لماذا نفتقد البساطة في زمن الرفاهية؟
- التفاصيل
- تم إنشاءه بتاريخ الأربعاء, 04 تشرين2/نوفمبر 2026 21:33
- كتب بواسطة: إبراهيم المحجوب

بقلم إبراهيم المحجوب
لماذا نفتقد البساطة في زمن الرفاهية؟
عندما نتأمل حياتنا اليوم، ونقارنها بما كنا نعيشه قبل عقود من الزمن، نجد أنفسنا أمام مفارقة غريبة؛ فقد أصبحت وسائل الراحة أكثر انتشاراً، وتطورت التكنولوجيا، وتعددت مصادر المعرفة والاتصال، وأصبح الإنسان يمتلك من الإمكانات ما لم يكن متاحاً لأجيال سبقتنا، ومع ذلك نلاحظ أن الشعور بالطمأنينة والسعادة أصبح أقل حضوراً في حياة كثير من الناس.
فلماذا كنا نشعر بالسعادة في بيوتنا البسيطة، ونفرح بأشياء صغيرة، بينما نعيش اليوم وسط مظاهر الرفاهية ونبحث عن السعادة دون أن نجدها بسهولة؟
في قرانا العراقية، وخصوصاً في مناطق جنوب الموصل، كانت للحياة نكهة مختلفة. كانت البيوت متواضعة، والأبواب مفتوحة أمام الجيران والأقارب، وكانت جلسات المساء تجمع الرجال والنساء والأطفال في أجواء من الألفة والمحبة. لم تكن لدينا وسائل الاتصال الحديثة، لكننا كنا نعرف أخبار بعضنا من خلال الزيارة والسؤال، ولم تكن الموائد عامرة بكل ما نراه اليوم، لكنها كانت تحمل طعم المحبة والرضا.
أتذكر أيام الطفولة عندما كنا ننتظر مواسم الحصاد، ونفرح برؤية سنابل الحنطة والشعير، ونجتمع حول التنور ورائحة الخبز الحار، وننتظر عودة الآباء . كانت ألعابنا بسيطة، وملابسنا متواضعة، لكن ضحكاتنا كانت صادقة، وكانت فرحتنا بأبسط الأشياء لا تحتاج إلى مناسبة كبيرة.
وفي المناسبات الاجتماعية، لم تكن قيمة الإنسان بما يملكه من مال أو مساحة بيته، بل بما يحمله من شهامة وكرم ووفاء. كان الجار يسأل عن جاره، والقريب يقف إلى جانب قريبه، وإذا مرض أحد أبناء القرية وجد أهلها حوله، وإذا أقيم عرس أو مجلس عزاء شارك الجميع دون انتظار دعوة خاصة.
أما اليوم فقد تغيرت تفاصيل كثيرة من حياتنا. أصبح الهاتف يجمع البعيد، لكنه أحياناً يبعد القريب. وأصبحت مواقع التواصل تعرض علينا حياة الآخرين بكل مظاهرها، حتى دخلت المقارنة إلى بيوتنا، وأصبح البعض يقيس سعادته بما يملكه غيره، بدلاً من أن ينظر إلى النعم التي بين يديه.
لقد تحول جزء من حياتنا إلى سباق مستمر؛ سباق في امتلاك الأشياء، وملاحقة المظاهر، والحصول على المكانة الاجتماعية. وأصبح بعض الناس يقيسون نجاحهم بعدد المتابعين أو قيمة المقتنيات أو حجم العلاقات، بينما تتراجع أحياناً قيمة الجلسة العائلية والحديث الصادق والسؤال عن إنسان غاب عنا.
وليس معنى ذلك أن نرفض التطور أو نتمسك بالماضي بكل تفاصيله، فالتقدم العلمي والتكنولوجي ضرورة لحياة أفضل، وقد قدم للإنسان خدمات عظيمة في الطب والتعليم والاتصال والعمل. لكن المشكلة عندما تتحول الوسائل إلى غايات، وعندما نمتلك كل شيء تقريباً وننسى كيف نستمتع بما نملك.
إن الرفاهية الحقيقية ليست في كثرة الأثاث ولا في فخامة المنازل ولا في امتلاك أحدث الأجهزة، بل في أن يعيش الإنسان مطمئناً، وأن يجد من يسمعه عندما يتحدث، ومن يقف معه عندما يحتاج، وأن يجلس مع أسرته دون أن تشغله شاشات الهواتف عن وجوه أحبائه.
ولعل الأجيال الجديدة بحاجة إلى أن تتعرف على شيء من تلك الحياة البسيطة، لا لكي تعود إلى ظروف الماضي الصعبة، وإنما لكي تتعلم أن السعادة لا تحتاج دائماً إلى المال، وأن احترام الكبير، ومساعدة الجار، وصلة الرحم، والوفاء للأصدقاء، قيم لا يمكن لأي تطور تقني أن يعوض غيابها.
إننا لا نشتاق إلى الفقر أو الحرمان أو قلة الإمكانات التي عشناها في بعض مراحل الماضي، بل نشتاق إلى روح الحياة التي كانت تجمعنا، وإلى صدق العلاقات التي لم تكن تحكمها المصالح، وإلى تلك الأيام التي كان فيها الإنسان يجد مكانه بين أهله دون أن يحتاج إلى تعريف بنفسه أو إثبات لمكانته.
إن أجمل ما في البساطة أنها تجعل الإنسان قريباً من نفسه ومن الآخرين، وتعلمه أن قيمة الحياة ليست فيما نمتلكه، بل فيما نشعر به ونمنحه لمن حولنا.
وفي نهاية المطاف، ربما لا نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نستعيد بعضاً من جماله في حاضرنا؛ بزيارة قريب، والسؤال عن جار، وجمع الأبناء حول مائدة واحدة، وتعليمهم احترام الناس، والابتعاد عن التفاخر والمظاهر.
فالحياة لا تحتاج دائماً إلى مزيد من الرفاهية حتى تصبح أجمل، بل تحتاج إلى مزيد من المحبة والقناعة والوفاء.
لقد تطورت وسائل عيشنا، لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل تطورت علاقاتنا الإنسانية بالقدر نفسه؟
تلك هي البساطة التي نفتقدها، وتلك هي السعادة التي لا تُشترى بالمال....

























































































