"جرف الصخر" اختبار جدي لمسار ضبط سلاح الميليشيات في العراق

العرب/بغداد – أعادت تصريحات أطلقها محافظ بابل، جنوبي العاصمة العراقية بغداد، بشأن السكان الأصليين لمنطقة جرف الصخر، تسليط الضوء على قضية المنطقة التي استولت عليها مجموعة من أقوى الميليشيات الشيعية وأكثرها تطرفا سنة 2014، بذريعة تطهيرها من مقاتلي تنظيم داعش، فأفرغتها من سكانها، وغيرت اسمها إلى “جرف النصر”، وحولتها إلى أكبر معسكر لها.

ويحتوي الجرف على مركز قيادة وتحكم وتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، ومخازن للسلاح، وورش لتجميع قطع الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة من إيران، مستغلة ميزته الطبيعية الملائمة للعمل بعيدا عن الأنظار، بفعل كثافة غطائه النباتي العائدة إلى ثراء تربته ووفرة مياهه.

ومع كثافة الحديث الدائر في العراق حاليا حول نزع سلاح الميليشيات وضبط أنشطتها، لاح بصيص من الأمل للسكان المهجّرين الذين اصطدمت مطالبهم بالعودة إلى ديارهم، طوال اثنتي عشرة سنة، باعتراض الميليشيات والأحزاب المرتبطة بها والمتنفذة في الحكومات المتعاقبة منذ عام 2014، لكن تصريحات محافظ بابل علي تركي، المنتمي إلى كتلة “صادقون” الممثلة لعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، قطعت الشك باليقين بشأن رفض تصحيح الوضع الديمغرافي في الجرف.

وقال المحافظ، في مقابلة تلفزيونية، إن “أهل الجرف (المهجّرين) موجودون داخل المسيب، ولديهم منازل في الحصوة والإسكندرية”، مؤكدا تأييده لإبقاء المنطقة خالية من سكانها السابقين لأنها “خاصرة أمنية”، مضيفا “اليوم أضحي بناحية من أجل محافظة أو محافظات. وهذا التقييم موجود أمنيا. والأفضل أن نبقي على قواتنا من الحشد والأجهزة الأمنية في منطقة الجرف.”

ويعيد كلام المحافظ ترسيخ العذر الطائفي الذي استُخدم في إفراغ جرف الصخر من سكانه، والمتمثل في أن هؤلاء السكان، المنتمين إلى المكون السني، مثلوا دائما حاضنة لتنظيم القاعدة ولاحقا لتنظيم داعش، في منطقة حساسة تمثل بوابة جنوبية للعاصمة بغداد ونقطة ربط بين محافظات الجنوب والوسط والغرب.

ويرى مهتمون بملف ضبط فوضى السلاح في العراق ونزع سلاح الميليشيات وتفكيك الفصائل المسلحة، في قضية جرف الصخر، اختبارا جديا لمدى قدرة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي على المضي في تنفيذ وعودها الكبيرة التي قطعتها في هذا الشأن.

ويقول هؤلاء إن تفكيك الميليشيات يمر حتما عبر تفكيك أكبر معسكر لها في البلاد، وتطبيع الأوضاع في المنطقة التي يحتضنها، ورفع المظلمة عن سكانها، التي مثلت عبئا أخلاقيا وحقوقيا على الحكومات التي تعاقبت منذ عام 2014، ولم تنجح في إزالته عن كاهلها بسبب نفوذ الميليشيات داخلها.

ويعتبر كلام المحافظ بشأن جرف الصخر علامة على تواصل ذلك النفوذ داخل الحكومة الحالية، إذ ترجم علي تركي بأمانة منظور الفصائل المسلحة التي ينتمي إلى إحداها بشأن المشهد الأمني في البلاد، على أساس أن الميليشيات جزء منه لا يمكن إلغاؤه أو الانتقاص من دوره.

وأثارت تصريحات المحافظ حالة من الغضب لدى المهتمين بقضية سكان جرف الصخر، وبعضهم من القادة السياسيين السنة الذين كثيرا ما اتهمهم مكونهم بأنهم يستخدمون قضاياه لمجرد الدعاية السياسية، بينما هم جزء من ماكينة الحكم ومستفيدون منها، ولا يختلفون عن نظرائهم من قادة المكون الشيعي بشأن رغبتهم في بقاء الوضع كما هو.

وعلق السياسي السني خميس الخنجر على تصريحات محافظ بابل بشأن منع أهالي جرف الصخر من العودة إلى مناطقهم، معتبرا أنها تندرج ضمن جرائم الحرب.

وقال في بيان “تمثل تصريحات محافظ بابل علي تركي، المتعلقة باستمرار تهجير نحو 120 ألف عراقي من ناحية جرف الصخر، وانتزاع ممتلكات وأراضي أهلها، إعلانا صريحا لمشروع تغيير ديمغرافي طائفي في محافظة بابل، يندرج رسميا ضمن جرائم الحرب التي نصت عليها المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة 1/7 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي أدانت عمليات إبعاد السكان أو النقل القسري لهم كجريمة ضد الإنسانية.”

وقال “إن إفراغ جرف الصخر من سكانها الأصليين ومنعهم من العودة إلى منازلهم منذ 12 عاما، وإبقاء المنطقة مغلقة أمام مؤسسات الدولة والجهات الرقابية ووسائل الإعلام، هو نموذج فاضح للتغيير الديمغرافي القسري القائم على اعتبارات طائفية، تنفذه ميليشيات خارج إطار القانون.”

وأضاف “يتذرع المحافظ بتبريرات أمنية واهية، ويناقض في الوقت نفسه تصريحاته، خاصة أنه مُنع قبل أيام من قبل إحدى الجماعات المسلحة في بابل من الدخول إلى المنطقة، وتم إشهار السلاح بوجهه وطرده، رغم مواقفه الطائفية المؤيدة لجماعات السلاح المنفلت. ويزعم المحافظ التضحية بناحية جرف الصخر تحت خانة الأفضلية، لا بقانون أو إجراء دستوري، لذا نرى أن الأفضل هو التضحية بشخص مثله من قبل الكتلة الداعمة له، من أجل السلم الأهلي والتعايش بين مكونات الشعب العراقي.”

وأوضح أنه “في الوقت الذي نحمل فيه المؤسسات المعنية في الدولة العراقية مغبة السكوت عن مشاريع التغيير الديمغرافي هذه، نؤكد أن عودة أهل جرف الصخر، والعوجة، والعويسات، والسعدية، ويثرب، وعزيز بلد، وسليمان بيك، وذراع دجلة، وجزيرة سامراء، والقرية العصرية، ومجمع الفوسفات، ومناطق أخرى في ديالى ونينوى وصلاح الدين والأنبار، حق قائم لا ينتهي.”

وتابع قائلا “نؤكد أن طي صفحة النزوح، ورفع يد الميليشيات عن المناطق التي تحتلها، وإعادة أهلها إليها، هو مفتاح الاستقرار الحقيقي والمستدام، والاختبار الأول لمعنى دولة المؤسسات والقانون التي ننشدها ونسعى إليها.”

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

828 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع