
بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
4 أيلول 2026
مفهوم القائد الاكاديمي والقائد العملياتي في الفكر العسكري مقارنة في اختلاف المنهج وتكامل الأدوار
١. المقارنه تهدف إلى أيضاح الفرق بين الشخص الأكاديمي والشخص العملياتي في المؤسسة العسكرية، من حيث طبيعة ( التفكير، وأسلوب معالجة المواقف، اتخاذ القرار، مدى ارتباط كل منهما بالعلم والخبرة والممارسة الميدانية ).
٢. تنبع أهمية الموضوع من أن العمل العسكري لا يقوم على المعرفة النظرية فقط، كما لا يمكن أن يعتمد على الخبرة العملية وحدها ( الاكاديمية تؤسس الفكر، والعملياتية تختبره في الواقع ).بلا شك من وجود نقاط الاختلاف والتكامل بينهما، وصولاً إلى تحديد الصفات التي يحتاجها القائد العسكري الناجح، القادر على الجمع بين التحليل العلمي والحسم العملياتي.حيث الغاية النهائية هي التأكيد على أن المؤسسة العسكرية المهنية لا تبحث عن أكاديمي منفصل عن الواقع، ولا عن عملياتي بعيد عن العلم، وإنما عن قائد يمتلك عقلاً أكاديمياً وخبرة عملياتية تمكنه من فهم الموقف، وتقدير المخاطر، واتخاذ القرار المناسب في الوقت الصحيح .
٣. في البحث الاعمق يتضح ان المؤسسة العسكرية تحتاج إلى الجمع بين نمط متكامل يمنح كليهما من التفكير حسب الموقع والهدف :
أ. التفكير الأكاديمي : يقوم على العلم والتحليل والدراسة .
ب. التفكير العملياتي : يقوم على الخبرة والممارسة وسرعة اتخاذ القرار.
ج. لا يمكن بناء قيادة عسكرية كفوءة بالاعتماد على أحدهما وإهمال الآخر.
٣. التعريف والخصائص ومجالات التكامل:
أ . الشخص الأكاديمي : هو الذي يعتمد على المعرفة العلمية والمنهج التحليلي، ويدرس الظواهر العسكرية وفق النظريات والتجارب التاريخية، ويبحث عن الأسباب والنتائج والبدائل قبل الوصول إلى الاستنتاج.
ب. الشخص العملياتي : هو الذي يمتلك القدرة على التعامل مع المواقف الحقيقية، ويترجم الخطط إلى إجراءات، ويتخذ القرارات تحت ضغط الوقت والمعلومات والظروف المتغيرة، ويقاس نجاحه بقدرته على إنجاز المهمة.
ج. الفرق الجوهري :
اولاً. الأكاديمي : يميل إلى السؤال ( لماذا ، وكيف ، وما البدائل ).
ثانياً. العملياتي : يركز على السؤال ( ماذا نفعل الآن ، وكيف نحقق المهمة ).
د. التكامل بينهما : لا ينبغي النظر إلى الأكاديمي والعملياتي على أنهما اتجاهان متعارضان؛ فالفكر الأكاديمي يمنح العملياتي الأساس العلمي، بينما تمنح الخبرة العملياتية الأكاديمي الواقعية التي تجعل أفكاره قابلة للتطبيق.
٤. تداعيات التداخل بين الدور الأكاديمي والدور العملياتي وأثره في كفاءة الاداء :
تحتاج المؤسسة العسكرية إلى تكاملٍ متوازن بين الفكر الأكاديمي والخبرة العملياتية، لأن الأكاديمي يرفد المؤسسة بالمعرفة والمنهج والتحليل، في حين يرفدها العملياتي بالخبرة الميدانية والقدرة على اتخاذ القرار في ظروف واقعية. إلا أن عدم وضوح الحدود بين الدورين، أو منح أحدهما صلاحيات الآخر دون امتلاك أدواته ومتطلباته، قد يؤدي إلى خلل في منظومة القيادة والتخطيط والتنفيذ.مما تترك أثاراً أبرزها هي :
أ.اضطراب مسؤولية القرار : عندما تتداخل الصلاحيات، يصبح من غير الواضح ( من يضع التقدير ومن يقرر ومن ينفذ ومن يتحمل مسؤولية النتائج ) مما يترك أثراً واضحا في أضعاف مبدأ وحدة القيادة.
