
بقلم المهندس نذير ال حويز
حين تسقط الأقنعة: من يدفع ثمن الشعارات؟
كلما وقعت حرب في منطقتنا، خرجت علينا الشعارات نفسها: مقاومة، تحرير، مظلومية، ديمقراطية، أمن، دفاع عن المقدسات وحماية الشعوب. وكل طرف يملك روايته ويقدم نفسه على أنه صاحب الحق، بينما يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد كل طرف فعلًا، ومن يدفع الثمن؟
الصراع بين إيران وأمريكا ليس وليد الملف النووي، بل هو صراع طويل على النفوذ وموقع إيران في المنطقة. وبعد ثورة 1979 انتقلت إيران من حليف للغرب إلى خصم له، وبنت خطابها على مواجهة أمريكا وإسرائيل والمقاومة وتحرير القدس، ثم امتد نفوذها إلى العراق ولبنان وسورية واليمن.
لكن السياسة شيء، والشعارات شيء آخر.
إيران خاضت حربًا طويلة مع العراق، ثم جاء الحصار الدولي، وبعده الغزو الأمريكي عام 2003. سقط النظام العراقي وانهارت مؤسسات الدولة، ووجدت إيران أمامها فرصة واسعة للتوسع داخل العراق. لم تكن إيران هي التي غزت العراق، لكنها استفادت من نتائج الغزو بصورة كبيرة.
وهناك مفارقات تاريخية أخرى تستحق التوقف. إيران هاجمت مفاعل أوسيراك العراقي في بداية الحرب، ثم دمرته إسرائيل عام 1981. وتوجد روايات عن استفادة إسرائيل من معلومات وصور استطلاعية إيرانية عن المفاعل. وبعد سنوات، وفي ذروة الخطاب المعادي لأمريكا وإسرائيل، ظهرت قضية إيران كونترا، حيث جرت صفقات سرية لبيع أسلحة أمريكية إلى إيران، وكان من بين الأسلحة ما وصل عبر إسرائيل، في ترتيبات وافقت عليها شخصيات في الإدارة الأمريكية، رغم الطابع السري والمخالفات التي أحاطت بالقضية. وسواء نظرنا إلى هذه الوقائع منفردة أو مجتمعة، فإنها تذكرنا بحقيقة لا تحب الشعارات أن تقولها: أعداء الأمس قد تتقاطع مصالحهم، وقد يبيع أحدهم السلاح لخصمه في الوقت الذي يعلن فيه أمام الناس أنه عدوه.
الأخطر من السلاح هو عندما تدخل السياسة إلى الدين والمذهب والمقدسات. الدين إيمان وأخلاق، لكن عندما يتحول إلى أداة سياسية تصبح المظلومية وسيلة تعبئة، والمقدس وسيلة نفوذ، والطائفة طريقًا إلى السلطة. وهنا يصبح الدين حصان طروادة تدخل منه المشاريع السياسية إلى وجدان الناس.
ومن هنا جاءت ولاية الفقيه كنظام سياسي ديني جعل سلطة الفقيه في قلب الدولة الإيرانية، ورافقتها في بعض الخطابات مفاهيم المهدوية والتمهيد لدولة المهدي. ارجو ان لا يُفهم كلامي بانه هجوم على المذهب الشيعي والتشيع، ولا على فكرة المهدي، وإنما أنتقد تحويل العقيدة إلى مشروع سياسي، بحيث يصبح نقد السلطة وكأنه نقد للمقدس.
وهذه ليست مشكلة إيران وحدها، فقد استخدمت قوى كثيرة الدين والقومية والمذهب لخدمة السلطة. لكن النموذج الإيراني كان واضحًا في ربط الهوية المذهبية بمشروع نفوذ إقليمي.
العراق دفع الثمن، وسورية دفعت الثمن، ولبنان دفع الثمن، واليمن يدفع الثمن. وفي المقابل لا يمكن إعفاء أمريكا وإسرائيل من المسؤولية. أمريكا دخلت العراق وأفغانستان تحت شعارات الديمقراطية والأمن ومحاربة الإرهاب، وترك تدخلها خسائر ودمارًا كبيرًا. وإسرائيل تتحدث عن الأمن والتهديد الوجودي، بينما بقيت القضية الفلسطينية جرحًا مفتوحًا.
إذن لا إيران وحدها مسؤولة، ولا أمريكا وحدها، ولا إسرائيل وحدها. كل قوة تبحث عن مصالحها، لكن الذي يدفع الحساب في النهاية ليس صانع القرار، وإنما المواطن.
ولهذا لا أسأل فقط: من انتصر؟ بل أسأل: ماذا بقي بعد الانتصار؟ ماذا بقي من المقاومة والمظلومية وتحرير القدس والديمقراطية وحقوق الإنسان؟ وماذا بقي من الدول التي تحولت إلى ساحات للصراع؟
وربما السؤال الأهم: كم نحتاج من الوقت حتى يعود الإنسان إلى إنسانيته قبل طائفته، وإلى وطنه قبل حزبه، وإلى إسلامه قبل مذهبه؟
لا أدعو إلى العودة إلى نظام سياسي معين، ولا أزعم أن الماضي كان مثاليًا. لكنني أتساءل: ألم يكن الإسلام أوسع من المذهب، والوطن أوسع من الحزب، والإنسان أكبر من هويته السياسية؟
الدين لا ينبغي أن يكون سلاحًا في يد الحاكم، والمذهب لا ينبغي أن يكون مشروع توسع، والوطن لا ينبغي أن يكون ساحة نفوذ، والإنسان لا ينبغي أن يكون وقودًا لحرب لا يملك قرارها.
وعندما نصل إلى هذه الحقيقة، تسقط الأقنعة.
ويبقى السؤال:
من قاتل من أجل الشعوب، ومن قاتل من أجل النفوذ، ومن دفع الفاتورة

787 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع