بلاد العجائب كيف تصبح وزيرًا في وزارة سيادية مهمة؟
- التفاصيل
- تم إنشاءه بتاريخ الجمعة, 06 تشرين2/نوفمبر 2026 08:00
- كتب بواسطة: المهندس بدري نوئيل
بدري نوئيل يوسف
بلاد العجائب كيف تصبح وزيرًا في وزارة سيادية مهمة؟
عزيزي المواطن في بلاد العجائب، هل سئمت وظيفتك المتواضعة؟ هل تعبت من الانتظار في طوابير التعيين؟ هل تحمل شهادة جامعية، وخبرة طويلة، وتظن أن الكفاءة والاجتهاد هما الطريق إلى المناصب العليا؟
إذا كانت إجابتك نعم، فأرجو أن تعيد النظر في معلوماتك، لأنك على الأرجح لم تدرس جيدًا منهج الوصول إلى المناصب في بلاد العجائب!
لا تقلق، فقد أعددنا لك هذا الدليل المبسط، الذي قد يساعدك على فهم بعض أسرار الوصول إلى كرسي الوزارة، خصوصًا إذا كنت تطمح إلى وزارة سيادية مهمة.
ولكن قبل أن تبدأ، تذكّر أن هذا الدليل ساخر، وأن ما سنعرضه ليس شروطًا رسمية للتعيين، بل قراءة تهكمية في مفارقات توزيع المناصب السياسية.
الدرس الأول: لا تبدأ بسؤال «ماذا أعرف؟» بل (من يعرفني).
في الدول التي تحترم الاختصاص، يبدأ الطريق إلى المنصب بالسؤال عن الشهادة والخبرة والكفاءة والسجل المهني.
أما في بلاد العجائب، فإن المواطن الذي يريد فهم اللعبة السياسية يحتاج إلى قاموس إضافي.
فبدلًا من أن يسأل: ما خبرتي في إدارة المؤسسات؟ قد يجد نفسه يسأل: ما حجم شبكة العلاقات التي أمتلكها؟ ومن يستطيع أن يدعمني؟ وهل لديّ مكان في خريطة التفاهمات السياسية؟
لا يعني ذلك أن كل تعيين سياسي يخلو من الكفاءة، أو أن كل مسؤول يصل إلى منصبه عن طريق العلاقات وحدها. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح العلاقات السياسية أكثر تأثيرًا من المعايير المهنية، وعندما يشعر المواطن بأن السيرة الذاتية تأتي بعد الاتفاقات، لا قبلها.
ففي بلاد العجائب، قد تحتاج إلى ملف مهني ممتاز، ولكنك تحتاج أيضًا إلى أن يعرف أحدهم أن ملفك موجود!
الدرس الثاني: اختر الوزارة قبل أن تختار التخصص!
هل أنت مهندس؟ ممتاز.
هل أنت طبيب؟ رائع.
هل درست القانون أو الإدارة أو العلوم السياسية؟ أحسنت.
ولكن لا تتسرع في اختيار مستقبلك، فالمهم في بلاد العجائب ليس دائمًا أن تختار الوزارة التي تناسب تخصصك، بل أن تعرف أي وزارة ستدخل ضمن حصتك السياسية!
وزارة الصحة تحتاج إلى فهم النظام الصحي وإدارة المستشفيات، ووزارة التربية تحتاج إلى معرفة بالتعليم، ووزارة البيئة تحتاج إلى خبرة في الملفات البيئية، أما وزارة سيادية فتتطلب فهمًا عميقًا للمؤسسات التابعة لها والقانون وحقوق المواطنين وإدارة الأجهزة الكبيرة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يثير فضول المواطن: هل يُختار المسؤول لأن خبرته تناسب الوزارة، أم
تُختار الوزارة أولًا، ثم نبحث عن مبررات مناسبة لاختيار المسؤول؟
وهنا تظهر عبقرية بلاد العجائب؛ إذ يمكن أن تبدأ عملية البحث عن الوزير بعد أن تنتهي المفاوضات على الوزارة!
أما المواطن، فينتظر النتيجة، ثم يتمنى أن يكون الاختيار موفقًا، لأن الوزارة ليست مختبرًا لتجربة الحظ، وحياة الناس ليس مشروعًا تجريبيًا.
الدرس الثالث: أتقن فن المفاوضات!
إذا أردت الوصول إلى وزارة سيادية، فعليك أن تفهم أن تشكيل الحكومة ليس مسابقة توظيف تقليدية، ولا مقابلة عمل يسأل فيها المدير المرشح عن خبراته ومشاريعه.
إنه مسار سياسي تتداخل فيه مواقف الكتل، والتوازنات، والتفاهمات، والمصالح، والاعتبارات الدستورية.
وهذه أمور موجودة بدرجات مختلفة في الأنظمة السياسية، ولا يعني وجودها وحده أن الاختيار خاطئ.
لكن العجيبة في بلاد العجائب تظهر عندما تتحول المفاوضات من وسيلة لتشكيل حكومة قادرة على العمل إلى غاية بحد ذاتها، وعندما يصبح السؤال عن حصة كل طرف أكثر إلحاحًا من السؤال عن احتياجات الوزارة.
تبدأ الاجتماعات، وتُفتح الأبواب المغلقة، وتُتداول الأسماء، وتظهر الاعتراضات، ثم تختفي بعض الأسماء وتعود أخرى.
وفي الخارج، يقف المواطن أمام شاشة هاتفه، يتابع الأخبار العاجلة، محاولًا أن يعرف من سيتولى الوزارة التي يفترض أن تحمي حقوقه.
أما إذا سألته عن برنامج الوزير المقبل، فقد يجيبك: دعنا نعرف أولًا من سيكون الوزير، وبعدها نبحث عن البرنامج!
وهكذا تصبح الحقيبة الوزارية أشبه بحقيبة سفر؛ يتفاوض الجميع على من يحملها، بينما لا يعرف المسافر دائمًا إلى أين ستصل الرحلة.
الدرس الرابع: الوزارة السيادية ليست حقيبة عادية!
هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا عن الضحك.
فوزارة سيادية ليست دائرة لتوزيع المعاملات، ولا مؤسسة يمكن قياس نجاحها بعدد المؤتمرات الصحفية التي يعقدها الوزير.
إنها مؤسسة ضخمة تتصل بحقوق المواطنين، وتنفيذ القانون، وحماية الحقوق، وإدارة الموارد البشرية والمالية، والتعامل مع تحديات اجتماعية وإدارية متشابكة.
ولهذا، فإن اختيار وزيرها يجب أن يستند إلى معايير واضحة تتناسب مع خطورة المسؤولية.
ليس المطلوب أن يكون الوزير خبيرًا في كل تفصيل فني، فالإدارة الحديثة تقوم على فرق متخصصة، لكنه يحتاج إلى قدرة قيادية، وفهم مؤسسي، ونزاهة، واحترام للقانون، واستعداد للاستماع إلى الخبراء واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة.
والأهم أن يكون مستعدًا لتحمل المسؤولية عن النتائج، لا أن ينسب النجاحات إلى نفسه ويترك
الإخفاقات للظروف والوزارات السابقة.
فإذا كان المنصب سياديًا، فإن معايير اختياره ينبغي أن تكون أعلى، لا أن تصبح أقل وضوحًا بحجة حساسية التوازنات السياسية.
فالسيادة ليست امتيازًا يمنح لصاحب الحصة، بل مسؤولية تتعلق بالدولة والمواطنين.
الدرس الخامس: ماذا عن الشهادة والخبرة؟
لا تقلق، عزيزي المواطن، فالشهادة مهمة، والخبرة مهمة، والاختصاص مهم، والنزاهة مهمة.
لكن السؤال ليس ما إذا كانت هذه المعايير جميلة على الورق؛ السؤال هو: كيف نضمن أنها تؤثر فعلًا في الاختيار؟
هل تُعلن معايير واضحة للترشيح؟
هل يستطيع المواطن أن يعرف المسار المهني للمرشح وخبراته ذات الصلة؟
هل تُناقش قدرته على إدارة المؤسسة التي سيتولاها؟
هل توجد آليات لتقييم أدائه ومحاسبته إذا أخفق؟
وهل يُسمح للخبراء والمؤسسات المهنية بأن يقدموا رأيهم بصورة مستقلة؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فإن الثقة بالمؤسسات تزداد. أما إذا بقيت الأسماء تتداول في الغرف المغلقة، ولم يعرف المواطن سوى النتيجة النهائية، فسيظل السؤال عن معايير الاختيار حاضرًا.
ولا ينبغي أن يكون هذا السؤال اتهامًا مسبقًا لأي مرشح؛ بل هو حق عام، لأن المنصب العام ليس شأنًا خاصًا بين القوى السياسية وحدها.
الدرس السادس: إذا أصبحت وزيرًا، لا تنسَ من رشحك!
في بلاد العجائب، توجد لحظة حساسة بعد إعلان اسم الوزير.
فقد يقضي المرشح أيامًا في انتظار الاتفاق، ثم تأتي لحظة إعلان التشكيلة الحكومية، وتبدأ التهاني والتبريكات، وتلتقط الصور، وتُكتب العبارات الجميلة عن خدمة الوطن.
وهنا يأتي الاختبار الحقيقي.
هل يتصرف الوزير باعتباره مسؤولًا عن جميع المواطنين، أم باعتباره ممثلًا للجهة التي دعمته؟
هل يختار فريقه على أساس الكفاءة، أم يشعر بأنه مطالب بإرضاء من ساعدوه في الوصول؟
هل يتعامل مع الوزارة باعتبارها مؤسسة للدولة، أم باعتبارها امتدادًا للمفاوضات التي أوصلته إليها؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بشخص بعينه، بل بأي مسؤول يصل إلى منصب عام في ظل نظام تتداخل فيه التفاهمات السياسية مع عملية التعيين.
فالوزير، بمجرد تسلمه مسؤولياته، مطالب بخدمة الدولة والمواطنين وفق القانون، لا برد الجميل السياسي على حساب المصلحة العامة.
وإذا كان المنصب قد جاء بعد تفاوض سياسي، فإن النجاح يبدأ عندما تصبح قرارات الوزير محكومة بالقانون والكفاءة، لا باستمرار التفاوض.
الدرس السابع: لا تسأل عن النجاح قبل أن تنتهي فترة التصريحات!
في الأيام الأولى، تكون الكلمات كبيرة والأهداف طموحة.
سيجري التطوير، وستتحسن الخدمات، وستُعالج المشكلات، وستُراجع الملفات، وستُحارب المخالفات.
وكل ذلك جميل، لكن المواطن في بلاد العجائب سمع كثيرًا من الوعود، ولذلك لم يعد يريد أن يقيس أداء المسؤول بعدد الكلمات التي يقولها في بداية عهده.
إنه يريد أن يرى نتائج يمكن قياسها: تحسنًا في الأداء، واحترامًا للقانون، وشفافية في القرارات، ومعالجة للمشكلات، ومحاسبة للمقصرين.
وبالنسبة إلى وزارة سيادية تحديدًا، فإن النجاح لا يُقاس بكثرة التصريحات وحدها، بل بمدى تطبيق القانون على الجميع، وحماية المواطنين، وتحسين أداء المؤسسات، وصون الحقوق والحريات.
وهنا نقترح تعديل شروط الحصول على المنصب في دليل بلاد العجائب، بإضافة اختبار جديد:
يُسأل المرشح قبل توليه الوزارة: ما الذي ستنجزه؟ ثم يُسأل بعد عام: ماذا أنجزت فعلًا؟
إذا كان هذا السؤال بسيطًا إلى درجة أنه لا يستحق أن يُطرح، فلماذا لا نجعله قاعدة أساسية في تقييم الوزراء؟
الخاتمة: مبروك المنصب… والامتحان بدأ الآن!
عزيزي المواطن، إذا كنت لا تزال تحلم بأن تصبح وزيرًا في بلاد العجائب، فلا تيأس من قراءة هذا الدليل الساخر، لكن لا تخلط بين السخرية والقواعد الدستورية الحقيقية.
فالدولة تحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى قيادات كفؤة، والقيادات تحتاج إلى معايير اختيار عادلة وشفافة.
ولا عيب في أن تشارك القوى السياسية في تشكيل الحكومة وفق النظام الدستوري، لكن العيب أن تتحول المشاركة السياسية إلى بديل عن الكفاءة، أو أن تُعامل الوزارة وكأنها ملكية خاصة لمن حصل على حصته في المفاوضات.
إن المواطن لا يريد أن يعرف فقط من فاز بالحقيبة الوزارية، بل يريد أن يعرف ماذا سيفعل بها، وكيف سيحاسَب، وما الذي سيتغير في حياته.
فالوزارة ليست غنيمة حزبية، والوزارة السيادية ليست جائزة ترضية، وحقوق المواطن ليس حصة في مفاوضات تشكيل الحكومة.
وفي بلاد العجائب، قد يكون الوصول إلى الكرسي نهاية رحلة طويلة من التفاهمات، لكنه بالنسبة إلى المواطن يجب أن يكون بداية رحلة من العمل والمحاسبة.
أما نحن، فسنواصل كتابة الدليل، فصلًا بعد فصل، حتى يأتي يوم يصبح فيه السؤال في برد العجائب: «من هو الأكفأ لخدمة الوطن؟» لا لمن ستكون هذه الوزارة؟.
وعندها فقط، ربما نحتاج إلى تغيير اسم سلسلتنا من «بلاد العجائب» إلى «بلاد المؤسسات»!
لكن لا تستعجلوا؛ فما زلنا في بلاد العجائب، والجزء القادم من الدليل قد يحمل عنوانًا جديدًا:
كيف تصبح مستشارًا للوزير، حتى لو لم يعرف الوزير لماذا اختارك؟

























































