ب. تحويل المعرفة إلى قرارات غير واقعية : قد يكون الطرح الأكاديمي صحيحاً من الناحية النظرية، لكنه يحتاج إلى اختبار الظروف الميدانية والقدرات المتاحة قبل تحويله إلى قرار عملياتي.
ج. إضعاف الخبرة العملياتية : إذا طغى الجانب الأكاديمي على الجانب العملياتي، فقد تصبح القرارات بعيدة عن واقع الميدان، ولا تأخذ بصورة كافية عامل الزمن والجاهزية والموارد والتهديد.
د. إضعاف الأكاديمية العسكرية : اذا أصبحت الخبرة العملياتية هي المعيار الوحيد، قد تُهمَّش الدراسة والتحليل والتخطيط العلمي، فتفقد المؤسسة قدرتها على تطوير عقيدتها العسكرية واستشراف المستقبل.
ه. ازدواجية المرجعية : أخطر النتائج أن يشعر القادة والامرين بأن هناك أكثر من مركز توجيه أو تأثير، الأمر الذي يؤدي إلى تضارب التعليمات وتعدد التفسيرات.
و. التأثير في إعداد القادة : القائد العسكري الناجح يحتاج إلى الجمع بين العقل الأكاديمي والخبرة العملياتية؛ فإذا انفصل أحدهما عن الآخر، قد ينتج قائدا جيد المعرفة لكنه ضعيف التطبيق، أو ميدانياً جيداً لكنه محدود القدرة على التحليل والاستشراف.
ز. ضعف التخطيط الاستراتيجي : التخطيط العسكري السليم يحتاج إلى معرفة أكاديمية، لكنه لا ينجح دون اختبارها عملياتياً. والتداخل غير المنضبط بين الطرفين قد يؤدي إلى خطط مثالية على الورق وصعبة التنفيذ في الواقع.
٥. القاعدة الأساسية : تمثل اختصار العلاقة بالمعادلة ادناه :
( الأكاديمي ….يفكر ويحلل ويعلّم ويستشرف ،
العملياتي …. يقدّر ويخطط ويقرر وينفذ ،
التكامل ….معرفة قابلة للتطبيق + خبرة قادرة على التطوير ) وعليه، ان المشكلة ليس في انتقال الضابط من الأكاديمي إلى العملياتي أو العكس، وإنما في عدم وضوح الصلاحيات والمسؤوليات أثناء ممارسة كل دور.
٦. الخلاصة: إن أفضل القادة العسكريين هم الذين يجمعون بين العمق الأكاديمي والحسم العملياتي؛ فالعلم من دون ممارسة قد يبقى نظرياً، والممارسة من دون علم قد تتحول إلى اجتهادات محدودة. لذلك فإن قوة المؤسسة العسكرية تكمن في تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى نتيجة.
٧. تحدثنا في اعلاه بشكل واضح ودقيق يبقى السوال الاهم هو : من المسؤل عن ماورد وهل للثقافه المعرفيه أثر في تلك المعادلة المصيرية : تحدثنا عن العلاقة بين الأكاديمي والعملياتي، وضرورة التكامل بين الفكر والمعرفة والتطبيق، فإن المسؤولية عن إنجاحها لا تقع على شخص واحد، بل تتدرج عبر مستويات القيادة والمؤسسة وكما يلي :
أ. من المسؤول عن إنجاح وتطبيق تلك المبادئ تتدرج المسؤولية وفق ما مبين ادناه :
اولاً . القيادة العليا تنهض بالمسؤولية الأولى : هي التي تضع التوجه العام، وتحدد أن المعرفة والدراسة والتخطيط ليس نشاطاً نظرياً، وإنما جزء من بناء القدرة العسكرية. كما تهيئ البيئة التي تسمح للأكاديمي والعملياتي بالعمل بصورة متكاملة.
ثانياً .القائد العملياتي : مسؤوليته تحويل الفكر إلى فعل
دوره أن يأخذ المبادئ والدراسات والنظريات ويختبر قابليتها للتطبيق في الواقع ، ويقدم الملاحظات والخبرات التي تساعد على تطويرها. فالعمليات هي ميدان اختبار الفكر.
ثالثا. المؤسسة الأكاديمية : مسؤوليتها إنتاج المعرفة عندما
تقوم بالدراسة والتحليل والاستشراف، واستخلاص الدروس، وبناء المفاهيم والنظريات التي تساعد القيادة على اتخاذ القرار الصحيح. ولذلك فالأكاديمي لا ينبغي أن يكون بعيداً عن الواقع العملياتي.
رابعاً. هيئة الركن والتخطيط : هي حلقة الوصل الاهم لأنها تربط بين المعرفة والقرار والتنفيذ. فهي تحول الأفكار والدراسات إلى خطط وسياسات وإجراءات قابلة للتطبيق.
خامساً. القادة في المستويات الوسطى والصغرى ومسؤولية التفعيل.
سادساً. حتى أفضل المبادئ لن تنجح إذا لم تتحول إلى سلوك وممارسة يومية في الوحدات. وهنا يظهر الفرق بين وجود مبدأ مكتوب وبين وجود ثقافة مؤسسية تؤمن به وتطبقه.
ب. أين تأتي الثقافة المعرفية : هي البيئة الفكرية التي تجعل التعلم والتحليل والنقد وتبادل الخبرة جزءاً من السلوك العسكري اليومي، وليس مجرد نشاط أكاديمي.وتكمن أهميتها في أنها:
اولاً .تجعل القائد أو الامر وحتى أصغر ضابط يفكر قبل أن يقرر.
ثانيا. تربط الخبرة العملياتية بالدراسة العلمية.
ثالثا. تمنع الجمود والتمسك بالأساليب القديمة لمجرد أنها مألوفة.
رابعاً. تساعد على فهم المتغيرات والتهديدات الجديدة.
خامساً. تحول الدروس المستفادة من التجارب إلى معرفة مؤسسية.
سادساً. تشجع الحوار بين الأكاديمي والعملياتي بدلاً من وجود حاجز بينهما.
سابعاً. تؤكد أدبيات التعليم العسكري المهني أن تطوير القادة يقوم على تفاعل التعليم والتدريب والخبرة، وليس على التعليم وحده، كما أن المعرفة الثقافية والتنظيمية تساعد القائد على التكيف مع البيئات المعقدة.
ج. المعادلة الأهم : يمكن اختصار الحقيقة بهذه المعادلة:
( المعرفة الأكاديمية ، التحليل ، القرار القيادي ، التطبيق العملياتي ، الخبرة ، الدروس المستفادة ، تطوير المعرفة ) وهكذا تصبح المؤسسة في حالة تعلم مستمر.
د. أما إذا انفصل الأكاديمي عن العملياتي، فقد تصبح المعرفة نظرية بلا تطبيق، وإذا انفصل العملياتي عن المعرفة، فقد تصبح الخبرة ممارسة بلا تطوير. والدراسات المتعلقة بتطبيق العقيدة العسكرية تشير تحديداً إلى أن الثقافة التنظيمية المتوافقة مع العقيدة عامل مهم في نجاح تطبيقها.
٨. خلاصة التعاون والاندماج : القيادة مسؤولة عن توفير البيئة، والأكاديمية مسؤولة عن إنتاج المعرفة، والعمليات مسؤول عن اختبارها وتطبيقها، وهيئة الركن مسؤولة عن الربط بينهما، والثقافة المعرفية هي القوة التي تجعل هذا التكامل مستداماً.
٩. المبادئ العسكرية لن تنجح بمجرد صياغتها، وإنما بوجود قيادة تؤمن بها، وثقافة معرفية تستوعبها، ومؤسسة أكاديمية تطورها، وقيادة عملياتية تحولها إلى ممارسة؛ فالمعرفة التي لا تجد طريقها إلى الميدان تبقى فكراً، والخبرة التي لا تتحول إلى معرفة تبقى تجربة فردية.
وهذا يقود إلى نقطة مهمة جداً تؤشر ان التداخل غير المنضبط بين الأكاديمي والعملياتي لا يعالج بإبعاد أحدهما عن الآخر، وإنما بتحديد الأدوار وإيجاد جسر مؤسساتي بينهما.

1065 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع