الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - بيدرو تيخيرا.. من البصرة إلى حلب عام ١٦٠٤

بيدرو تيخيرا.. من البصرة إلى حلب عام ١٦٠٤

       

      عراقيون يبحرون في دجلة، 1929(Getty)

 بيدرو تيخيرا.. من البصرة إلى حلب عام 1604

العربي الجديد:حكيم عنكر:في عام 1604، قام الرحالة البرتغالي بيدرو تيخيرا، برحلة إلى العراق، ومنها حاول الوصول إلى حلب. وتعتبر هذه الرحلة من الرحلات الأولى التي تؤرخ لوصول رحالة أجانب إلى هذه المنطقة.

وإذا ما كان الوصول إلى الهند قد أصبح أمرا مألوفا بالنسبة للقوى الكبيرة في تلك الفترة، وعلى رأسها البرتغال والإسبان، فإن وجودا من هذا القبيل في بلاد العراق، لم يكن مألوفا، حتى وإن وصل البرتغاليون إلى خليج عمان.

يؤكد مترجم الكتاب أنيس عبد الخالق محمود، أن تيخيرا استقل في التاسع من شباط سنة (1604) سفينةً برتغاليةً كانت متجهةً إلى الخليج العربي، توقفت في الثاني من آذار في ميناء مصيرة، ومن ثم واصلت رحلتها نحو رأس الحد وخليج عُمان، وبعد أن توقفت قليلاً للتزود بالماء والحطب من مسقط توجهت نحو هرمز.

وفي الحادي والعشرين من مارس/ آذار قرر متابعة رحلته، فغادر على ظهر السفينة ذاتها، وكان قبطانها قد سلك طريقاً بحرياً جنوبي جزيرة قشم· ووصلت السفينة إلى جزيرة خرج في الخامس والعشرين من مارس· ومن هذه الجزيرة تولى قيادة السفينة قبطان محلي أبحر بها إلى شط العرب، الذي وصل إليه في الأول من آب· ويشير أنيس عبد الخالق، إلى أن هذه الرحلة "هي أول رحلة معروفة لرحّالة برتغالي في العصر الحديث بحد علمنا".

ولد تيخيرا في مدينة لشبونة البرتغالية، ولكن تاريخ ولادته ووفاته لا يزال غير مؤكد، مع أن بعض المؤرخين يحددون ولادته بسنة (1570)· وحينما كان في السادسة عشرة من عمره، وصل إلى مدينة غوا الهندية التي كانت خاضعةً للبرتغاليين آنذاك، وبقي فيها ست سنوات· وبين السنوات (1598-1600) كان في ملقا· وبعدها، بين (1601-1605) بدأ رحلته الطويلة لاستعادة أمواله من أحد رفاقه في الهند، وهي الرحلة التي تشكّل الجزء الأعظم من كتابه".

ويرجح أن أصله من عائلة يهودية، يؤكد المتجرم، أنها "لم تجرؤ على الإفصاح عن دينها علناً، أو تلقن أبناءها دين آبائهم· وعلى الرغم من أنه ولد لأبوين يهوديين، ربما كانا يعيشان في لشبونة، فيمكن ملاحظة نزعته الدينية القوية في كل صفحة من صفحات كتابه تقريباً".


التموين في هرمز

بعد محاولات صعبة، سيتمكن تيخيرا من الدخول إلى مياه الخليج العربي قادما من مياه خليج عمان، يكتب "الخميس، 17 حزيران: (4061) بعد أن تهيأنا وتجهزنا بالمؤن في هرمز، واصلنا رحلتنا التي كنا نأمل أن تسير بشكل أفضل؛ فالرياح الشمالية الشرقية في هذا الموسم، كما تأكدنا، تكون أهدأ وأقل عنفاً· إلا أننا، في حقيقة الأمر، وجدنا أن هناك اختلافاً قليلاً عمّا ذُكر.

وفي هذه المرة أبحرنا بعيداً عن جزيرة قشم، وانطلقنا بسرعة نحو الساحل نفسه كما في الرحلة السابقة· واجتزنا مستنقعات كناوة الضحلة، ثم اجتزنا بعدها حصن بوشهر الشهير بوفرة الخبز والفواكه والخضر ذات النوعية الجيدة، وهو يقع ضمن الأراضي الخاضعة للشاه، أو ملك بلاد فارس، الذي شيد عليها ميناءه المحصّن جيداً"·


جزيرة خرج

الملاحة في مياه الخليج العربي محفوفة بالكثير من المخاطر، فهذا الممر المائي مليء بالقراصنة العرب المتصيدين للسفن العابرة، يكتب "وإلى الأبعد باتجاه الشمال توجد جزيرة ريق سيف الدين، أي رمال أو شاطئ سيف الدين، وهي مأهولة بالعرب، مثلها في ذلك مثل الجزء الأعظم من هذا الساحل الفارسي التابع للشاه أو الملك· وبعض هؤلاء العرب يميّزون البرتغاليين، فيأخذون بطاقاتهم أو أجوزة سفرهم، التي يتعرضون من دونها لملاحقة السفن البرتغالية من نوع الفوستات، التي كانت تجوب تلك البحار الضيقة بشكل مستمر.

لذا، فقد كانت علاقة سكان ريق سيف الدين سيئةً مع البرتغاليين، بسبب المظالم التي ذكرناها سابقاً· وبسبب ذلك، فضلاً عن الخوف من الغليوتات الأربعة التي أبحرت معنا أيضاً، فقد هجر السكان جزيرة خرج كلياً، التي تقع مقابل اليابسة بمسافة ثلاثة فراسخ، ويبلغ محيطها أقل من فرسخين.

وهي تشكل ملاذاً جيداً ضد الرياح الشمالية الغربية، كما أن طبيعة أرضها جبلية وصخرية، ومياهها عذبة، وفيها بعض بساتين النخيل، فضلاً عن الخِراف والماعز، كما أنها تنتج كميات كبيرةً من البصل؛ إذ تُرسل الحمولات الكبيرة إلى البصرة وغيرها من الموانئ.

أما أهلها فأغلبهم من العرب· وهنا رسونا في الخامس والعشرين من تموز، ومكثنا أربعة أيام بسبب شدة الرياح المعاكسة· وإلى الشمال من هذا المكان توجد مرتفعات بلاد فارس على امتداد حدّ البحر وعلى مرأى البصر، ولكنها من هذه النقطة فصاعداً تتجه نحو البر، فالأرض منخفضة جداً بحيث لا يمكن تمييزها حتى عند مسافة قريبة جداً· وهناك نهران عميقان مياههما عذبة يصبان في هذه الأنحاء، عند بوشهر وريق سيف الدين"·


قناة خراب

لا بد في هذه الجغرافيا الصعبة من الاستعانة بمرشد، يكتب تيخيرا "من هذا المكان أبحرنا شرقاً، مفتقدين مشهد الأرض تماماً، مع أننا كنا قريبين منها، بسبب مستواها المنخفض· وكان يقودنا مرشد محمّدي، مسلم، توجه بنا نحو جزيرة خرج التي، مع أنها أفضل جزيرة في تلك الأنحاء، جعلتنا قريبين من اليابسة جداً، عند قناة يسميها المحمّديون خراب، أي المكسور، أو المخرّب· فهُم يقولون أن ثمة مدينةً كانت هناك، لكنها غرقت بسبب مستواها المنخفض·

ويبلغ عُرض هذه القناة نحو أربعة فراسخ، وهي كثيرة الضفاف، لذا فغالباً ما يعبرونها بكل الطرق ويُبقون القارب إلى الأمام بسبب التفاوت الكبير في العمق، الذي يبلغ ثلاث قامات على الأقل· وحينما كنا خارجها شاهدنا مسطحات مائيةً أكثر، ويابسةً على كلا الجانبين·

وبعد أن أدرنا ظهرنا إلى الساحل الفارسي وصلنا في الأول من آب إلى مرسىً عند مصب شط العرب، أي نهر العرب، إذ يُدعى النهر الكبير شط، والأصغر خور، أو هور، أو ود؛ ويسمى بالإسبانية الوادي الكبير، والوادي الأكبر، ووديانا، وغير ذلك"·


2- شط العرب

يتكون هذا النهر، شط العرب، الذي يستمد الناسُ المياهَ العذبةَ من قنوات تبعد ثلاثة فراسخ عنه، من التقاء النهرين الشهيرين، دجلة والفرات، عند القرنة، وهي آخر نقطة من بلاد ما بين النهرين، وتقع على بعد ثلاثة أيام شمالي مدينة البصرة، وتوجد فيها قلعة للأتراك تسمى القرنة، أي النقطة، وهي تشرف على القناتين·
وهنا يتحد النهران ليصبا مياههما بين شواطئ مستوية على كلا الضفتين التي يسيطر على السهول الشمالية أو الفارسية منها الزعيم العربي مبارك بن مطلب، الذي يخوض الآن حرباً مع السلطان التركي، مدّعياً بأحقيته في تلك الأراضي وأراضي البصرة· وفي تلك الأراضي توجد مدن مهمة وكبيرة مثل المقدم والحويزة ودورق، وهي مهجورة مع أنها ليست قاحلةً، لكنها غير مزروعة خوفاً من الأتراك·

أما الأراضي الواقعة على الضفة الأخرى، أي الضفة العربية، فهي خصبة ومزروعة وفيها بساتين نخيل شاسعة وبساتين فاكهة وحدائق· وهناك انعطافة كبيرة عند مصب النهر الذي يعود إلى مساره ليتجه هنا من الغرب إلى الشرق· وربما يبلغ عرضه في هذا المكان أقل من ميلين وعمقه في أوطأ مستوىً له نحو ست قامات في هذا الموسم، ومنسوبه منخفض وتياره قوي.


3- أسراب إوز

يقدم تيخيرا لوحة زاخرة لمصب نهري دجلة والفرات، يكتب "على كل شاطئ من هذه الشواطئ شاهدنا قطعاناً وأسراباً كثيرةً، وطيور إوز وبط ودجاج وبهائم أخرى· أما السكان فهُم من العرب الذين يتواصلون في ما بينهم سباحةً على جلود منفوخة =قِرب· وقد جاء الكثيرون منهم إلى سفينتنا لبيع الدجاج البحري والإوز والحليب والزبدة والتمور وغيرها من الأطعمة، وكلها بأسعار زهيدة جداً· وكانت هناك رياح معاكسة قوية، لذا سرنا ببطء مع اتجاه النهر·

وبعد ثمانية أو تسعة فراسخ وصلنا إلى حيث ينقسم النهر على قناتين متساويتين: إحداهما تصبّ جنوباً نحو شبه الجزيرة العربية، وتدخل الخليج الفارسي عند القطيف بالقرب من البحرين، مشكِّلةً لساناً من الأرض على شكل جزيرة ربما يبلغ طولها أكثر من فرسخ·
أمّا القناة الأخرى فهي تلك التي أبحرنا عليها، ومنها على مجرىً منفرد، أوسع وأعمق· وإلى الشمال منها قليلاً وصلنا إلى جُزيرة عند منتصف النهر يبلغ طولها فرسخا واحدا، وعُرضها نصف فرسخ، خضراء جداً وزاخرة ببساتين النخيل والحدائق· والقناة الواقعة على جانب شبه الجزيرة العربية أعمق منها·

فتابعنا رحلتنا ووصلنا عند الساعة الثامنة صباحاً من يوم السادس من آب إلى قرية السرّاجي، الواقعة على بُعد خمسة عشر أو ستة عشر فرسخاً من هذا الشريط، حيث ترسو السفن المحمّلة لتفريغ حمولتها· فألقينا مراسينا قبالة حصنٍ كان الأتراك يشغلونه على جانب النهر، في إقليم مبارك· فقد كان للأتراك الكثير من هذه الحصون هنا، سواء في شمال الحصن أو جنوبه، لحماية المنطقة ومراكبهم من غزوات العرب"·

....

تركتُ السفينةَ ودخلتُ القناةَ، التي ربما يبلغ عمق مياهها قامتين عند الجزْر، وأكثر من ثلاث قامات عند فيضان المدّ· وفيما يخص المدّ والجزْر فهو محسوس هنا، ومع ذلك فالمياه عذبة جداً· وبعد رحلة أقل من فرسخ عبر هذا الجدول الصغير، المزدان من كل جانب بالأراضي المزروعة وبساتين النخيل والحدائق المروية هنا وهناك، وصلنا إلى البصرة·


4 - مدينة البصرة

تقع البصرة، وهي مدينة يسكنها العرب، على بُعد ميلين من شط العرب، المكوّن من التقاء نهري الفرات ودجلة، وتتصل بهما عبر القناة التي سبق ذكرها، وعن طريق اليابسة المعزولة بقنوات طبيعية وقنوات صناعية· وهي تقع على أرض منبسطة، وربما كان فيها عشرة آلاف بيت داخل الحصن وخارجه، معظمها واسعة وفسيحة، لكن بناءها رديء؛ فهي مبنية بالآجر المجفف بالشمس الذي لا يصمد أكثر من ثلاث سنوات إلا ما ندر·

وبيوت الفقراء في العموم من الحصران وحُزم القصب الذي يكثر في الأنهار· وهنا يوجد حصن مربع الشكل، طوله أطول من عُرضه· وجميع الأسوار والمتاريس هنا من الطين، وكلها مهدمة تقريباً· ويحيط بالمدينة خندق عميق وعريض يغذيه رافد، وبداخله نحو عشرة آلاف بيت·

وهنا مركز الحركة التجارية ومعظم الحِرف اليدوية أيضاً، فضلاً عن المقرات الرئيسة ومراكز القيادة ومعظم الحامية التي تتكون إجمالاً من ثلاثة آلاف رجل بين جنود مسلحين وخيّالة، وهم من الأتراك والأكراد والعرب، إلى جانب أولئك الموجودين في المخافر· وهناك الباشا، وهو القائد الأعلى في حالتي السلام والحرب، ودار مكوس تدرّ عوائد كبيرةً تدفع منها نفقات الحاميات وغيرها من التكاليف، ويزيد منها فائض كبير·

وهنا أيضاً دار لصناعة السفن أرسنال، وعدد كبير من المدفعية جيدة الصنع، وبعض القوادس القليلة المصنوعة من قطع الخشب الصغيرة، وهي رديئة الصنع· وقد تمّ تدشين إحداها حينما كنت هناك· ولكن تلك القوادس لم تكن معدّةً ضد البرتغاليين مثلما كتب أحدهم، لأن الأتراك كانوا يعرفون جيداً أنهم لا يستطيعون بمثل تلك القوادس إلحاق الأذى بهم، وإنما كان الغرض منها استخدامها في النهر وفي المناطق المجاورة ليس إلا، لكبح جماح العرب المتمردين الذين كانوا يبتزون منهم إتاوة ثقيلة·

وعلى الرغم من قلة عدد تلك القوادس، إلا أن كلفتها كانت عاليةًَ، لأن أشجار الصنوبر لا تنمو في تلك المنطقة على الإطلاق، كما أن استيراد أخشابه من المناطق الأخرى مكلفٌ·

وثمة جسرٌ خشبيٌ مكونٌ من ثمانية قوارب يمتد على رافد النهر، ولكن في الأماكن الأخرى يعبر الناس على قوارب يسمونها دوانق مصنوعة من قطع خشب صغيرة بسبب شحّة القطع الأكبر· ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه الدوانق غير مجلفطة، فإن الماء لا ينفذ إليها لأنها مغطاة بقار يسمونه قير سأتحدث عنه كثيراً فيما بعد، بدلاً من الزفت·

والبصرة مجهزةٌ تجهيزاً جيداً بالمواد الغذائية وخصيبة، ولاسيما بالتمور التي تكثر هنا بأنواع فاخرة جداً ومتنوعة، حتى أن كميات كبيرةً منها تُصدّر إلى بغداد وإلى موانئ بلاد فارس وهرمز سنويا، لأن تلك المواد تشكل الغذاء الرئيس لعامة الناس· وتنتج التربة هنا كل صنوف الفواكه والخضار والقمح والشعير والرز والحبوب، وهي وفيرة وزهيدة·

وبسبب حركة الاستيراد من بوشهر وريق سيف الدين ودورق، يبقى السعر منخفضاً· وهناك أنواع كثيرة من المواشي الصغيرة والكبيرة، وأنواع كثيرة من الطيور أيضاً، وهناك الأسماك النهرية، لكن طعمها ليس لذيذاً·

...

وهناك تجارة مع هرمز التي تأتي منها كل السلع الهندية، ومع كل من البحرين والقطيف والإحساء وبلاد فارس وبغداد وكل أنحاء شبه الجزيرة العربية· وتنتشر هناك أعداد لا حصر لها من العقارب، وقد شاهدت الكثير منها بحجم الروبيان· والهواء هناك غير صحي والمناخ حار جداً· أمّا السكان فهُم من الأتراك والعرب، ولكن أعداد العرب أكثر، فهُم هنا مواطنون، وملامح معظمهم جميلة، ولاسيما الأطفال والنساء، اللواتي يُقال إنهن لسن عفيفات جداً كذا·
وغالباً ما يستخدم السكان هنا الجِمال والبِغال والحمير والخيول؛ ومنها خيول استيلاد نشطة تُصدّر إلى هرمز للمتاجرة بها في الهند بسبب كثرتها وجودة نوعيتها·

حينما وصلت البصرة كان كثير من بيوتها بحالة خراب، داخل الأسوار وخارجها، وقد أُعيد بناؤها بسرعة كبيرة جداً· وكان السبب في ذلك الخراب أن النار شبّت في مستودع للبارود قبل ثمانية أو عشرة أيام، فانفجرت خمسة آلاف كيس جلدي من البارود، وأحدثت هياجاً شديداً، حتى اعتقد الناس أنها نهاية العالم· وقد حدث ضررٌ عظيمٌ في الجزء الأعظم من هذه المدينة، التي مضى عليها الآن نحو قرنين وهي منتصبة في هذا المكان· أمّا الآن فهي في موقعها الثالث· ويحتل الأتراك هذه المدينة منذ أكثر من خمسين سنةً بعد أن سيطر عليها أحد الطغاة العرب ووضعها تحت تصرفهم·

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

756 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع