بلاد العجائب ... حين يكون المال كثيراً والإنجاز قليلاً

بدري نوئيل يوسف

بلاد العجائب ... حين يكون المال كثيراً والإنجاز قليلاً

في بلاد العجائب، لا تسأل عن المال... فالمال موجود، والحمد لله، وربما أكثر مما تحتاجه البلاد لبناء مستقبل يليق بأبنائها. لكن المشكلة أن المال، في هذه البلاد العجيبة، يبدو أنه يعرف طريقه جيداً إلى الجيوب، أكثر مما يعرف طريقه إلى الجامعات والمختبرات والمصانع والمستشفيات ومشاريع التنمية.

نحن في برد العجائب لا نعاني من قلة المال بقدر ما نعاني من كثرة الأيدي التي تعرف كيف تمدّ يدها إليه!
بلادنا تملك الثروات، وتملك العقول، وتملك الشباب، وتملك الأرض والماء والتاريخ والموقع الجغرافي، ومع ذلك ما زلنا نركض خلف العالم ونحن نحمل في أيدينا خريطة قديمة!
في بلاد العجائب، يمكن أن تسمع عن مليارات الدولارات، ثم تسأل عن مشروع علمي كبير فلا تجد جواباً واضحاً. وتسأل عن جامعة تدخل المنافسة العالمية، فيقال لك: "إن شاء الله في المستقبل". وتسأل عن صناعة متطورة، فيأتيك الجواب: "نحن نستوردها". وتسأل عن الاختراع في بلاد العجائب الذي سيغير حياة الناس، فيقال لك: "لدينا طاقات شبابية واعدة".
و"واعدة" هذه كلمة جميلة جداً... فهي تسمح لنا بأن نفتخر بالمستقبل من دون أن نزعج أنفسنا بإنجاز شيء في الحاضر!
نحن متقدمون... ولكن إلى الخلف!
العالم يركض نحو الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطاقة النظيفة، والطب المتقدم، والفضاء، والصناعات الحديثة. أما نحن، فقد ندخل في نقاش طويل حول من المسؤول عن تأخر مشروع شارع، ثم نكتشف بعد سنوات أن الشارع نفسه يحتاج إلى مشروع آخر لإصلاح المشروع الأول!
في بلاد العجائب، قد يكون المشروع عمره سنة واحدة، لكنه يحتاج إلى صيانة وكأنه عاش معنا منذ العهد العثماني. والأغرب أن بعض المشاريع تولد متعبة، وتكبر متعبة، ثم تموت قبل أن يعرف المواطن لماذا وُلدت أصلاً.
العلماء يبحثون عن مختبر... والمال يبحث عن طريق آخر
العالم في بلاد العجائب لا يحتاج إلى معجزة حتى يبدع. يحتاج إلى مختبر محترم، وتمويل علمي، ومؤسسة تحمي البحث العلمي، وبيئة تشجع الاختراع، ومسؤول يؤمن بأن العالم ليس موظفاً ينتظر نهاية الشهر.
لكن في بلاد العجائب قد يجد الباحث نفسه مضطراً إلى البحث عن تمويل لبحثه، بينما توجد أموال طائلة تُصرف في مجالات أخرى لا تنتج علماً ولا صناعة ولا معرفة.
وهنا تبدأ المفارقة:
العالم يبحث عن فرصة، والفرصة تبحث عن واسطة!
وقد يكون الاختراع جاهزاً، لكن ملفه ليس جاهزاً. وقد يكون الباحث حاصلاً على أعلى الشهادات، لكن شهادته لا تعرف الشخص المناسب!
اقتصاد غني... ومواطن ينتظر
بلاد العجائب بلد غني بالموارد، وهذه ليست نكتة. لكن الغنى الحقيقي للدول لا يقاس فقط بما تحت الأرض، بل بما تنتجه العقول فوق الأرض. الدولة التي تبيع النفط ثم تستورد معظم ما تحتاج إليه، تشبه شخصاً يملك بستاناً كبيراً، لكنه يشتري الفاكهة من السوق. المشكلة ليست في بيع النفط وحده، بل في أن يبقى الاقتصاد أسيراً له، بينما تتراجع الصناعة والزراعة والبحث العلمي والإنتاج الحقيقي. نحن بحاجة إلى أن يتحول المال من ثروة تُستهلك إلى استثمار يصنع ثروة جديدة. فالدول لا تبني مستقبلها بكثرة ما تنفقه، بل بكيفية ما تستثمره.
أما السراق... فهنا تبدأ الكوميديا السوداء!
في كل بلد يوجد فاسدون، ولكن بلاد العجائب لديها مشكلة أخرى: لدينا أموال كثيرة، ومشاريع كثيرة، وملفات كثيرة، ولجان كثيرة... ولذلك يبدو أن الفساد وجد بيئة مناسبة ليقول:
"وأنا أيضاً أريد أن أشارك في التنمية!"
طبعاً، لا نقصد شخصاً بعينه، ولا جهة بعينها؛ فالقانون هو الذي يحدد المسؤولية. لكن المواطن العادي ينظر إلى الأخبار عن الفساد والهدر والاختلاس، ثم ينظر إلى حال الخدمات، فيحتار: إذا كانت الأموال موجودة، فلماذا لا نرى نتائجها؟ وإذا كانت المشاريع كثيرة، فلماذا لا يشعر المواطن بتحسن يوازي حجم الأموال التي أُنفقت؟ وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد "من سرق؟"
السؤال الحقيقي هو:
كيف سمحنا أصلاً بأن تضيع أموال بهذا الحجم من دون أن تكون هناك رقابة تمنع الضياع قبل وقوعه؟
بلاد العجائب لا تحتاج إلى أموال جديدة
ربما لا تحتاج بلادنا في البداية إلى المزيد من الأموال بقدر ما تحتاج إلى إدارة أفضل للأموال الموجودة.
تحتاج إلى مؤسسات قوية، ورقابة حقيقية، وقضاء مستقل، ومحاسبة شفافة، ومشاريع تُقاس نتائجها لا أرقامها فقط. وتحتاج إلى أن يصبح اختيار المسؤول على أساس الكفاءة، لا على أساس من يعرف ومن يوصي ومن يفتح الباب.
لأن البلد الذي يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، يوفر على نفسه مليارات كثيرة.
أما البلد الذي يضع غير المناسب في المكان المناسب، فإنه سيحتاج بعد ذلك إلى لجان للتحقيق، ولجان لمتابعة اللجان، وربما لجنة لتحديد لماذا لم تنجح اللجنة!
وهنا نعود مرة أخرى إلى بلاد العجائب.
أين نحن من العالم؟
العالم لم ينتظرنا. بينما نحن نتجادل حول الماضي، هناك دول تبني المستقبل. هناك جامعات تتنافس على إنتاج المعرفة، وشركات تستثمر في العقول، ومختبرات تشتغل ليل نهار، وشباب يبتكرون حلولاً جديدة. أما نحن، فما زلنا نملك العبارة السحرية:
"لدينا إمكانيات هائلة."
نعم، لدينا إمكانيات هائلة. لكن الإمكانيات التي لا تتحول إلى إنجاز تبقى مجرد أمنيات جميلة. والثروة التي لا تتحول إلى مصانع وجامعات ومختبرات وفرص عمل تبقى رقماً في الموازنة. والعقول التي لا تجد بيئة للعمل ستجد لها بلداً آخر يقدّرها. وهذه ربما واحدة من أكبر خسائر بلاد العجائب: أن نخسر العقول بعد أن نخسر المال.
في بلاد العجائب... المواطن هو الذي يدفع الفاتورة
المواطن لا يريد خطباً طويلة عن المستقبل. يريد كهرباء مستقرة، وماءً صالحاً، وشارعاً جيداً،
ومستشفى محترماً، ومدرسة تليق بأطفاله، وجامعة تحترم أبناءه، وفرصة عمل تحفظ كرامته.
يريد أن يرى المال العام يتحول إلى شيء يلمسه في حياته اليومية. فالوطن ليس مؤتمراً صحفياً، وليس لوحة افتتاح، وليس شريطاً يُقص بالمقص. والدولة الناجحة ليست التي تقول للمواطن: "أنجزنا"، بل التي تجعل المواطن يرى الإنجاز من دون أن تسأله الدولة أن يصفق لها.
الخاتمة: العجيبة الكبرى
العجيبة الكبرى في بلاد العجائب ليست أن لدينا مشاكل. كل البلدان لديها مشاكل. العجيبة أننا نملك من الثروات ما يكفي، ومن العقول ما يكفي، ومن التاريخ ما يكفي، ومن الشباب ما يكفي، ثم نتصرف أحياناً وكأننا بلد فقير بالإمكانات! لدينا المال، لكننا نحتاج إلى حماية المال. لدينا العلماء، لكننا نحتاج إلى حماية العلماء. لدينا الشباب، لكننا نحتاج إلى إعطائهم فرصة.
ولدينا وطن، لكن الوطن يحتاج إلى إدارة تجعل ثروته تتحول إلى مستقبل. أما إذا بقي المال كثيراً، والسراق أكثر، والمشاريع أكثر من نتائجها، واللجان أكثر من الإنجازات، والعقول تبحث عن وطن آخر...
فلا تستغربوا إذا بقي بلدنا بلاد العجائب؛ بلادٌ يمكن أن تكون من أغنى البلدان، لكنها تشتكي من الفقر في الإنجاز. ويمكن أن تملك النفط، لكنها تستورد ما تحتاج إليه. ويمكن أن تملك العلماء، لكنها تستورد المعرفة. ويمكن أن تملك المال، لكنها تبحث عن التنمية. وفي النهاية يبقى السؤال معلقاً على باب بلاد العجائب:
إذا كان المال موجوداً... فأين ذهبت التنمية؟

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

762 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع