
إرم نيوز:كشف مصدر عسكري أمريكي مطلع على ترتيبات الانتشار في الشرق الأوسط، لـ"إرم نيوز"، أن قرار وزارة الدفاع الأمريكية تمديد بقاء عشرات الآلاف من الجنود والقطع البحرية وأسراب المقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي في نطاق القيادة المركزية "سنتكوم" حتى عام 2027، يعكس استعداد واشنطن للتعامل مع المواجهة مع إيران باعتبارها صراعًا طويل الأمد، وليس عملية عسكرية محدودة يمكن حسمها عبر جولة واحدة من الضربات.
ويقول المصدر، إن البنتاغون لم يعد يبني خططه على افتراض انتهاء التهديد الإيراني سريعًا، وإنما يتعامل مع احتمال استمرار عمليات الردع والاعتراض وحماية القوات والمنشآت والممرات البحرية لفترة ممتدة.
وأوضح أن التمديد لا يعني بالضرورة بقاء التشكيلات نفسها دون تغيير وإنما يعكس اتجاها نحو إطالة مدد الانتشار وإعادة توزيع القوات وفق تطورات الموقف الميداني مع الاحتفاظ بقوة كافية للتعامل مع أي تصعيد إيراني مفاجئ.
حماية القواعد الأمريكية وضربات دقيقة
وأضاف المصدر أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا أكبر على حماية القواعد والقوات الأمريكية، وتأمين حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، إلى جانب الحفاظ على قدرة واشنطن على توجيه ضربات دقيقة إذا قررت طهران توسيع نطاق المواجهة.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة ستعمل بالتوازي على زيادة الاعتماد على الدفاعات متعددة الطبقات والطائرات المسيرة والاستطلاع الجوي والبحري، بهدف تقليل الضغط على المقاتلات والسفن وأنظمة الاعتراض التي استُهلكت خلال الأشهر الماضية.
ويكشف المصدر أن استمرار الانتشار حتى 2027 قد يتحوّل إلى نموذج جديد لإدارة الصراع مع إيران، يقوم على مزيج من الضغط العسكري والاقتصادي والردع البحري بدل الرهان على الحسم السريع، مؤكدًا أن واشنطن ستراقب خلال الفترة المقبلة قدرة طهران على مواصلة استهداف القوات الأمريكية وحركة الملاحة، وفي المقابل ستقيس الكلفة التي تتحملها القوات الأمريكية ومدى تأثير ذلك في أولوياتها العسكرية في أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ.
ويأتي قرار تمديد الانتشار في وقت تحولت فيه المواجهة مع إيران من عمليات عسكرية محدودة إلى معادلة أكثر تعقيدًا، بعدما باتت واشنطن مطالبة بالحفاظ على حضور عسكري كبير في المنطقة بالتوازي مع حماية مصالحها وقواتها.
تمديد الانتشار.. إستراتيجية استنزاف
ويعد تمديد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث انتشار نحو 50 ألف جندي و19 سفينة حربية، إلى جانب أسراب من المقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي، حتى عام 2027 مؤشرًا على تحوّل هيكلي في طريقة إدارة واشنطن للصراع مع طهران.
فبدل التعويل على ضربات سريعة وحاسمة تؤدي إلى إنهاء التهديد الإيراني، تتجه الإدارة الأمريكية إلى نموذج يقوم على الردع الممتد والوجود العسكري المستمر، بما يسمح للبنتاغون بالحفاظ على خيارات التصعيد، لكنه يفرض في المقابل أعباء متزايدة على القوات الأمريكية.
وتشير التقييمات العسكرية إلى أن البنتاغون لا يعتمد بصورة أساسية على استبدال جميع الوحدات المنتشرة بقوات جديدة، وإنما يعمل على تمديد مدد خدمة التشكيلات الموجودة وإعادة توزيع الأصول العسكرية بين مناطق العمليات.
الدفاع الجوي تحت الضغط
ومن أبرز مظاهر هذا التوجه ارتفاع متوسط بقاء وحدات الدفاع الجوي، بما فيها بطاريات «باتريوت» و«ثاد»، من نحو تسعة أشهر إلى 12 شهرًا متواصلة، في وقت يجري فيه تحويل بعض القطاعات التي كانت مخصصة لمهام في أوروبا والمحيط الهادئ نحو منطقة مسؤولية «سنتكوم».
وتعكس هذه الخطوة حجم الضغط الذي تواجهه منظومة الانتشار الأمريكية، إذ لم تعد القوات مطالبة فقط بتنفيذ مهام الردع، وإنما بحماية قواعدها ومنشآتها من موجات متكررة من الصواريخ والطائرات المسيرة.
كما أن تمديد الانتشار يفرض أعباء إضافية على عمليات الصيانة والتدوير والتدريب، خصوصًا عندما تبقى الوحدات القتالية في مناطق العمليات لفترات أطول من المدد التقليدية.
19 سفينة في مرمى الاستنزاف
وأبقى البنتاغون كذلك على 19 سفينة حربية، من بينها مجموعات ضاربة لحاملات الطائرات مثل «يو إس إس تيودور روزفلت» و«يو إس إس جيرالد فورد»، مدعومة بمدمرات مزودة بصواريخ موجهة.
وتشير المعطيات العسكرية إلى أن مدد الانتشار البحري ارتفعت من المتوسط التقليدي البالغ 6 إلى 9 أشهر إلى ما بين 11 و14 شهرًا في بعض الحالات، وهو معدل يضع ضغطًا استثنائيًّا على أطقم السفن وبرامج الصيانة وجاهزية الأسطول.
ولا يرتبط الضغط فقط بمدة البقاء في البحر، وإنما بالاستهلاك المتزايد للصواريخ الاعتراضية خلال التعامل مع الصواريخ والطائرات المسيرة؛ ما يجعل إعادة بناء المخزونات وتوفير قطع الغيار أحد التحديات الرئيسية أمام البنتاغون خلال المرحلة المقبلة.
الصين تدفع ثمن الاستنزاف
في السياق، يشير توم كاراكو، الخبير بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية «CSIS»، إلى أن استنزاف أنظمة الدفاع الجوي والمدمرات الأمريكية في الشرق الأوسط يعني سحب أصول عسكرية حيوية من مناطق كانت مخصصة أصلًا لردع الصين في بحر الصين الجنوبي ومحيط تايوان.
ويقول كاراكو لـ«إرم نيوز» إن إعادة توجيه أسراب المقاتلات ووحدات الدفاع الجوي التي كان مقررًا انتشارها في أوروبا يفرض كذلك ضغوطًا إضافية على الحلفاء الأوروبيين، في وقت تواجه فيه القارة ضغوطًا أمنية متزايدة من روسيا.
ويضيف أن البقاء الطويل للقطع البحرية في البحر، بالتزامن مع الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية، يؤدي إلى تأخير جداول الصيانة وإعادة التأهيل، وهو ما يمكن أن ينعكس على جاهزية الأسطول الأمريكي لسنوات مقبلة إذا استمر نمط الانتشار الحالي.
إيران تراهن على الوقت
من جانبه، يرى براين آدامز، المحلل العسكري والإستراتيجي، أن هذه التحرّكات تعكس نجاح إيران في نقل المواجهة مع الولايات المتحدة من مرحلة الاستهداف المباشر والمحدود إلى نموذج من الاستنزاف الهادئ والممتد.
ويقول آدامز لـ«إرم نيوز» إن تمديد الانتشار حتى 2027 يعني أن واشنطن باتت مضطرة إلى تأجيل جزء من أولوياتها المرتبطة بمنافسة القوى الكبرى، وتحديدًا الصين وروسيا، من أجل الحفاظ على مستوى مرتفع من الردع في الشرق الأوسط.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تراهن على أن الجمع بين الوجود العسكري والضغط الاقتصادي سيؤدي في النهاية إلى دفع إيران نحو التراجع، بينما تراهن طهران على عامل الوقت وقدرتها على تحمل الضغوط وإبقاء تكلفة الانتشار الأمريكي مرتفعة.

732 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع