
سعاد عزيز
البقاء بأي ثمن... الهوس الذي يحكم النظام الكهنوتي
عندما نراجع مسار الأحداث والتطورات التي شهدتها إيران منذ تأسيس نظام ولاية الفقيه، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين، يتضح أن هذا النظام جعل كل شيء في خدمة هدف واحد: ضمان بقائه في السلطة، ولو كان الثمن الدولة والمجتمع ومستقبل البلاد.
لقد أصبحت إيران وشعبها رهينين لهذا الهوس بالبقاء، وهو هوس تجاوز منذ زمن حدود الحسابات السياسية التقليدية، ليتحول إلى عقيدة تحكم قرارات النظام وسلوكياته. ولم يعد معيار النجاح لديه تحسين أوضاع الإيرانيين أو حماية مصالحهم، بل مجرد استمرار القبضة الحاكمة، مهما بلغت كلفة ذلك من دماء ودمار وعزلة.
ولو تأملنا في انتفاضتي عامي 2022 و2026، والطريقة التي واجههما بها النظام، لوجدنا أن القمع غير المسبوق الذي مارسه لم يكن سوى انعكاس مباشر لخوفه من أي حراك شعبي يهدد بقاءه. فقد بدت إيران وكأنها تعود إلى عصور الاستبداد الديني، حيث لا مكان لإرادة الشعب ولا قيمة للرأي العام، ويصبح العنف الوسيلة الوحيدة لإدامة السلطة.
والصورة ذاتها تكررت بعد الحربين الأخيرتين، وما خلفتاه من خسائر بشرية ومادية هائلة تحتاج إلى سنوات طويلة لمعالجتها. ومع ذلك، لم يبد النظام أي استعداد لتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، بل انشغل بتسويق رواية مفادها أن مجرد بقائه في الحكم يمثل انتصارا، وكأن بقاء السلطة أهم من بقاء الوطن نفسه.
هذا الهوس بالبقاء عبرت عنه بوضوح مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من جانب المقاومة الإيرانية، عندما أكدت أن النظام "لن يتخلى عن استراتيجيته القائمة على المشروع النووي والصواريخ الباليستية والجماعات التابعة له، وأن الحديث عن تنصيب مجتبى خامنئي يؤكد استمرار النهج نفسه، واستعداد النظام لارتكاب أي جريمة من أجل البقاء". وما يجعل هذا التوصيف جديرا بالاهتمام أنه ينسجم مع الوقائع التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، حيث أثبت النظام، في كل أزمة واجهها، أن بقاءه يتقدم على أي اعتبار آخر.
ومن هنا، فإن أخطر ما يواجه إيران اليوم ليس العقوبات أو الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل استمرار عقلية ترى في الوطن وسيلة لخدمة السلطة، لا العكس. وما دام هاجس البقاء هو الذي يحكم القرار السياسي، فإن الأزمات ستتجدد بأشكال مختلفة، لأن المشكلة الحقيقية ليست في السياسات وحدها، بل في طبيعة نظام جعل من البقاء غاية تبرر كل الوسائل، مهما كانت كلفتها على إيران وشعبها.

598 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع