق التغطية] حتى في اليوم السابع رن هاتفه فسحبه بسرعة وتفحص الشاشة ليجد على الشاشة عبارة [عملية احتيال مشتبه بها]. بقي متردداً في الاستجابة اليه وحاور نفسه حين قال {هل ارد على المكالمة ام ارفضها؟}. بقي الهاتف يرن عدة مرات لكنه فضل ان لا يرد. لقد تذكر الاساليب التي كان يمارسها بنفسه عندما كان يريد سرقة رصيد شخص ما من حساب هاتفه. بقي الهاتف يرن طويلاً حتى بالنهاية توقف عن الرنين فهنأ نفسه على ذكائه المفرط في التعامل مع المحتالين. وبعد دقيقتين تقريباً عاد الهاتف بالرنين هنا ففكر وقال {ربما كانت تلك هند تحاول الاتصال بي من هاتف آخر غير هاتفها، اجل هذا هو التفسير الوحيد لعدم اتصالها بي كل تلك الفترة الفارطة. بالتأكيد سُرِقَ هاتفها فاضظرت أن تتصل بي من رقم غير مقيد عندي. سارد على المكالمة هذه المرة}. ضغط على الزر الاخضر ووضع الهاتف على اذنه قال، "الو". فسمع صوتها الملائكي يقول،

هند : سمورتي حبيبي هذا انا. احدثك من هاتف عنود.

سمير : يا الهي، لقد اصبتيني بالجنون. لماذا لم تحاولي الاتصال بي قبل ذلك؟ فقد كنت اموت باليوم الف مرة وانا انتظركِ تتصلين بي كما اتفقنا. ماذا حصل؟

هند : بتلك الليلة التي وعدتك الاتصال بها، قام اخي الصغير اوس باخذ هاتفي ورماه من الطابق العلوي فتهشم واصبح مئة قطعة.

سمير : لماذا لم تحاولي الاتصال من هاتف آخر كي تطمئنيني عليك؟ اسبوع كامل يا هند؟ ايعقل هذا؟

هند : اسمع يا سمير، قبل ان اتمكن من مفاتحة امي بموضوعنا،

سمعنا صرخة مدوية من غرفة والدي، وما ان دخلنا عليه وجدناه ينازع ويحتضر حتى سلم الروح لخالقها. اجل توفى ابي بعد عطل هاتفي مباشرةً. فتحول بيتنا الى جحيم لا يطاق. والناس صاروا يأتونا من كل حدب وصوب. فأقمنا له عزاء هنا في بيتنا وكانت الامور في غاية التوتر. لم يكن الوقت ملائماً كي احدثك بالامر. ولم يكن لدي هاتف اتصل بك من خلاله.

سمير : البقاء لله يا روحي. يؤسفني ان اسمع خبر وفاة السيد الوالد.

هند : كان ذلك للافضل حبيبي لانه عانى طويلاً من الامراض وبقي يتألم بصمت ولا يخبر احد بآلامه. لذلك ارتاح الآن ورحل، رحمة الله عليه.

سمير : وكيف تمكنت من الاتصال بي الآن إذاً؟

هند : انتظرت حتى جائت ابنة عمي عنود مع امها لتقدم التعازي هنا ببيتنا. انت تتذكر عنود اليس كذلك؟

سمير : لا اظن ذلك. انا لا اتذكر عنود، من تكون؟

هند : انها الفتاة التي قابلاناها في الزوراء عن طريق الصدفة.

سمير : اجل، اجل، انها الفتاة التي جائت من الامارات في اجازة مع ذويها الى بغداد.

هند : هذا صحيح، جائت الى بيتنا اليوم وبقيت امها الى جوار امي لتواسيها فدخلت انا وعنود غرفتي واغلقنا علينا الباب لاتمكن من استعارة هاتفها فاكلمك من خلاله. لكنني يجب ان اعيد لها الهاتف الآن. وداعاً.

سمير : هند انتظري هند ارجوكِ انتظري.

هند : ماذا تريد حبيبي؟

سمير : متى ستشترين هاتفاً جديداً؟ يجب ان اكلمك كل يوم لاطئن عليكِ.

هند : ليس الآن حبيبي فامكانياتي المادية محدودة. ربما ساقتني واحداً بعد امتحانات البكالوريا.

سمير : ثـــــــــلاث شهور؟ أيعقل هذا؟ لا، لا مستحيل.

هند : وهل تريدني ان اسرق المال من امي كي اشتري لنفسي هاتفاً؟

سمير : اسمعي مني يا عمري، هل بامكانك الخروج من البيت؟

هند : اجل لان بيتنا يعج بالمعزين من كل حدب وصوب. البعض يدخل والبعض يخرج. ولكن لماذ تسأل؟

سمير : اريدكِ ان تذهبي الى منتزه الزوراء وسالتقيك هناك خلال ساعتين في مكاننا المعهود.

هند : انتظرك الى جانب النخلة اليس كذلك؟

سمير : اجل يا عمري. ساشتري لك هاتفاً واعطيك اياه.

هند : حسناً بامكانه ان يكون هاتفاً رخيص الثمن مثل (اوݒو) او ما شابه او حتى جهاز مستعمل، فقط كي نتمكن من التواصل فيما بيننا فانا اكاد اصاب بالجنون دون ان اسمع صوتك يا حبيبي.

سمير : حسناً. ساذهب الآن لاجلب لك ارخص الهواتف بالسوق والتقيك بعد ساعتين اي الخامسة عصراً.

هند : حسناً حبيبي الخامسة عصراً. ساكون بانتظارك بكل شوق.

ركض سمير الى خزانة ملابسه وسحب صندوقاً كارتونياً ازرق اللون من اسفل الخزانة مدفوناً تحت الملابس كان يضع فيه مدخراته من عمليات القرصنة واخرج منه 500 الف دينار. وقف وفكر ملياً وتحاور مع نفسه {قال لي صاحبي اياد ان الفتيات يحبون الهدايا لانها توطد العلاقة بين الطرفين ولأنها مفتاح قلب النساء. لذلك ساشتري لها اغلى ما موجود في السوق لأعبر لها عن مكانتها في قلبي. ساخذ ما يقرب من 4 ملايين دينار واتجه بها لشارع الربيعي}. خرج من البيت مسرعاً وتوجه الى محل كتب عليه (محلات خليل ابراهيم للهواتف الذكية) قال للبائع،

سمير : السلام عليكم، اريد منك آخر موديلات آي فون لو سمحت.

خليل ابراهيم : نحن وكلاء سامسونغ فقط. ولكن لدينا آي فون واحد مستعمل موديل ايفون 10.

سمير : لا آي فون 10 اصبح قديماً جداً. هل لديك آي فون 17 برو ماكس؟

خليل ابراهيم : كلا، ولكن سامسونغ لديها موديلات حديثة رائعة، دعني اريك ما وردنا مؤخراً.

سمير : لا اريد سامسونغ. انا مصمم على شراء آي فون 17 برو ماكس.

خليل ابراهيم : انا آسف ليس لدينا هذا المويدل لانه حديث جداً. بامكانك ان تجده لدى عين الفهد .

سمير : واين يقع عين الفهد؟

خليل ابراهيم : انه في 14 رمضان.

سمير : اجل، اجل عرفته. ساذهب الى هناك الآن.

خليل ابراهيم : انا متأكد من ان لديهم هذا الموديل لانني رأيته بنفسي معروضاً في زجاج المحل.

سمير : شكراً لك اخي. لقد انقذتني.

هز البائع يده مستهزئاً بجنون الشباب واصرارهم على شراء الماركات ذات الاسماء المشهورة.

خرج سمير من المتجر واشار بيده ليوقف سيارة اجرة وينطلق بها الى 14 رمضان. ولما وصل المتجر رأى الجهاز المطلوب وقد عرض في الزجاج بواجهة المحل. دخل والابتسامة مرسومة على وجهه قال،

سمير : اريد شراء آي فون 17 برو ماكس لو سمحت.

البائع : الجهاز لم يصلنا بعد. بامكانك العودة خلال اسبوع او اسبوعين.

سمير : لكن لديك واحداً في واجهة المحل. اليس كذلك؟

البائع : هذا الجهاز للعرض فقط ولا يمكنني بيعه.

سمير : كم سيكون سعره عندما يصلكم وتبدأون بيعه؟

البائع : سيكون سعره مليونين ومئة الف دينار.

سمير : خذ، هذه ثلاثة ملايين ونصف. اريد ان اشتريه الآن فوراً. اعطني الهاتف المعروض بالڤترينا.

البائع : حسناً ساخرجه من الواجهة. ولكن لا تخبر احداً باتفاقنا.

سمير : بالتأكيد. انا يهمني العنب ولا يهمني الناطور.

استلم سمير الهاتف وشكر الرجل ليخرج من المحل مسرعاً. نظر الى ساعته فوجدها تشير الى الخامسة الا ربعاً. علم انه سوف يصل متأخراً على موعده مع حبيبته. لوح بيده لسيارة اجرة وقال للسائق،

سمير : كم تأخذ للذهاب الى الزوراء؟

السائق : 10 آلاف دينار.

سمير : اسمع مني، سامنحك 30 الفاً. إذا أوصلتني هناك مع الخامسة تماماً.

ابتسم السائق وقال،

السائق : اركب.

انطلقت سيارة الاجرة بسرعة جنونية في شوارع بغداد حتى وصلا منتزه الزوراء مع تمام الخامسة وعشر دقائق. منح سمير السائق 30 الفاً وزادها خمسة آلاف اضافية ثم خرج من السيارة مسرعاً دون ان يغلق الباب ورائه. دخل سمير بوابة الزوراء راكضاً ليرى من بعيد حبيبته واقفة ترتدي فستاناً اسوداً وتقف الى جانب النخلة الصغيرة. ركض اليها فاخذته بالاحضان قال،

سمير : اعذريني على التأخير يا عمري.

هند : لا عليك حبيبي، تأخرك كان فقط 12 دقيقة.

سمير : حبيبتي. لو تعلمين كم عانيت بفترة انقطاع اتصالاتك عني؟ كنت اموت باليوم الف مرة.

هند : وانا كذلك يا عمري.

سمير : اسمعي مني فانا اعرف ان وقتك ضيق جداً ولديكم عزاء في الدار. لقد جئتك بهذا الهاتف تفضلي.

اخذت العلبة من حبيبها وتفحصت اسم الهاتف ثم شهقت وقالت،

هند : ماهذا؟ آي فون 17 برو ماكس؟ مستحيل؟

سمير : اجل يا عمري. فقط كي تعرفين كم انت غالية عندي.

هند : حبي لك لا يقدر بثمن. انا اردت فقط هاتفاً رخيصاً كي نتواصل من خلاله، لا ان تشتري هذه القنبلة بهذا السعر الباهظ. ولكن قل لي، هذا الهاتف حديث جداً ولم يصل للاسواق بالعراق بعد فكيف حصلت عليه؟ وكم دفعت ثمناً له؟

سمير : يجب ان تعرفي ان زوجك المستقبلي لديه اساليب تمكنه من انجاز اصعب المهام. ارجوكِ لا تفكري بالثمن.

هند : انت حقاً رائع. شكراً حبيبي.

لفّت ذراعيها حول عنقه ومنحته قبلة كادت تصيبه بالاغماء من شدة حرارتها. وبعد ان افترقت الشفاه سألها،

سمير : الا زلت محتفظة بشريحة هاتفك القديم؟

هند : اجل. اخذتها من هاتفي المحطم. ساضعها بداخل هذا الجهاز الجديد فور وصولي البيت وساتصل بك الليلة لنتحدث حتى الصباح فانا مشتاقة لاحاديثك والدردشة معك طوال الليل.

سمير : وكيف ستذهبين للجامعة غداً؟

هند : انسيت ان اليوم هو الخميس؟

سمير : يا الهي لقد ضاعت مني الايام. ولم اعد اعرف باي يوم نحن. انت شغلت كل بالي وتفكيري.

هند : يجب ان اعود الآن. امي ستصاب بالجنون لانني اختفيت عنها غفلة. فقد سلمت لي مهمة اعداد القهوة العربية للمعزين.

سمير : طيب حبيبتي، اتصلي بي عندما تتمكنين ارجوكِ.

هند : اكيد سافعل، وداعاً يا عمري وشكراً لك على الهاتف. ساسميه (الخطاف) لانك خطفت به قلبي وعقلي وروحي.

ارسلت له قبلة هوائية ورسمت له قلباً باصابعها ثم رحلت باتجاه البوابة الغربية للمنتزه. اما صاحبنا فسار ببطئ شديد وهو يفكر بتلك القبلة الساخنة وكمية العشق التي تعرض لها قلبه قبل قليل فابتسم وقال {ساتزوجها وساكون لها افضل زوج بالعالم. ساترك من ورائي عمليات القرصنة لانها عمل صبياني ومهين لا يرضي الله لاستقيم الآن واتوب توبة نصوحة وافكر كيف ساصنع لنفسي مستقبلاً زاهراً وحياة شريفة مع شريكة حياتي هنودة الحلوة المصنوعة من النوتيلا}. رجع الى بيته وصار ينتظر اتصال حبيبته هند حتى حل المساء لكنها لم تتصل. وبينما هو يمر بازمة من الترقب والتوتر الشديد، رن هاتفه فنظر الى الشاشة ليرى مكالمة من صديقه اياد فسأله،

اياد : اين انت يا سمير؟ لماذا لم تتصل بي طوال اليوم؟ ماذا حل بك؟

سمير : سوف لن تصدق ما حدث يا اياد. دعني اخبرك بالاحداث،

بدأ سمير يسرد ما دار بذلك اليوم منذ اللحظة التي اتصلت به هند حتى عاد الى بيته ينتظر مكالمتها فعلق اياد قائلاً،

اياد : الآن بدأت تتصرف بشكل صحيح. انا سعيد لانك اهديتها هدية ثمينة يا صاحبي. هذه الهدية ستربط قلبيكما وستجعلها ملك لك الى الابد.

سمير : لقد سمعت نصيحتك وتجرأت على اهدائها افضل هاتف بالسوق.

اياد : وهل اتصلت بك بعد؟

سمير : كلا ليس بعد لكنها ستتصل انا متأكد من ذلك هذه المرة. لذا اريدك ان تقفل الخط معي كي لا تحاول هند الاتصال فتجد الخط مشغولاً.

اياد : وهو كذلك. هاتفني فورما تتحدث اليها.

سمير : سافعل ذلك بالتأكيد وداعاً.

اغلق الخط مع اياد وبقي ينتظر، وينتظر، وينتظر لكنها لم تهاتفه. قرر ان لا يتوتر هذه المرة لانها تمتلك هاتفاً جديداً وحديثاً وسوف تتمكن من زرع الشريحة القديمة فيه ثم يتمكن من سماع صوتها.

وفي اليوم التالي كان الوضع أشبه بسابقاته إذ انها لم تتصل كما حصل باول يوم. بقي يترقب مكالمتها لاكثر من اسبوع كامل ولم يرن هاتفه فاصيب بالاحباط والحزن الشديد حتى اتصل به صديقه اياد قال له،

اياد : بامكانك على الاقل ان تذهب الى بيتها وتتحدث اليها هناك. اليس كذلك؟

سمير : لكنني لا اعلم اين تسكن. لقد طلبت منها اكثر من مرة فقالت بانها ستعطيني العنوان لكنها لم تفعل. انا لا اعلم اين تسكن.

اياد : ما هذا يا روميو زمانك؟ كيف تفوتك تلك المعلومة الصغيرة؟

سمير : لا ادري يا اياد لا ادري انا في حيرة من امري. لا ادري ماذا افعل.

اياد : الا تستطيع تعقب هاتفها عبر الانترنيت؟

سمير : اجل لكن اغلب الظن ان شريحة هاتفها القديمة قد اصيبت بالتلف من اثر السقوط لذلك فانها قد تكون اشترت شريحة جديدة.

اياد : إذاً، ليس لديك شيء سوى الصبر الآن. إصبر وانتظر منها اتصالاً.

سمير : ساصبر وامري الى الله.

اغلق الخط مع اياد وبقي ينتظر بضعة ايام حتى مل من الانتظار وبدأ اليأس يتسرب الى قلبه. وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة اسابيع على آخر لقاء له من هند في منتزه الزوراء. جائت اليه امه وقالت،

ام سمير : حبيبي سمورة، اريد منك خدمة لو سمحت.

سمير : بالتأكيد يا امي، ماذا تريدين؟

ام سمير : خذ هذه القائمة واحضر لي بعض المواد التي نحتاجها من سوق رخيتة.

سمير : لكن رخيتة بعيدة جداً يا امي وانا اشعر بالتعب. لا اقوى على ركوب الحافلات.

ام سمير : خذ سيارة اجرة. سامنحك ثمن التاكسي.

سمير : ارجوك يا امي، ألا يمكنك ان تطلبي من اسماء كي تذهب بدلاً عني؟

ام سمير : اسماء مريضة وطريحة الفراش. هل يجب علي ان اتوسل اليك كي تساعدني؟ هل انا وحدي الذي آكل بهذا البيت؟ لماذا لا يشعر بي احد بهذه العائلة؟ اشعر بالخذلان لانني خلفتك يا عاق.

سمير : طيب، طيب، على رسلك، سافعلها وامري الى الله.

أخذ سمير قصاصة الورق من يد امه وتفحصها جيداً ثم صاح باعلى صوته،

سمير : حيــــــــــل ما هذا يا امي؟ انت تريدين ان اشتري السوق باكمله؟ انظري هنا، لحم 3 كيلو، بيتنجان 2 كيلو، طماطم 4 كيلو، دواء بانادول للصداع، قنينة شراب الرمان، كيلو فلفل اخضر، ربطة معدنوس، كيس ورق عنب. وهناك المزيد، ساحتاج الى تأجير (پيكاپ) لكل تلك السلع الثقيلة. ما هذا؟

ام سمير : لا تبالغ يا ولد. انت ستذهب بالتاكسي وستعود بالتاكسي. هيا حبيبي الطعام للجميع وليس لي وحدي. هل تريد ان ابعث اختك اسماء وهي مريضة؟

سمير : لا، لا، ساذهب بنفسي وامري الى الله. اسماء لم تتمرض الا اليوم!!!

خرج سمير من بيته (مكره اخاكَ لا بطل) ركب سيارة اجرة لتأخذه الى سوق رخيتة. فور وصوله هناك صار يتبضع المواد التي كتبتها له امه بالقائمة وكلما اضاف شيئاً كانت الحقيبة تزداد ثقلاً فيزداد سخطاً وتذمراً. ظل يشتري المواد جميعها كما هو مذكور بالقائمة ولم يبقي منها شيئاً. تفحصها جيداً ليتأكد من انه اكمل المهمة برمتها لكنه تبين ان دواء الصداع لم يشتريه بعد لذلك سأل احد الباعة عن اقرب صيدلية فاخبره بان صيدلية وحيدة تبعد بضعة مئات من الامتار فتأفف صاحبنا وسار بحمله الثقيل حتى بلغ ياي الصيدلية. دخلها فوجد طابوراً من اربعة اشخاص. لذلك وضع الاكياس الثقيلة على الارض وجلس على احدى الكراسي ينتظر حتى يأتي دوره. وبعد قليل مشي الطابور قليلاً وانفتح الباب لتدخل فتاة من سنه فوقفت خلف الطابور. هنا علم انها قد اخذت دوره في الطابور لذلك ترك المشتريات على الكرسي ووقف ليقول لها،

سمير : عفواً اختي فالدور لي انا، لكنني احمل الكثير من المشتريات لذلك جلست على الكرسي لارتاح قليلاً.

نظرت الفتاة بوجهه وقالت،

الفتاة : انا واقفة بشكل اصولي وانت تركت الطابور وجلست. لذلك بامكانك ان تقف ورائي.

سمير : لكن هذا ليس عدلاً يا اختي. انا متعب واحمل الكثير من الـ... الكثير من الـ...

هنا نظر بوجهها بشكل دقيق فعلم ان شكلها مألوف لديه، لكنه لم يتذكر اين ومتى رآها. فسألها،

سمير : يا ترى اين رأيتك مسبقاً؟

الفتاة : لا اعم يا اخي. ارجوك قف خلفي ولا تثير المشاكل والا فسوف اتصل بالشرطة.

سمير : لحظة، لحظة، الست عنود ابنة عم هند التي رأيتها في حديقة الزوراء؟

عنود : ابنة عمها؟ كلا انا لست ابنة عم احد. تلك الحقيرة النصابة هند سرقت منا المال وهربت.

سمير : دعيني اشتري الدواء لامي ثم سنخرج خارجاً فتعطيني كل التفاصيل.

عنود : طيب تفضل قف امامي وساقف انا خلفك بالطابور.

بعد ان استلم الاثنان طلبهما خرجا خارج الصيدلية فاقترح سمير ان يجلسا بداخل مقهى قريب كي يتحدثا بالتفاصيل. وجدا بالجهة الثانية من الشارع مطعماً اسمه (فلة بركر) جلسا بالداخل وطلبا قهوة لتبدأ عنود حديثها،

عنود : القضية وما فيها انني اسكن مع ابي وامي واخواني الثلاثة ببيت صغير مؤجر. كان ذلك البيت يحتوي على غرفتي نوم فقط وبما ان عددنا كان كبيراً لذلك اردنا الانتقال الى بيت اكبر. طلب مني ابي ان اتحدث مع احد السماسرة في حارتنا بالسيدية لكن السماسرة كانوا يطلبون مبالغ خيالية. لذلك قررت ان ابحث بالانترنيت عسى ان اجد بيتاً ارخص مما عرض علينا. وبالصدفة وجدت اعلاناً نشرته هند بموقع خاص. قالت ان لديها الكثير من الشقق والبيوت الجاهزة للايجار باسعار متهاونة. تصفحت الموقع فاعجبت بالاسعار وبتصاميم الفلل. فتشت عن رقم هاتفها بالموقع، ولما وجدته قمت بالاتصال بها لاتعرف عليها وطلبت منها ان تعطيني عنوان مكتبها لكنها قالت بانها ستأتي الى عندي وستعرض عليّ المنزل بنفسها. فرحت كثيراً لانها ستقدم لي تلك الخدمة فانتظرتها حتى جائت واخذتني بسيارة اجرة الى احدى المنازل الخالية. وعندما علمت ان ذلك المنزل يحتوي على خمسة غرف. فرحت كثيراً وسألتها عن الايجار قالت بانه 500000 دينار بالشهر. لكنهم يريدون شهراً مقدماً وشهرين تأمينات. اي انها طلبت مني مليون ونصف دينار نقداً. لذلك اخبرتها بانني سابلغ الوالد وسوف نقرر عن الصفقة. وعندما رجعت الى البيت واخبرت والدي بذلك السعر، فرح فرحاً شديداً واحضر لي المال قال، "اعطها المبلغ باسرع وقت لان هذا السعر بخس جداً ولن نجد ارخص من ذلك ابداً". وفعلاً باليوم التالي اتصلت بها واخبرتها بقرار الوالد. بعدها التقينا بالمقاهي في السيدية واعطيتها المبلغ بعد ان اخبرتني بانها ستقوم بطبع العقد لمدة سنتين ليوقعه المالك وستمنحه لي مع المفاتيح باليوم التالي. وفي اليوم التالي التقيت بك انت وهند بالصدفة في منتزه الزوراء عندما كنتما واقفان سوية. وقتها طلبت منها توضيح بخصوص العقد لاننا منحناها المبلغ لكننا لم نستلم منها لا العقد ولا المفاتيح كي نباشر بالانتقال الى البيت. الا انها اخبرتني بانها في لقاء معك وانها ستأتي الى عندي باليوم التالي.

سمير : وطبعاً باليوم التالي لم تأتيك وبقيتِ تنتظرين حتى علمتِ يقيناً بانها محتالة وانها قد ابتلعت المبلغ لنفسها.

عنود : هذا صحيح. وانت سيد سمير، ماذا تعلم عنها؟

سمير : اخبرتني هند بانك ابنة عمها وانك جئت مع عائلتك الى بغداد كي تقضون اجازتكم السنوية من الامارات فتمكثون بضعة أشهر في بغداد.

عنود : هذا كذب وتأليف طبعاً.

سمير : وقالت كذلك انكِ ولدت في الامارات لذلك اسموك عنود لانه اسم خليجي شائع هناك.

عنود : بل الحقيقة ان والدي كان يعمل بالكويت قبل احتلال الكويت وعندما دخل صدام اليها اخذ والدي عائلته وعاد بها الى بغداد لنسكن بالسيدية وانا ولدت هناك بالسيدية. والآن حدثني يا سيد سمير ماذا فعلت معك تلك المحتالة؟

سمير : اوهمتني هند بانها تحبني وانا طبعاً بكل غباء صدقتها وانجرفت بعواطفي نحوها وتخيلت نفسي احبها حباً اسطورياً. وفي يوم من الايام انقطع تواصلنا تماماً. لتخبرني بان والدها قد توفى وانها فقدت هاتفها لانه انكسر. لذلك اقترحت عليها ان اشتري لها هاتفاً جديداً بدلاً عنه كي نتواصل بيننا. وعندما اخبرتها ذلك قالت انها تريد ارخص الهواتف لانها لا تريدني ان ابذر مالي. لكنني وبكل غباء فعلت العكس تماماً.

عنود : طبعاً اشتريت لها اغلى هاتف بالسوق. اليس كذلك؟

سمير : اجل مع شديد الاسف هذا ما حصل. اشتريت ايفون 17 الجديد.

عنود : وكم كان حجم الضرر؟

سمير : حوالي 3 مليون دينار.

عنود : يا لكِ من ساقطة يا هند. انه اكبر من المبلغ الذي احتالت به علينا.

سمير : لكن يا اختي عنود، كان يجب ان تعرفي ان ايجاراً بقدر نصف مليون هو مبلغ بخس جداً على (ڤيلا) كبيرة بالسيدية فكيف اقتنعتم بكذبتها؟

عنود : اعلم جيداً الآن ووالدي كان يقول ذلك لكننا كنا في حالة اضطراب شديد وكنا نأمل الحصول على ايجار يناسبنا لذلك وافقنا دون ان نتأكد من صحة ادعائاتها. وهكذا اصبحنا ضحايا دسمة لتلك الساقطة عديمة الشرف.

سمير : اسمعي مني اخت عنود...

هنا قاطعته عنود وقالت،

عنود : عنود فقط يكفي. فنحن رفاق درب في المأساة. انت كنت ضحية لهند كما هي الحالة معي.

سمير : طيب، اسمعي عنود، هل بامكانك ان تعطيني الموقع الالكتروني الذي دخلت اليه لتجدي المنزل؟

عنود : اجل. انه معي. امنحني دقيقة واحدة وسافتش عنه بحقيبتي.

بقيت عنود تفتش عن العنوان بحقيبتها لكنها لم تعثر عليه قالت،

عنود : يبدو انه ليس معي في الحقيبة. سأسجله لك من حاسوبي عندما اعود الى البيت. ولكن ماذا تنوي ان تفعل؟

سمير : لدي خبرة كبيرة في تقنيات الحواسيب. ساحاول العثور عليها من خلال موقعها على الشبكة العنكبوتية. واذا نلت منها فساسلمها للشرطة لكي تتلقى العقاب الذي تستحقه.

عنود : اتمنى ذلك. اريد ان امنحك رقم هاتفي وعنوان بيتي كي تتحدث الى والدي ايضاً ربما نستطيع ان نقف سوية لمجابهتها.

سمير : هذا يكون مستحسناً. وانا كذلك ساعطيك عنواني وكل بياناتي عسى ان نتمكن من الاطاحة بها.

عنود : اتركك الآن يا سمير. وسانتظر منك اتصالاً.

في المساء استلم سمير اتصالاً من عنود لتخبره بانها اخذت الاذن من ذويها كي تأتي لزيارته في الغد الى بيته مع الساعة العاشرة صباحاً وستجلب له عنوان الموقع. فرحب بها وقال بانه سيكون بانتظارها.

وفي اليوم التالي ومع الساعة العاشرة والنصف تماماً دق الجرس ففتحت اخته اسماء الباب لتدخلها الى غرفة الاستقبال بفستان ازرق وتسريحة شعر جميلة اثارت اعجاب سمير ووالدته واخته.

** عنود تدخل من الباب غرفة الاستقبال

وقفوا جميعاً مشدوهين ورحبوا بها ترحيباً حاراً يليق بالملكات والاميرات ليجلسوها على الاريكة فتسرع اخته اسماء الى المطبخ وتجلب بيدها صينية عليها اقداح شاي وبعض الكليجة المنزلية. فدار الحوار معها،

ام سمير : هل انت بالمدرسة يا عنود؟

عنود : كلا انا بالجامعة يا خالتي، ادرس بالصف الاول في كلية التربية فرع الجغرافيا.

سمير : هذا نفس فرع الحقيرة هند.

عنود : كلا، هذا غير صحيح. فهند بالكاد اكملت المتوسطة. لكنها سألتني مرة اين وصلت بتعليمي فاخبرتها بانني بالجامعة.

ام سمير : وكم عمرك يا عنود؟

هنا نظرت اسماء لاخوها سمير وهمست باذنه، "بدأ التحقيق مع المسكينة. الافضل ان تأخذ صاحبتك الى الغرفة للاعلى والا فإن امك ستخطبها لك على الفور".

عنود : انا عمري 19 سنة. لقد ادخلني اهلي مبكراً للمدرسة لابدأ الابتدائية بسن الخامسة.

ام سمير : إذاً انت بنفس سن ابني سمير.

علم سمير انه يجب ان يتدارك الامر والا فإن امه ستسبب كارثة بيئية لا تحمد عقباها قال،

سمير : هيا يا عنود، احملي الشاي معك ودعنا نصعد للطابق العلوي فنجلس امام الحاسوب بغرفتي لان لدينا الكثير من العمل.

وقفت عنود واستأذنت من ام سمير وشكرتها على حسن الضيافة وتبعت سمير الى الطابق العلوي. دخلا غرفة سمير واغلقا الباب عليهما فطلب سمير من ضيفته ان تجلب كرسياً وتضعه الى جانبه امام شاشة الحاسبة فجلبت الكرسي ووضعته الى يمينه قال،

سمير : لا، ضعيه الى يساري لانني اشول وامسك الفارة بيدي اليسرى. ساتمكن من الاستفادة من ملاحظاتك افضل هناك.

وقفت عنود ونقلت الكرسي الى يساره وجلست ثم اخرجت قصاصة ورق صغيرة من حقيبتها قالت،

عنود : هذا هو عنوان الموقع العقاري المزعوم الذي تعرفت من خلاله على هند.

اخذ سمير الورقة وصار ينقل عنوان الـ URL منه ثم دخل عليه لتخرج له على الشاشة الصفحة الرئيسية للموقع. بدأ يتفحص الموقع من كل الجوانب ويلاحظ الخيارات والازرار المتاحة بداخله فسألها،

سمير : كيف دخلت على البيت الذي اخترتموه للايجار؟

عنود : اضغط على الزر [منازل للايجار].

بدأ سمير يبحث عن ذلك الزر ويحرك فارته بحثاً عنه لكنه لم يعثر عليه بسهولة. وضعت عنود يدها فوق يده اليسرى وصارت تقوده نحو الزر المطلوب فشعر بحرارة يدها وهي تلامس يده فاستلم شرارة شاعرية تسببت برنين في قلبه. نظر بوجهها فاعادت اليه النظرة بابتسامة حلوة وسألته بدلال،

عنود : هل ضايقتك يدي؟ انا آسفة.

قالتها وسحبت يدها من فوق يده. لكنه قام بالامساك بيدها ووضعها فوق يده من جديد قال،

سمير : بالعكس يا عنود، لقد شعرت بدفئ كبير فيها ارجو ان يكون هذا الدفئ حقيقي.

عنود : انه حقيقي ونابع من صميم قلبي.

سمير : منذ متى وانت تكنين لي تلك المشاعر؟

عنود : منذ ان رأيتك انت وهند في المنتزه. ورأيت وسامتك فاعجبتني كثيراً وشعرت بغيرة كبيرة من هند إذ تمنيت وقتها ان تكون لي انا بدلاً عنها.

سمير : ولماذا لم تحذريني في حينها؟

عنود : لانني كنت غير متاكدة من اللعبة التي تلعبها هند علينا وكنت امل ان احصل على عقد المنزل والمفاتيح منها لاننا فعلاً دفعنا لهاً مبلغاً كبيراً. عزيت التأخير لاسباب اخرى غير النصب والاحتيال. اي انني قررت ان اصفي النية معها وأن أمنحها فرصة الشك.

شعر سمير بهذه اللحظة ان الله وقف الى جانبه وحماه من تلك المحتالة هند ليبعث له هذه الملاك الجميلة بدلاً عنها. استيقظ من افكاره التي اغرقته بمشاعر الخيانة والاحتيال والعشق والارتباط. فمحى كل شيء من رأسه وركز على عمله التقني. ضغط على زر [منازل للايجار] فوجد كماً هائلاً من صور المنازل الفخمة الجميلة وباسفل كل واحد منها تفاصيل المنزل من عدد الغرف والحمامات وكراج السيارة وباسفلها وبخط عريض مبلغ الايجار بالدينار العراقي. تفحص الايجارات فوجدها تتراوح ما بين 100 الف - 600 الف دينار شهرياً. كان يعلم تماماً ان هذه الاسعار متدنية جداً ولا يمكن ان تكون اسعار واقعية. اخذ بعض صور المنازل وانزلها الى سطح المكتب على حاسوبه ودخل على معلومات الميتا داتا بداخلها META DATA لتلك الصور ليجد ان البعض منها مأخوذة في كاليفورنيا والبعض الآخر بكرواتيا وتركيا واليونان وتونس. نظر الى تواريخ التقاط تلك الصور فوجدها متباينة. فالبعض منها قد اخذت بزمن طويل يصل الى 10 و 20 سنة مضت. قال،

سمير : جميع هذه الصور مزورة. قامت هند بسرقتها من الانترنيت ووضعتها بشكل منسق كي تتمكن من خداعكم وبالتأكيد خداع المزيد من الضحايا الآخرين غيركم من المواطنين. لقد وضعت اسعار متهاونة جداً كي تستقطب الزبائن فتتمكن من الاحتيال عليهم.

عنود : لكنها اخذتني الى بيت حقيقي يل سمير وكان يحتوي على خمسة غرف نوم وقد رأيته بأم عيني.

سمير : هند فتاة ذكية. لحتمال انها قد طلبت ان تعاين ذلك البيت من احد السماسرة فوثق بها واعطاها المفتاح فقامت بعرضه عليكِ. مسألة لا تتطلب التفكير. لذلك تمكنت من اقناعك بان هذا هو البيت الذي ستستأجرونه.

عنود : ونحن بكل سذاجة وغباء وقعنا بفخها.

سمير : لست انت وحدك يا عنود. انا ايضاً مشيت وراء مشاعري وتخيلتها فتاة سوية فخدعتني بمظهرها وتخيلتها انسانة عفوية طيبة شريفة لابعد الحدود. كم كنت غبياً وساذجاً وقتها.

عنود : اعتقد انها محترفة باعمال النصب والاحتيال لانها عندما رأتني بالمنتزه تمكنت بسرعة هائلة من اختلاق قصص كاذبة عن العقد كي تواصل نصبها عليك انت ايضاً واستطاعت اختيار الكلمات المناسبة كي تُسْكِتَني وتعدني بعقد الايجار والمفاتيح كي اترككما لتكمل تمثيليتها معك. يا لها من محتالة ماكرة.

سمير : دعيني اقوم بعملية التنقيب الآن. فلدي اسلحة تقنية كثيرة ستمكنني من اصطيادها.

عنود : هيا يا بطل. دعنا نتحد يد بيد.

سمير : إذاً ضعي يدك على يدي من جديد فقد شعرت بدفئ يدك لتمنحيني القوة والعزم.

عنود : بدأت افهم مشاعرك نحوي.

سمير : وهل هذا يزعجك؟

عنود : بالعكس سمير، كنت امل ان تكمن لي نفس المشاعر.

سمير : لكنني قررت منذ البداية ان ابني علاقتي معك بشكل صحيح هذه المرة فانا اولاً وآخراً معجب بك وبجمالك وبعفويتك وصدقك. ثانياً اود ان اعلمك بحقيقتي. فانا لست كما تعتقدين. انا كنت ايضاً امارس النصب والاحتيال مثل هند بالضبط.

عنود : لكنك لم تفكر بالتلاعب بمشاعر الآخرين اليس كذلك؟

سمير : هذا صحيح.

عنود : وبما انك تائب من هذه الاعمال التي لا ترضي الله وبما انك قررت ان تمنحني قلبك وتكون معي فعليك ان تصلح ما اتلفت في السابق.

سمير : وكيف افعل ذلك؟

عنود : ان تتراجع عن اعمالك القديمة حتى وإن كان ذلك يعني تسليم نفسك للشرطة.

سمير : وماذا عنا. اقصد انا وانت؟

عنود : إن كنت ستقضي فترة معينة بالسجن فانا سانتظرك حتى إن بقيت 20 سنة. اما إذا كانت المدة اكثر من 20 سنة فسوف اتركك واجد شخصاً آخر.

ضحك سمير على تلميحاتها الاخيرة وبدأ يتقبل فكرة التوبة ثم قال،

سمير : لقد قبلت اقتراحك وانا مستعد ان اقبل نتائج وتبعات اعمالي الماضية ولكن يجب ان اوقع بهند اولاً قبل ان ابداً بالتوبة.

عنود : وانا اتفق معك. هيا يا حبيبي تابع عملك وحاول ان توقعها فانا معك على طول الخط.

سمير : لحظة لحظة لحظة ماذا قلت للتو؟

عنود : قلت حاول ان توقعها.

سمير : لا لم اقصد هذه الجملة بل اقصد الجملة التي قبلها.

عنود : قلت انا اتفق معك.

سمير : لا هناك شيء وقع منك بالوسط.

عنود : انتَ حقيقة زير نساء. يجب علي ان اتحذر منك.

سمير : انا كنت كذلك يا عنود وانا اعترف بذنبي. فانا اشعر بك واتمنى ان نبني علاقتنا بشكل جميل وصحيح وصادق هذه المرة لا تخلوه المصالح والاطماع.

عنود : هيا إذاً يا حبيبي، واصل عملك.

بدأت اصابع سمير ترقص فوق لوحة المفاتيح بسرعة هائلة فيحرك فارته تارة ويكبس على المفاتيح تارة اخرى حتى امتلأت شاشته بكلمات وحروف ورموز مبهمة لا تفهما عنود وكأنها كتبت باللغة الصينية. راح يأخذ منها نصوصاً ويضعها باماكن اخرى ثم يقص منها نصوصاً اخرى فصاح بصوت مرتفع.

سمير : عظيم، عظيم، يبدو ان هند لا تفهم لغات المواقع.

عنود : وما هي لغات المواقع؟

سمير : لغات المواقع هي اللغات التي تستعمل لانشاء مواقع الانترنيت وهي لغات يستعملها المبرمجين المتمرسين لخلق مواقع الانترنيت مثل الـ (جاڤا سكريبت) و (سي شارب) و (پايثون) وهي لغات تحمل رموزاً واوامر لا يفهمها عامة الناس. وهذا سيمنحني كفة راجحة ويميز معلوماتي عن معلوماتها.

عنود : إذا كانت هند لا تعرف تلك اللغات فكيف عملت موقعها إذاً ؟

سمير : استعملت برامج جاهزة يوفرها مستضيفي المواقع لزبائنهم.

عنود : وكيف سيفيدنا ذلك؟

سمير : سيجعلني اقرأ ما بين السطور في الرموز البرمجية. لا عليك يا حبيبتي عنود انها اساليب مبرمجين نفهمها نحن فقط.

عنود : هل ستقوم بمحي موقعها وتعطيله بشكل كامل كي تمنعها من الاستمرار بممارسة النصب والاحتيال؟

سمير : لا بالعكس. عمل مثل هذا سينبهها ويجعلها تتصرف بحذر شديد فتعرف اننا نتابعها ونبتغي الايقاع بها. لذا ساترك موقعها على ما هو عليه وسابدأ بجمع الادلة الرقمية التي ستدينها ثم سنسلمها للشرطة كي تنال جزائها العادل.

عنود : وماذا عن قرارك نحو الاستقامة؟

سمير : اجل عندما افاتح الشرطة، ساوضح لهم طبيعة عملي السابق بالكامل ثم اسلمهم كل الادلة التي ساجمعها لادانة هند.

عنود : الآن انا صرت احبك اكثر. كيف ستسير الخطة إذاً؟

سمير : لدي قريب برتبة نقيب اسمه فواز الصراف يعمل بشرطة بغداد. انه انسان في غاية الدماثة والاستقامة. ساستدعيه الى هنا وساريه الادلة التي ساجمعها عن هند ثم ساعترف له بكل شيئ عن عملياتي السابقة وإذا اقتنع بحججي وبراهيني فسوف يقوم بتتبعها قضائياً وربما سيزجها بالسجن.

عنود : وماذا عنك؟ هل سيتساهل مع جرائمك السابقة لانك قريبه؟

سمير : انه انسان في غاية النزاهة. نادراً ما تجدين انسان في هذه الدنيا بصدقه واستقامته. سوف يقوم بكل شيء قانوني وسيتصرف بشكل صحيح معي او مع غيري.

عنود : انا جداً سعيدة بتوجهك نحو النهج الصحيح. دعني اتركك الآن لعملك وسوف نلتقي قريباً.

سمير : كنت اشعر بالدفئ بوجودك معي لكن علي التركيز فدعيني اودعك للخارج.

عنود : لا ابقى انت بمكانك واعمل بجد وهمة كبيرة. انا سانزل وحدي واودع امك واسماء ثم ارحل.

سمير : كما يقول الاسبان [مي كاسا سو كاسا].تصرفي وكأنك ببيتك.

عنود : وداعاً حبيبي سمّوري.

سمير : وداعاً حبيبتي عنود الحلوة.

وهكذا استبدل سمير هند بعنود وقام بازالة الاولى من عقله وقلبه ووجدانه لتتربع عنود وحدها على عرش مشاعره ورغباته الرومانسية. وفي الحاسوب ظل يعمل عملاً مكثفاً في تجميع الادلة لمدة يومين كاملين بعدها اتصل بقريبه النقيب فواز الصراف وطلب منه الحضور الى بيته لامر عاجل. وبالرغم من محاولات التملص التي ابداها النقيب الا ان سمير اصر على دعوته فلبى الدعوة وهو متردد. حضر الى البيت ففتحت له اسماء الباب ورحبت به ثم ادخلته صالة الاستقبال. جلس على الاريكة حتى نادت اخاها سمير فجاء ورحب به هو الآخر وطلب منه الصعود معه الى غرفته ففعل. دخلا غرفة سمير ليطلب سمير من فواز الجلوس امامه على الكرسي بالقرب من الحاسوب. فتح الحديث معه قائلاً،

سمير : استدعيتك اليوم لامر جلل ارجو ان تستوعبه بشكل كبير. فانا ومنذ اكثر من سنتين صرت اتعمق كثيراً بعلم الحواسيب وقد تمكنت من السيطرة التامة في الدخول على حسابات مواقع التعارف بين الرجال والنساء وصرت اعمل اعمال قرصنة.

نقيب فواز : يا الهي، انت يا سمير؟ لقد خيبت ظني فيك.

سمير : اجل لكنني لست فخوراً بما كنت اعمل. في بادئ الامر كان الامر فقط تحدي لغرض التسلية لانها كانت اعمال صبيانية. لكنني عندما جنيت مبلغاً كبيراً من احد الضحايا، مكنني من شراء حاسوب قوي وسريع شجعني على الاستمرار بتلك العمليات.

نقيب فواز : لا اصدق ما اسمع. كيف سولت لك نفسك حتى تفعل شيئاً قذراً مثل هذا؟ الا تعلم انك ستدخل السجن من جراء فعلتك؟

سمير : اجل اعلم ذلك جيداً لكنني كما قلت لك انني تائب. وقد قررت ان اتوقف عنها تماماً.

نقيب فواز : التوبة لا تعفيك من العقاب لانك تسببت بالضرر المالي للكثير من الناس حتى وإن كانوا مواطنين من دول اجنبية اخرى. فالجريمة هي جريمة وعليك تحمل تداعياتها.

سمير : وانا مستعد لان اتحمل كل تبعاتها لكن عليك ان تستمع الى حديثي للآخر وخصوصاً بما يتعلق بهند.

نقيب فواز : اي هند هذه؟ انا لا اعرف هذا الاسم.

سمير : دعني اقص عليك كل القصة من البداية وحتى النهاية.

هنا بدأ سمير يقص على قريبه فواز كيف تعرف على هند بمواقع التعارف وكيف كانت نواياه سليمة معها لانها ابهرته بجمالها حينما التقوا. عرض صورتها على قريبه فواز فاعجب هو الآخر بجمالها وطلب منه مواصلة القصة. بعدها اكمل حديثه بما يخص الهاتف الثمين الذي اشتراه لها وكيف التقى بالصدفة باحدى ضحاياها في الصيدلية بمنطقة رخيتة وكيف تمكنت هند من النصب على عائلتها. هنا سأل،

نقيب فواز : هل لديك قائمة بجميع ضحاياها ممن استدرجتهم كي يدفعوا لها المبالغ؟

سمير : كلا طبعاً. لانها لم تدون المبالغ المستخلصة منهم، فهي اذكى من ذلك بكثير. لكنني املك قائمة تمكنت من استخراجها من مراسلاتها معهم عبر الموقع ومن داخل الموقع.

نقيب فواز : كم يبلغ عدد هؤلاء الضحايا؟

سمير : 87 ضحية. اما الذين لم تتمكن من سلب الاموال منهم فيبلغ 181 ضحية.

نقيب فواز : تقصد انها استدرجت 268 ضحية الا ان الذين استطاعت سرقتهم كان 87 فقط. اليس كذلك؟

سمير : اجل. هذا صحيح.

نقيب فواز : وهل لديك قائمة باسماء جميع الضحايا؟

سمير : اجل طبعاً. قمت بطبع اسمائهم وعناوينهم الالكترونية وارقام هواتفهم.

نقيب فواز : وماذا عن عناوينهم الفعلية؟

سمير : ليس لدي فكرة عن عناوينهم الفعلية.

نقيب فواز : اعتقد انني استطيع ان اجند فريقاً من عناصر الشرطة كي يتتبعوا كل الضحايا وسنضعها من ضمن قائمة الادلة التي سنوجهها لها. ولكن قل لي، اين تسكن هذه الفتاة؟

سمير : لا اعلم. لقد حاولت مراراً وتكراراً سؤالها عن عنوانها لكنها لم تفصح عنه ووقفت خلف الكثير من الحجج لتتملص من الافصاح عن مكانها.

نقيب فواز : بالتأكيد فهي محترفة متمرسة ولن تعطيك عنوانها ابداً.

سمير : والآن ما رأيك؟

نقيب فواز : رأيي انني ساركز بالبداية على الاطاحة بهند ثم ساتفرغ الى جرائمك السابقة.

سمير : وانا مستعد لكل التداعيات.

نقيب فواز : الآن اريدك ان تترك الامر لي تماماً وان تركز على امتحاناتك فاعتقد بقي شهرين للبكالوريا اليس كذلك؟

سمير : بل شهر ونصف فقط.

نقيب فواز : إذاً، واصل دراستك وانا ساقوم بالباقي.

سمير : شكراً لك عزيزي فواز.

وقف نقيب فواز وغادر غرفة سمير ثم خرج من البيت ليختفي بسيارته.

امسك سمير بهاتفه واتصل بعنود لكنها لم ترد عليه. نظر الى ساعته فوجدها تشير الى الواحدة ظهراً فرجّح ان تكون في الجامعة بمثل ذلك الوقت. وبعد نصف ساعة رن هاتفه ليجد مكالمة واردة من عنود. وضع الهاتف على اذنه فسمعها تقول،

عنود : انا آسفة حبيبي. كان هاتفي صامتاً لانني كنت في محاضرة.

سمير : لا عليك حبيبتي. لدي خبر عظيم سوف يعجبك كثيراً. لقد تحدثت مع قريبي الضابط بالشرطة وشرحت له كل شيء عن هند وقمت بتسليمه كامل الادلة والعناوين وارقام الهواتف لكل ضحاياها.

عنود : وهل اخبرته عما اقترفته انت بالماضي؟

سمير : طبعاً اخبرته بكل شيء.

عنود : هل انت متأكد؟

سمير : طبعاً يا روحي. انا قلت لك سابقاً انني اريد التوبة واتمنى ان افتح معك صفحة جديدة خالية من التجاوزات والجرائم.

عنود : انت اسعدتني بهذا الكلام. انا اردت ان اقول... لا ليس مهماً.

سمير : ماذا؟ هيا قوليها.

عنود : فقط اردت ان اقول انني كنت افكر بك ليلة امس.

سمير : هل كنت تفكرين بي بالخير ام الشر؟

عنود : الشر طبعاً. هاهاها. لا، لا كنت افكر بك بشكل طيب طبعاً وانت تعرف ذلك.

سمير : هذا شيء يسعدني. هل بالامكان ان نتقابل اليوم؟

عنود : لا يا سمير. اعلم ان علاقتي بك مشروطة بنجاحك هذا العام ودخولك الفرع الذي ترغب فيه.

سمير : أحقاً ما تقولين؟

عنود : اجل حقاً. انا لا اريد ان استمر مع شخص فاشل. يجب ان تنجح بمعدل عال افهمت؟

سمير : اجل فهمت. ولكن على الاقل نتقابل مرة واحدة بالاسبوع. يوم الخميس مثلاً.

عنود : طيب. نتقابل بخميس متناوب. بمعنى خميس نعم وخميس لا.

سمير : انتِ صارمة وظالمة جداً.

عنود : هذه هي شروطي اقبلها ام ارفضها والخيار لك انت.

سمير : ساقبلها وامري الى الله، حكم القوي على الضعيف.

عنود : ماذا قلت؟

سمير : لا شيء. خميس متناوب. ولكن يوم الخميس هو غداً اليس كذلك؟

عنود : حسناً ساقابلك غداً ولكن اين؟

سمير : ما رأيك بـ (فلة بركر). اول مكان جلسنا فيه في رخيتة؟

عنود : اصبح لذلك المكان منزلة كبيرة في قلبي. اجل حبيبي ساراك هناك غداً بعد آخر محاضرة عندي مع الساعة الرابعة بعد الظهر.

سمير : وهو كذلك الرابعة بعد الظهر بفلة يا اجمل فلة عرفها التاريخ.

وفي صباح اليوم التالي ذهب سمير الى المدرسة فرأي صاحبه اياد واقفاً بوسط ساحة المدرسة، حياه وقال،

اياد : كنت دائماً اشتهي ان اراك تأتي مبكراً الى المدرسة مرة واحدة فقط. واليوم فعلتها، ماذا جرى لك يا اخي؟ هل اصبت بالحمى؟

سمير : لا ايودي، لقد قررت ان اخذ الامور بجدية اكثر لانني اريد النجاح بمعدل عالٍ كي ادخل الجامعة التي اريدها.

اياد : وماذا عن الحبيبة الجديدة؟ هل سارت الامور على ما يرام؟

سمير : اتضح انها تكن لي مشاعر عميقة هي الاخرى. تخيل عزيزي لقد امسكت بيدي وقالت انها تحبني وانها كانت تغار من هند عندما رأتنا سوية بالزوراء بالقرب من النخلة.

اياد : كم انت محظوظ. ما ان تترك واحدة الا وتحتال على الاخرى. ليتني كنت مثلك.

سمير : كلا، الامر ليس به اي احتيال. انا فعلاً احببتها لانها انسانة نقية بعيدة عن النصب والاحتيال. ومشاعرنا تجاه بعضنا البعض صادقة وليس فيها اي نوع من الخبث ولا المؤامرات.

اياد : لا اصدق ما اسمع. سمير الهاكر اصبح مستقيماً وترك النصب والاحتيال وراء ظهره. هذا امر غريب جداً.

سمير : الحب الصادق يعمل اكثر من ذلك. والآن انا في صدد الاطاحة بهند وبكل اعمالها الاجرامية.

اياد : بالرغم من ان هند تستحق كل ما تعمله ضدها، لكنها تبقى جميلة جداً.

سمير : وما فائدة الجمال إذا كانت ستحتال عليّ وتسرقني؟

اياد : لديك الحق. والآن ماذا سيجري، وكيف سيتصرف قريبك فواز؟

سمير : انه سيجند فريقاً خاصاً بالشرطة السبرانية وسيستعمل كل قوائم المعلومات التي منحتها له كي يلقي القبض عليها بالجرم المشهود.

اياد : اتمنى للجميع حظاً اوفر. لكنني اطلب منك ان تلتزم جانب الحذر من هند فانت لا تعرف ماذا بامكانها ان تفعل إذا حوصرت بالزاوية.

سمير : لا تقلق ايودي، الموضوع كله تحت السيطرة.

دق الجرس فدخل الصديقان الى الصف ليبدأ يوم جديد بدرس الرياضيات.

وبنفس اليوم كان سمير يستعد للقاء حبيبته الجديدة عنود بمساء نفس اليوم في (فلة بركر) لانه سيضع النقاط على الحروف معها وسوف يبنون مستقبلهم سوية. كان يعلم يقيناً ان هذا اللقاء سيمكنهم من وضع حجر الاساس لمستقبلهما ويوطد ويبني علاقتهما بشكل كونكريتي. لذا عليه ان يحرص كل الحرص كي يكون صادقاً معها بكل شيء ويفاتحها بكل شاردة وواردة لانه يحبها كثيراً ويريد ان تبقى معه حتى نهاية عمره. فور عودته من المدرسة صعد الى غرفته وارتدى ملابس فضفاضة جداً بسيطة لان درجة حرارة الجو اصبحت لا تطاق فالصيف على الابواب. نزل إلى الطابق السفلي لتسأله امه،

ام سمير : الى اين انت ذاهب يا سمورتي؟

سمير : ذاهبٌ لاقابل عنود.

ام سمير : لا اعلم السبب لكن قلبي انفتح لتلك الفتاة. اتمنى ان يكتبها الله لك يا حبيبي وتكون من نصيبك.

سمير : اتمنى ذلك يا امي فانا احبها كثيراً.

ام سمير : هل تعرف شيئاً عن ذويها؟

سمير : كل ما اعرفه عنهم هو ان والدها كان يعمل بالكويت قبل الاحتلال وعندما دخل الجيش العراقي اخذ والدها العائلة بسيارته وعاد بهم الى بغداد ليسكنوا في منطقة السيدية. وهناك ولدت عنود بالسيدية.

ام سمير : حسناً يا ابني. لا تخسرها فهي جوهرة ثمينة.

سمير : وانا لا انوي خسارتها يا امي.

خرج سمير من باب بيته ولوح لسيارة اجرة كانت تمرّ من امامه فتوقفت وقال لسائقها. (فلة بركر) برخيتة لو سمحت. جلس على الكرسي الخلفي يتأمل الشوارع والمارة واصحاب الدراجات الهوائية. وفجأة رن هاتفه فنظر لشاشته إذا به يرى صورة قريبه النقيب فواز. وضع الهاتف على اذنه وسمعه يقول،

فواز : سمير كيف حالك؟

سمير : انا باحسن حال. انا ذاهبٌ الآن لاقابل فتاة احلامي عنود.

فواز : اترك عنود الآن لان عليك ان تأتي الى هنا على الفور.

سمير : هذا مستحيل، لقد واعدت عنود واردت ان اقابلها برخيتة.

فواز : الامر مهم جداً وله علاقة بهند. يجب ان تحضر حالاً.

سمير : حسناً سالغي الموعد مع عنود وامري الى الله.

فواز : تعال بسرعة.

سمير : ساصلك خلال نصف ساعة.

اغلق الخط مع النقيب فواز ثم اتصل بعنود وقال،

سمير : مرحباً عنود.

عنود : اهلاً حبيبي سمير. هل انت بالطريق؟

سمير : كلا. وقع امر طارئ وسوف لن اتمكن من لقائك اليوم.

عنود : لماذا؟ ما الذي حصل يا ساتر؟

سمير : لا شيء مخيف. اتصل بي قريبي النقيب فواز وطلب مني الذهاب الى المركز وقال ان شيئاً ما قد طرأ معه. انه بخصوص المجرمة هند.

عنود : حسناً سنلغي موعدنا لليوم وسنلتقي في يوم آخر.

سمير : شكراً لك على تفهمك الأمر.

عنود : لا شكر على واجب، وداعاً حبيبي.

سمير : وداعاً يا عمري.

قال للسائق. اريدك ان تأخذني الى مركز الشرطة.

استدار السائق وغير اتجاهه. وعندما وصل سمير المركز دخل على مكتب النقيب قال،

سمير : ما الامر يا فواز؟ لقد اصبتني بالهلع.

فواز : اتصلت بالشرطة الدولية الانتربول بليون في فرنسا. وطلبت التحدث الى قسم الشرطة السبرانية فحولوا مكالمتي الى النقيب جون بيير رئيس القسم. اخبرته عنك وعن هند بشكل مفصل. قال بانهم لا يملكون ملف لك لانك تعتبر من المستجدين. قال ايضاً انه يريد معلومات عن جميع الضحايا الذين استهدفتهم بعمليات القرصنة. فوعدته بارسال كل المعلومات بالبريد الالكتروني بما يخص الجرائم السبرانية. بعدها تحدثنا عن هند واخبرته عن عمليات القرصنة التي قامت بها فقال بان هند لا تعتبر من ضمن اختصاصهم القضائي لانها مارست العمليات بداخل العراق وليس خارجه لذلك فهي تقع تحت طائلة الشرطة والقضاء العراقي.

سمير : وماذا بخصوصي انا؟ هل ستقومون بارسالي الى فرنسا ليحاكمونني هناك؟

فواز : طلب النقيب مني ان احصي المبالغ التي قمت بسلبها من ضحاياك. فبعثت له بالقائمة التي زودتني بها والتي كانت كالتالي

ليام مكديرموت من امريكا 1000 دولار.

جاك رونوار من فرنسا 500 يورو.

برناديت كوستانزي من اليونان 200 يورو.

حسين حداد من لبنان 100 دولار.

المجموع 2030 دولار حسب التصريف المحلي لهذا اليوم. : اتعرف ماذا قال؟

سمير : لا اعرف ماذا قال؟ اخبرني.

فواز : قال ان الجرائم السبرانية التي وقعت خلال العالم 2025 وحدها بلغت 10.29 ترليون دولار. واقل عملية لجهة واحدة هي 100000 دولار. لذلك فإن حجم جريمتك لا تتعدى اثنان بالمائة من اصغر جريمة في ملفاتهم.

سمير : وهل هذا يعني انهم سيعفون عني؟

فواز : كلا. قال جون بيير يجب علينا الاتصال بالضحايا وتقديم الاعتذار لهم ثم القيام بارجاع المبالغ التي اخذتها منهم. وإذا قاموا بالشكوى ضدك فسوف تكون هناك محاكمة ليستدعونا وسوف نقدم لهم الادلة التي بحوزتنا. اما إذا قرروا تجاوز الامر بعد تسلمهم التعويض فذلك سينهي ارتباطه بنا من الناحية القانونية. وبعد ذلك تعرض قضيته من عندكم على القضاء العراقي وهو وحده الذي سيبت بالامر.

سمير : هذا امر جيد. ساقوم بتعويضهم بكل ذلك.

فواز : وبعدها ساقوم بطرح قضيتك للمدعي العام العراقي كي يقرر ما إذا كنت ستقدم للمحكمة ام لا.

سمير : طيب وماذا عن هند؟

فواز : الموظفون بالشرطة السبرانية مستجدون وليس لديهم خبرة كافية بالتعقب السبراني. لقد اعطيتهم رقم هاتفها لكنهم لم يتمكنوا من العثور عليها.

سمير : هل تخولني كي اعلمهم كيفية التتبع عن طريق التراكنغ (traking)؟

فواز : اجل سيكون ذلك عمل يحسب لصالحك.

سمير : انا مستعد باي وقت ومتى ما شئت ذلك.

فواز : إذاً تعال معي الآن لنزورهم في الطابق الرابع.

خرج النقيب فواز يتبعه سمير وركبا المصعد الكهربائي ليأخذهما الى الطابق الرابع فدخلا قاعة كبيرة فيها حواسيب منتشرة بكل حدب وصوب يجلس خلفها اربعة منهم. كانوا شباباً في سن سمير او اكبر بقليل وكانوا يضربون على لوحات مفاتيحهم بجد واجتهاد. نادى النقيب فواز جميع من في القاعة بصوت مرتفع وقال، "رجاءاً انتباه، احضرت لكم اليوم قريبي سمير وهو خبير بعملية التتبع السيبراني. سيقوم بتدريبكم على (التراكنغ) على الهواتف الذكية. لذلك اقتربوا منه وسوف يقوم بالشرح بصورة مفصلة ثم سيقوم بعمل تمارين حية لتتبع احدى الهواتف الذكية لفتاة امتهنت النصب على المواطنين". تجمع الموظفون حول سمير فسألهم، "هل سبق لكم وتعاملتم مع الـ VPN؟. فاجابوه بالنفي قال، "حسناً هل تعرفون ما هو الـ VPN؟ فنظر الشباب الى بعضهم البعض وهزوا برؤوسهم. قال، إذاً دعوني ابدأ بشرحه: تقوم الشبكة الافتراضية الخاصة (VPN) بتشفير بياناتك على الإنترنت، ثم تُمررها عبر خادم مزود لخدمة VPN قبل اتصالك بأي موقع ويب أو خدمة أخرى عبر الإنترنت. يساعد هذا في إخفاء هويتك ونشاطك على الإنترنت. يمكن استخدام VPN لتجاوز القيود الجغرافية، وحماية نشاطك على شبكات Wi-Fi العامة، وإخفاء عنوان IP الحقيقي الخاص بك عند تصفح الإنترنت واستخدام برامج مثل BitTorrent. تتيح لك VPN، أو الشبكة الافتراضية الخاصة، إنشاء اتصال آمن بشبكة أخرى عبر الإنترنت.

يمكن استخدام VPN للوصول إلى مواقع الويب المحظورة جغرافيًا، وحماية نشاط التصفح الخاص بك من أعين المتطفلين على شبكات Wi-Fi العامة، وغير ذلك الكثير. هل هذا مفهوم؟

لكن اغلبهم لم يفهم ما قاله سمير وصاروا ينظرون الى بعضهم البعض فتدارك الأمر النقيب فواز وقال،

فواز : يا سمير، لماذا لا تقوم بتمرين عملي للشباب كي يلاحظوا من خلال خطواتك كيفية استخدام هذه التقنية المتقدمة؟

سمير : طيب يا شباب، هل بامكاني استعارة احدى الحواسيب لديكم؟

فقال احدهم تفضل سيدي استعمل حاسوبي.

هنا سأله سمير قائلاً،

سمير : ما نوع المعالج الذي بداخل حاسوبك؟

لكن الموظف لم يعرف كيف يجيب فعلم سمير ان امكانياته التقنية محدودة لذلك قال،

سمير : لا عليك اخي، ساكتشفها بنفسي.

جلس سمير امام الحاسوب وفتحه وصار يدخل على اعدادات النظام من خلال الـ control panel وبدأ يبحث بالنظام. بعدها قال "حاسوبك ممتاز ولديه معالج سريع من نوع core i7 بسرعة 3.8G و 3079G ولديه ذاكرة انتقالية بحجم 16GB وهذا جيد لان ذلك يعني انه سيفي بالغرض لعملية التتبع. هنا بدأ سمير بانزال احدى برامج الـ VPN المعتمدة ثم راح يدخل من خلال الحاسوب على شبكة الهواتف المحلية وصار يضع رقم هاتف هند ثم قال، "هذا الرقم يا شباب هو رقم الفتاة المحتالة التي قامت بالنصب على الكثير من المواطنين. نامل انها لا تزال تستعمله. والآن سنقوم بترصدها كي نعرف مكانها بالضبط إذا ما فتحت الهاتف". وما ان ادخل سمير كل البيانات من خلال خرائط گوگل بدأ الجميع يلاحظ نقطة ضوئية زرقاء تتحرك على خريطة شوارع بغداد قال، "لاحظوا اخوان انها تتحرك على الخريطة وهذا يعني ان الشخص الذي بحوزته ذلك الهاتف يتحرك. ومن خلال السرعة فانكم تستطيعون ان تستشفوا بانها لا تسير على قدميها بل تتحرك بمركبة وهي تسير بشارع... بشارع... دعني ارى... اجل انها تسير بشارع... يا الهي... لقد خرجت من السيدية وتسير بشارع المطار متجهة نحو مطار بغداد الدولي". نظر الى النقيب فواز وقال،

سمير : انظر يا سمير انها ستسافر الى الخارج ولن نستطيع الامساك بها. يجب ان تمنعها من الافلات.

فواز : اجل انت محق، سنؤجل بقية الدروس الى وقت لاحق يا شباب لان تلك الفتاة مطلوبة للعدالة.

سمير : هيا يا فواز اسرع دعنا نتجه الى المطار على الفور لنلحق بها.

فواز : هيا.

كان الطلاب معجبون جداً واحبوا كثيراً العرض حول اساليب حديثة في التعقب السبراني.

خرج سمير وفواز ليركبوا سيارة شرطة تتبعهم سيارة شرطة اخرى وتوجهوا الى شارع المطار. وبعد نصف ساعة وصلوا مبنى المطار فتوجهوا الى صالة المغادرة ليشاهدوا طابوراً الكبير خلف شركة الخطوط التركية للطائرة المغادرة الى اسطنبول قال،

سمير : انها هناك يا فواز، تقف خلف اول مسافر في الطابور. يجب ان تلقي القبض عليها.

ركض الجميع نحوها فالتفتت الى الشرطة وقالت، "هل استطيع مساعدتكم؟". قال لها فواز،

فواز : تفضلي معنا لو سمحت. يجب ان اصطحبك الى مركز الشرطة.

هند : هل استطيع ان اعرف السبب؟ وما هي مشكلتكم معي؟

فواز : ستعرفين كل شيء هناك.

هند : لكنني ساخسر تذكرتي وحجزي بالطائرة. هل ستشترون لي تذكرة بدلاً عنها؟

فواز : اجل وسنحجز لك رحلة اخرى على الدرجة الاولى فيما بعد. هيا تعالي معنا.

تركت هند الطابور ومشت مع رجال الشرطة ومعهم سمير. كانت تنظر بغضب صوب سمير وهو يبتسم ابتسامة مخلوطة ما بين الانتصار والشماتة والخبث. دخلوا السيارات وانطلقت بهم الى مركز الشرطة وحين وصولهم المركز قال النقيب فواز لسمير،

فواز : يبدو انك اديت دورك واكثر يا سموري. يجب ان تغادر الآن كي تدعنا نتابع عملنا.

سمير : ولكن الا تحتاجني كي ادلي بشهادتي؟

فواز : ليس الآن. سنقوم ببعض الاجرائات اولاً. ثم سنستدعيك لاحقاً للادلاء بشهادتك. اذهب انت ودعنا نمارس عملنا.

سمير : حسناً. ولكن ارجوك لا تدعها تفلت من بين يديك.

فواز : وهل يعقل ذلك؟ نحن لدينا اطنان من الادلة التي ستجعلها نزيلة بسجوننا وبمحكومية لا تقل عن 20 سنة.

سمير : طيب عزيزي فواز وداعاً.

فواز : اسمع يا سمير، اريدك ان تأتي الى المركز لتكمل الدروس التي بدأتها لمنتسبينا في يوم لاحق. فمهمتك لم تنتهي بعد.

سمير : بالتأكيد سافعل ذلك. دعني اكمل امتحانات البكلوريا اولاً وساكون سعيداً كي اقوم بتدريسهم.

خرج سمير من مكتب النقيب فواز وهو في غاية السعادة لانه تمكن من مساعدة الشرطة بالقاء القبض على تلك الفتاة التي استطاعت من ان تجعل منه هدفاً لعملياتها. لكنه تمكن من ان يخرج منها باقل الخسائر إذ كلفته العملية ما يقرب من 3 مليون دينار ثمناً لهاتف الاي فون 17. اخرج هاتفه من جيبه وطلب عنود وقال لها،

سمير : الفار وقع بالمصيدة. اليوم القت الشرطة القبض على هند وهي تحاول الهرب للخارج من مطار بغداد. كانت ستتجه الى اسطنبول.

عنود : احقاً ما تقول؟

سمير : اجل يا عمري. سوف ترجع لكم كل ما ابتزته منكم من اموال تلك الساقطة.

عنود : انت حقاً بطل. انت بطلي وحبيبي انا.

سمير : وانت عمري وروحي. دعيني اودعك الآن.

عنود : في رعاية الله سموري.

رجع سمير الى بيته ومارس حياته الطبيعية ليومين حتى استدعاه قريبه فواز كي يحضر للادلاء باقواله. فاستجاب وهو يعلم انه سيحدثهم عن علاقته المزعومة مع هند. مما سيسبب له احراجاً كبيراً لانه كان مغفلاً. لكنه اصيب بمفاجئة أكبر حين دخل مركز الشرطة ليجد كماً هائلاً من الرجال ينتظرون دورهم في الادلاء باقوالهم بخصوص علاقات رومانسية مفتعلة من قبل هند. الغالبية العظمى منهم كانوا بسن الشباب ما عدى ثلاثة رجال من كبار السن. اثنان منهم كانوا بعقدهم الخامس وواحد بعقده الثامن. علم وقتها معنى العبارة، "حشد مع الجماعة عيد". {لقد كنت أخشى ان يستهزئ بي الناس لانني رحت ضحية المجرمة هند حين رأيت هذا الجيش الجرار من الرجال ممن خدعتهم بجمالها وتمكنت من ابتزاز اموالهم. لذلك يبدو لي ان هاتف اي فون واحد كان اقل الخسائر عندي}.

جلس سمير مع باقي الضحايا وصار النقيب فواز يستدعيهم الواحد تلو الآخر للادلاء باقوالهم. وعندما انتهى من الجميع. قال لهم النقيب، "بامكانكم العودة الآن حتى تطلبكم النيابة العامة لاستجوابكم وسوف يستدعوكم بعدها للمحكمة فيما بعد للشهادة". خرج الجميع من مركز الشرطة ومعهم سمير ليأخذ سيارة اجرة ويتجه بها الى مدرسته فيتابع آخر محاضرتين متبقيتين لذلك اليوم.

في الايام التي تلت، كان سمير قلقاً جداً مما ستقوله عنه امه عندما تعلم بانه كان سارقاً ومحتالاً فيصبح بموقف يرثى له امام اخته اسماء. وكيف سيفاجئ حبيبته عنود عندما يحكم عليه بالسجن. لكنه قرر ان لا يفكر بالامر ويترك كل شيء كيفما جاء.

ظل سمير يدرّس تلاميذه بالقسم السيبراني من شرطة بغداد في اوقات فراغه حتى تأكد من انهم اصبحوا متمكنين من اغلب المواد التي قام بتدريسهم فيها.

<<< بعد مرور شهرين <<<

استُدْعِيَ سمير لحضور المحكمة للنظر بقضية التحايل على الضحايا الاجانب خارج البلاد فحضر ومعه محاميه الاستاذ جمال الخياط فوقف ليستمع للادعاء العام يقرأ التهم. وعندها طلب القاضي من محامي الدفاع كي يقوم بافتتاحيته قال،

المحامي : سيادة القاضي سيادة مندوب الادعاء العام. كما تعلمون بان موكلي قد تاب عن اعمال القرصنة التي كان يمارسها في السابق وقد قامت شرطة بغداد بمنحه مبلغاً قدره 15 الف دولار مقابل تدريسه لكادر الشرطة السبرانية على الاعمال التعقب للقراصنة. وبطلب من سيادتكم قمنا بتعويض كل من: ليام مكديرموت من امريكا 1000 دولار. جاك رونوار من فرنسا 500 يورو. برناديت كوستانزي من اليونان 200 يورو، وحسين حداد من لبنان 100 دولار. ليصبح المجموع الاجمالي 2030 دولار. وكل هؤلاء الضحايا تنازلوا عن قضاياهم إذ قالوا بان عملية ابتزازهم جعلتهم اكثر حذراً بالمستقبل. وبما انهم تسلموا ما خسروه من مال بالكامل فانهم متنازلوا عن تتبعه جنائياً. لذلك طرح مبلغ التعويض من مبلغ المكافئة المالية التي منحتها له الشرطة. وبذلك تنازلت الشرطة الدولية الانتربول عن ملاحقته لكنها ابقت على اسمه في سجلات القراصنة على الشبكة العنكبوتية تحسباً لمزاولة اعمال القرصنة مستقبلاً. لذا ارجو من عدالتكم ان تحكموا عليه باخلاء السبيل. هذا ولكم جزيل الشكر والامتنان.

قال القاضي: بالنظر لما تقدم، حكمت المحكمة على المتهم سمير عبد الواحد بالسجن لمدة 10 سنوات كسجن مشروط فيما إذا قام بمزاولة اي عمل مشابه في المستقبل. والآن سيطلق سراحه ويعتبر بريئاً من التهم الموجهة اليه.

صفق الجميع لذلك الحكم فقبّل سمير قريبه فواز واخذ امه وخطيبته عنود ليخرجوا من قاعة المحكمة.

<<< بعد مرور 3 أشهر <<<

جاء سمير لزيارة ام سمير فسألته عن هند قال،

فواز : محاكمتها ستستغرق وقتاً طويلاً لان جرائمها كثيرة ويتطلب الامر التحقيق مع جميع من ابتزت منهم الاموال لذلك انا اعتقد ان تاجيل خطوبة سمير على عنود غير مبررة.

ام سمير : كلامك صحيح. ولكن اخبرني ماذا عن عائلة هند. هل هم موافقون على ما فعلته ابنتهم في ارتكابها تلك الجرائم؟

فواز : اتضح من خلال التحريات ان هند فتاة لقيطة وليس لها عائلة. تربت في مأتم ثم تركت المأتم بسن الثالثة بعد ان تبنتها عائلة السيد سعيد العبيدي. وعند بلوغها سن الرشد. تركت العائلة لتعمل باعمال عدة مثل تنظيف المنازل والعمل كعاملة بمعمل خياطة فسكنت بمشتمل وحدها. بعد ذلك نحن لا نعرف عنها شيئاً لذلك فإن التحقيق ما زال جارياً عن خلفيتها وباقي جرائمها.

<<< بعد مرور 5 أشهر <<<

دخل سمير وزوجته عنود الى منزل قريبه النقيب فواز فرحب بهما ترحيباً كبيراً وقال، "لدي خبر رائع اردت ان ازفه اليكما: اليوم اصدرت المحكمة حكمها بالحبس على هند سعيد العبيدي بالسجن لمدة 12 سنة وبغرامة مالية قدرها 56 مليون دينار ومصادرة جميع اموالها المنقولة وغير المنقولة ومنحت تلك الاموال لضحاياها".

سمير : ونحن ايضاً لدينا بشرى نريد ان نزفها لك: اولاً كما تعلم

فانا اداوم الآن بالجامعة المستنصرية قسم علم الحاسبات وقد حصلت على درجات عالية بامتحان نصف السنة. ثانياً، عنود الآن حامل بشهرها الثالث وانتقلنا الى المشتمل الذي بمحاذات بيتنا.

فواز : وانا لدي خبر اخير اختم به الاخبار السعيدة: لقد أبلغني سعادة وزير الداخلية ان بامكانك ان تصبح مدرب رسمي بالقسم السبراني بشرطة بغداد باوقات فراغك ولكن بصفة مستشار وليس بوظيفة دائمية لان لديك حكم سابق وهذا ما يجعلك من اصحاب السوابق.

*** تمت ***

اخي القارئ، اختي القارئة، هذه القصة هي من نسج الخيال طبعاً وانتم تعلمون ذلك. لكن تجدر الاشارة هنا ان الامكانيات التقنية لقراصنة الشبكة العنكبوتية تزداد يوماً بعد يوم ولا يمكن الاستهانة بها ابداً. الاحصائيات التي ذكرت بداخل هذه القصة عن كمية الاموال المغتضبة من جراء القرصنة خلال عام 2025 كانت مأخوذة من مؤسسة مرموقة للاحصائيات العالمية. المعلومات التقنية الدارجة بالقصة هي معلومات دقيقة من ناحية قابليات الحواسيب ذات السرع الهائلة وعمليات التعقب السبراني (تراكنغ) وطرق استدراج الضحايا باسلوب رخيص في طرح اسعار زهيدة لمنازل معروضة للبيع او الايجار والسيارات واللوازم المنزلية والهواتف المحمولة الباهضة الثمن، لتطرح باسعار متدنية لا يتقبلها العقل البشري. هذه العروض تكاد تكون اقرب الى الخيال فقط كي تجعل الضحية يسقط بالفخ. لذلك وجدت من واجبي كشخص لديه باع كبير بهذا الميدان ان اسطر لكم الاساليب الملتوية التي يقوم بها قراصنة الشبكة العنكبوتية. وقد اعذر من انذر.<<<< الكاتب

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

808 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع