الخدمة العسكرية الإلزامية في العراق ركيزة اساسية لإعادة بناء الدولة والجيش والاقتصاد والانضباط وحماية السيادة

مكسيم العراقي

الخدمة العسكرية الإلزامية في العراق ركيزة اساسية لإعادة بناء الدولة والجيش والاقتصاد والانضباط وحماية السيادة

1. مقدمة

• فتوى المرجعية بالجهاد الكفائي عام 2014 لو كانت قد استندت الى احتياط كبير من المدربين لكانت الحرب ضد داعش قد تقلصت بدلا من المتطوعين الذين توجهوا مباشرة للقتال دون تدريب ربما, مما ادى لخسائر كبيرة لاضرورة لها! ومن المفترض للجيش ان يخاطب المرجعية لتسهيل امرار القانون ودعمه!
فالقتال الناجح يجب ان يتضمن عناصر التدريب والانضباط والتراتبية والممارسات وقبل ذلك الفحص الطبي لتجنب زج غير اللائقين طبيا لتقليل الخسائر والدعم اللوجستي الخ!
• يجادل البعض وكل وفق نظرته للامور ومصالحه حول قانون الخدمة الالزامية المقترح في البرلمان العراقي بعضهم يؤيد واخرون رافضون له جملة وتفصيلا وقد نسى الكثير منهم, ان الخدمة الالزامية هي فقرة وردت في الدستور وتحتاج فقط الى اقرار قانون بصدده, والتاخر في ذلك يمثل خرقا للدستور ذاته مع وجود فقرات اخرى دستورية لم تنجز قوانينها وتلك مسؤولية خطيرة على كل من تصدى للعمل البرلماني واخطر تلك الفقرات هي فقرة تعديل الدستور التي تم التغاضي عنه وفقرة منع مزدوجي الجنسية في ادارة المواقع الحساسة ويمكن الرجوع للدستور العراقي لمعرفة تلك الفقرات.
• اصبحت مناقشة كل قضية وطنية واقتصادية وعسكرية في العراق تخضع لطلبات المستمعين وقد وفرت اجواء بعد عام 2003 الفرصة لكل من هب ودب بالحديث عن كل المواضيع والكثير منهم دون خلفية علمية او اكاديمية او حتى وطنية! ويجب ان تتم محاسبة كل من روج لفكرة غير علمية وغير اقتصادية وغير ادارية وغير وطنية وفق قانون خاص – وفق تشكيل من خبراء في كل الاختصاصات مشهود هم بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية- وجعله ضمن المحتوى الهابط الذي يستخدم بكثرة في العراق لاغراض خاصة او ضد فئة معينة بينما يتم التغاضي عن لجهات اخرى!
ومن الامثلة على ذلك الهرج والمرج الذي ساد الحديث, طوال سنوات طويلة عن مشروع انبوب النفط العراقي للعقبة وقد تم عرقلته لمصالح معينة ونحن الان بامس الحاجة له... والى الانبوب العراقي للسعودية واعادة تشغيل خط جيهان الذي كان ينقل اكثر من مليون ونصف المليون برميل نفط نحو تركيا بحث اصبح العراق رغم امكاناته الطائلة اسير مضيق هرمز, المغلق الان وعدم وجود ناقلات نفط عراقية او خزانات في دول اخرى او داخل بواخر كما فعلت ايران او دول الخليج!
وتلك اثام بحق العراق, يتحمل مسؤوليتها من تصدى لامر العراق من عام 2003 للان!
• الجيش تاج للوطن ودرع له وضمان وحيد لوحدته وبقاءه, وتقوية الجيش بالمجندين المكلفين كما كان طوال تاريخ الدولة العراقية الحديثة هو امر لابد منه وفق شروط صارمة من اجل ان لايكون منفذا للفساد والظلم والعجرفة وسببا لهروب الشباب بل وسيلة من اجل خدمة الوطن والاستفادة منه وذلك وفق شروط ساحددها هنا وفق رؤيتي للموضوع.
• يجب ان يكون الملزمين بالخدمة الالزامية حصريا تحت امرة الجيش وليس لتشكيلات اخرى لاوجود لها اساسا في الدستور وتمتلك سلاحا منفلتا وتاتمر باوامر خارجية وتقوم بتخريب وتدمير البلاد وقمع الشعب!

2. اهمية العودة إلى نظام الخدمة الإلزامية في العراق
انها ضرورة استراتيجية تتجاوز البعد العسكري لتشكل مشروعاً وطنياً شاملاً لإعادة صياغة الهوية الوطنية، وترميم مؤسسات الدولة التي أنهكها الفساد والمحسوبية. إن بناء جيش وطني حديث يعتمد على الكفاءات العلمية والطاقة الشبابية هو السبيل الوحيد لضمان أن يكون الدفاع عن العراق مسؤولية تشارك فيها كافة أطياف الشعب دون تمييز طائفي أو مناطقي او عشائري مع فوائد اخرى.:
تتجلى أهمية هذا المشروع في النقاط التفصيلية التالية:
• تجديد شباب المؤسسة العسكرية: يعاني الجيش الحالي من ترهل في الأعمار والرتب نتيجة الاعتماد الطويل على التطوع المهني القديم. الخدمة الإلزامية تضخ دماءً شابة قادرة على التعامل مع التحديات البدنية والتقنية الحديثة، مما يحول الجيش من وظيفة لدى البعض إلى واجب وطني متجدد. فلا يوجد اي جدول زمني علمي لضخ دماء جديدة في الجيش- مثلا يجب كل عام استبدال 5 % او اقل او اكثر من عدد الجيش بدماء شابة وهذا غير متوفر- والامر متعلق بالموازنة ورغبة الطبقة السياسية ومصالحها ولاتوجد احصائية عن معدل اعمار منتسبي الجيش ومقارنتها بالعالم ولكن من الواضح ارتفاع معدل اعمار منتسبي الجيش العراقي مقارنة بكل جيوش العالم وهذا خطر موكد قد ينتج عنه اضمحلال الجيش العراقي يوما قريبا!
• استثمار الكفاءات العلمية والتقنية: يمتلك العراق عشرات آلاف الخريجين في مجالات الهندسة، والذكاء الاصطناعي، والطب، والتقنيات الرقمية وغيرها سنويا. بدلاً من بطالتهم أو هجرتهم، يمكن للخدمة الإلزامية توظيفهم في وحدات الحرب السيبرانية، ووحدات المسيرات والهندسة العسكرية، والتصنيع الحربي، والطبابة العسكرية وبناء مصانع ومزارع تابعة للجيش ويمكن الاقتداء بتجارب عالمية مثل الجيش الباكستاني والمصري وبناء صناعات عسكرية متطورة يمكن استخدام هولاء فيها!مما يرفع من مستوى التسلح الوطني ويقلل الاعتماد على الخبرات الخارجية.
ولكن هناك شرط موكد للاستفادة منهم وهو ان يعملوا بوحدات تقاد من ضباط مهندسين اكفاء وليسوا من المشاة!
• صهر المكونات وتعزيز السلم الأهلي: عندما يلتقي ابن البصرة مع ابن أربيل وابن الأنبار في خندق واحد وتحت علم واحد، تذوب النزعات الطائفية والعشائرية. الجيش بصيغته الإلزامية هو المصهر الوطني الذي يعيد إنتاج المواطنة ويمنع الجماعات الإرهابية من استغلال الفراغات الاجتماعية لتقسيم البلاد.
• الانضباط المجتمعي والجهد الوطني للبناء: يمكن استثمار المجندين في الجهد الهندسي والزراعي خلال فترات السلم، على غرار تجارب ناجحة عالمياً، لإعادة إعمار البنى التحتية، وشق القنوات المائية، واستصلاح الأراضي الصحراوية، او بناء السكك الحديدية او بناء المساكن الخ مما يحول الجيش إلى قوة بناء اقتصادية كبرى.
• قطع الطريق على اعداء العراق: إن وجود جيش قوي يضم جميع أبناء الشعب يعزز قوة البلاد ومكانتها وتاثيرها.
الخدمة الإلزامية تضمن أن الولاء الوحيد للمجند هو للدولة والقيادة العامة للقوات المسلحة ( غير الموجودة حاليا لاسباب سياسية تامرية)، وليس لجهة أجنبية أو جهات اخرى مناطقية او عرقية او دينية الخ وينظم العمل داخل الجيش للكل بقسم الولاء للعراق للقيادة العامة وللشعب العراقي كله والطاعة العمياء في الحرب والسلم وينفذ بحق المخالفين قانون العقوبات العسكرية.
• جني المال لدعم المؤسسة العسكرية من البدل النقدي الذي يجب ان يكون كبيرا جدا بسبب وجود مال هائل في العراق ويجب ان تكون الخدمة لفترة لاتقل ل 3 اشهر كتدريب اساسي لعمل احتياط عراقي قبل قبول البدل النقدي.

3. شروط نجاح العمل بنظام الخدمة الالزامية:
سيكون الامر خطيرا ان تم ادارة الامر بالفساد الحالي والفضائيين والمحسوبية والمنسوبية والرشاوي والابتزاز! وقد يمكن التقليل من الاضرار من خلال تكليف مفتشية كفوءة بمراقبة وتطبيق الفقرات التالية وان يتضمن القانون مايلي:
• لايتم سجن احد خلال فترة الخدمة الالزامية لمنع نفور المجندين ولايتم منع اجازته لابتزازه مهما كانت الاسباب, واقصى العقوبات هي قطع راتب لايزيد في كل الاحوال عن ربعه او نقله لجهة اخرى بعد موافقة مجلس مركزي او زيادة الواجبات على ان لاتزيد في كل الاحوال عن 10% من ساعات الواجبات العادية.
• الخدمة تكون في مناطق اخرى وليس داخل محافظة المكلف!
• لايسمح بتجمعات عسكرية تضم لونا واحدا بل يجمع الجميع من مختلف الاطياف في وحدات عسكرية وينظم ذلك بالقانون نفسه!
• لااحزاب ولاسياسة ولادعاية دينية او عشائرية داخل الجيش بل فقط دعاية وطنية ولايسمح بمشاهدة الفضائيات الا فضائيات الحكومة العراقية الرسمية وفضائيات الجيش بعد تشكيلها!
• تدريب حقيقي وليس فاسد مفسد من اجل المال عبر جمع الاتاوات والفضائيين.
• توجيه ضباط كفوئين مستقلين مشهود لهم بالكفاءة والتاريخ وغير منتمين للاحزاب او متاثرين بها لتجنب ان يكون القانون محاصصة بين الاحزاب على جمع المال والنفوذ!
• بناء صناعة وزراعة تابعة للجيش للاكتفاء الذاتي والاستثمار العسكري.
• تشغيل صناعة عسكرية متطورة من كوادر الشباب وبعد انتهاء فتراتهم يمكن تحويل الكفوئين وليس اصحاب الواسطات لمدنيين مع عقود موقتة او دائمية.
• استغلال الفائضين وفق قرعة بعد فترة تدريب اساسي حسنة للخدمة في قطاعات الدولة الخدمية والصناعة والزراعة الخ.
• استثناء المعيل الوحيد والابن الوحيد ربما, والمرضى وفق جداول طبية دقيقة لمنع التزوير ويتم الالتزام بها.
• يكون النقل والتنسيب وفق الرغبات الشخصية للمجندين للوحدات وعند عدم تطابق ذلك يصار الى القرعة الالكترونية بحضور قادة ومشرفين.
• السماح بالبدل النقدي بعد تدريب اساسي مثلا ل3 اشهر.
• لايسمح بالبدل النقدي لاولاد المسؤولين! وكل من شغل منصبا مهما في الدولة العراقية قبل وبعد عام 2003 مثلا من درجة مدير عام فما فوق.
لكي يعرف المسؤول ويشعر كيف يعيش اولاد الفقراء ويتم تنسب ابنه وفق القرعة الالكترونية ولايسمح بالمحاباة من اجله لاي قائد عسكري وتراقب كل الاتصالات داخل الجيش لمنع الواسطات ويمنع القادة من الرد على اي مكالمة الا اذا كانت وفق الاتصالات العسكرية التي يجب تسجيلها ومنع كشفها لاحد!
والافضل ان يخدم هولاء تحت وحدات معينة يشرف عليها القائد العام او رئيس الاركان لمنع الفساد والمحسوبية!
• لايسمح بتعيين اي شخص في الدولة او القطاع الخاص لم ينفذ الخدمة الالزامية ولايقدم له اي وثيقة رسمية او جواز سفر.
• اختيار العناصر المدربة الجيدة بعد الخدمة الالزامية للتطوع وليس من عناصر لم تودي تلك الخدمة.
• طرد وسجن كل طبيب اقر تقريرا طبيا مزيفا للمجندين لمصالح خاصة وكل قائد زيف القرعة او حابى اي مجند من اجل محسوبية ومنسوبية او انتاج الفضائيين وعمل سجل للاجازات والواجبات والتقييم لكل فرد من الجيش من قادته الاعلى!
• اي محاولة للابتزاز او الاهانة او التحرش الجنسي ضد المجندين يجب ان تعتبر جرائم خطيرة ضد الجيش والبلاد.
• مكافحة الفساد الإداري: ضمان وصول التخصيصات والموارد والرواتب الكافية للمجندين وتوفير بيئة تدريبية وبيئة عمل كريمة تليق بكرامة العراقي.
• عزل العقيدة العسكرية عن الولاءات الخارجية: وضع قوانين صارمة تمنع تغلغل أي فكر حزبي أو طائفي داخل المعسكرات، واعتبار الولاء لغير علم العراق خيانة عظمى.

4. دروس من التجارب الإقليمية
• تركيا: يعتمد الجيش التركي بشكل أساسي على التجنيد الإلزامي الذي ساهم في تحويل المؤسسة العسكرية إلى قاطرة للتصنيع الحربي الوطني والبحث العلمي، مما جعل تركيا قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها بفضل انضباط وتدريب كافة شبابها.
• إيران: استخدمت الخدمة العسكرية كوسيلة لإحكام السيطرة وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية عبر استغلال الكفاءات الجامعية في مراكز البحوث التابعة للقوات المسلحة، وهو درس في كيفية تحويل التجنيد إلى رافد صناعي وعلمي.

5. الدول المتقدمة بين نظام الخدمة الإلزامية والعودة إليه واهميته الاستراتيجية والاجتماعية
شهد المشهد الأمني العالمي منذ نهاية الحرب الباردة تحولاً كبيراً في أنظمة التجنيد العسكري، حيث تخلت معظم الدول المتقدمة عن الخدمة الإلزامية لصالح جيوش محترفة بالكامل. لكن مع عودة الحروب عالية الكثافة إلى القارة الأوروبية وتزايد التهديدات الجيوسياسية، برز توجه معاكس يدفع العديد من هذه الدول إما إلى الإبقاء على أنظمة التجنيد القائمة أو العودة إليها بعد عقود من التخلي عنها.
• الدول التي لا تزال تطبق الخدمة الإلزامية
تتمسك فنلندا بواحد من أكبر أنظمة الاحتياط العسكري في أوروبا، حيث يضم أكثر من 900 ألف جندي احتياطي تم تدريب غالبيتهم عبر نظام التجنيد الإجباري. أثبت هذا النظام فعاليته الكبيرة في تعزيز الردع والجاهزية، لا سيما في ظل التوترات المتصاعدة مع روسيا.
وأعادت السويد العمل بالتجنيد الإجباري في عام 2018 ليشمل الرجال والنساء على حد سواء، بمدة خدمة تتراوح بين 9 و15شهراً. كما طبقت النرويج نظاماً منذ عام 2015، بمدة خدمة تمتد لنحو 12 شهراً.
في منطقة البلطيق، أعادت لاتفيا فرض التجنيد الإجباري مطلع عام 2024، واستأنفته لتوانيا منذ عام 2015، بهدف بناء قوات احتياطية قوية كرادع للتهديدات الأمنية. تطبق كل من اليونان وتركيا إلزامية الخدمة العسكرية منذ عقود، بمدة خدمة تتراوح بين 6 و12 شهراً، نظراً لموقعهما الجغرافي الحساس والتوترات التاريخية. تشمل القائمة أيضاً الدنمارك التي وسعت الإلزام ليشمل النساء اعتباراً من يوليو عام 2025، إلى جانب إستونيا والنمسا وسويسرا، حيث تتراوح مدة الخدمة بين 6 و9 اشهر.
• دول تدرس العودة إلى نظام التجنيد
اللافت في المشهد الحالي هو إقدام دول كبرى تخلت عن التجنيد لعقود على العودة إليه أو وضع أنظمة تمهد لذلك. ألغت ألمانيا التجنيد الإجباري عام 2013، لكنها بدأت تنفيذ قانون جديد في يناير عام 2026 يلزم جميع الرجال البالغين من العمر 18 عاماً بتعبئة استبيان عن استعدادهم للخدمة والخضوع لفحص طبي. يهدف هذا الإجراء إلى بناء جيش قوي يضم 260 ألف جندي كمرحلة اولى و200 ألف احتياطي بحلول عام 2035، مع إبقاء باب التجنيد الإجباري مفتوحاً حسب الحاجة في حال عدم تحقيق الاكتفاء من المتطوعين.
في فرنسا، وتحت قيادة الرئيس إيمانويل ماكرون، تسعى الدولة لتعزيز جيشها عبر إنشاء خدمة عسكرية تطوعية جديدة للشباب تمتد لعشرة أشهر، ومن المقرر أن تبدأ بحلول منتصف عام 2026. تخطط بولندا لتدريب عسكري واسع النطاق لجميع الرجال البالغين، بهدف إضافة 100 ألف متدرب سنوياً اعتباراً من عام 2027 لرفع إجمالي عدد الجيش إلى نصف مليون جندي بما في ذلك الاحتياط.
وصوت برلمان كرواتيا في أكتوبر عام 2025 على إعادة الخدمة الإلزامية اعتباراً من 2026 ، بعد توقف دام 17 عاماً. سيخضع الرجال لتدريب أساسي لمدة شهرين مع خيارات بديلة للاخرين على النقيض من ذلك، ترفض بريطانيا رسمياً وبشكل قاطع إعادة فرض التجنيد، مبقية على جيشها المحترف بالكامل، على الرغم من بعض الطروحات السياسية الفردية التي لم تحظَ بدعم حكومي.
ولكن بريطانيا هي برطانيا التي يدافع عنها الماء من جميع الاتجاهات ولها قوة صناعية واقتصادية ونووية هائلة!
• الأهمية الاستراتيجية لعودة التجنيد
تمتد دوافع عودة نظام الخدمة الإلزامية إلى ما هو أبعد من مجرد الحاجة إلى زيادة الأعداد البشرية، إذ تعكس تحولاً في فلسفة الأمن والمواطنة ذاتها.
التأهب لحرب شاملة فقط أثبتت الحرب في أوكرانيا أن الحروب التقليدية طويلة الأمد والمكثفة لا تزال واردة. جيش محترف صغير، مهما كان تدريبه متقناً، لا يمكنه تعويض الخسائر وتأمين الجبهات الطويلة دون وجود احتياطي بشري ضخم ومدرب. يوفر نظام التجنيد قاعدة قوية من جنود الاحتياط والمنتظمين لمواجهة أي سيناريو تصعيدي واسع المدى، كما يتجلى في النموذج الفنلندي الذي يدرب سنوياً نحو عشرين ألف مجند.
ويمثل استعادة الردع الاستراتيجي دافعا اخرا. في ظل الشكوك حول التزام الحلفاء التقليديين مثل الولايات المتحدة، وتزايد التهديد الروسي المتمثل في انتهاكات المجال الجوي والتخريب الهائل للبنية التحتية والهجمات الإلكترونية، تصبح القوة العسكرية للدولة هي الضمانة الحقيقية لردع أي عدوان محتمل. إظهار القدرة على حشد وتدريب مئات الآلاف من الجنود هو رسالة ردع واضحة للقوى المعادية.
• البعد الاجتماعي والوطني للخدمة الإلزامية
تتجاوز أهمية الخدمة الإلزامية الجانب العسكري البحت لتلامس جوهر التماسك الوطني. تعيد الخدمة الإلزامية، عسكرية كانت أم مدنية، تعريف مفهوم المواطنة من مجرد حمل جواز سفر إلى تحمل مسؤولية فعلية تجاه المجتمع والدولة. تفرض التجربة على الشباب من خلفيات عرقية ودينية واجتماعية متنوعة التعايش تحت سقف واحد والعمل معاً، مما يحارب التشرذم ويعزز روح الوحدة الوطنية والانتماء في مجتمعات تعاني الاستقطاب. وقد أرجع الرئيس ماكرون هذه الفكرة تحديداً إلى كونها وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي والروح الوطنية.
على الصعيد الاقتصادي والمهاري، يمكن لنظام وطني للخدمة أن يكون أداة فعالة لتطوير المهارات بين الشباب، مثل المهارات التقنية والقيادية والعمل الجماعي. إضافة إلى ذلك، يؤدي زيادة الإنفاق العسكري وتحويل جزء من الميزانية لتمويل التجنيد إلى رفع نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي، مما يرضي متطلبات حلف الناتو ويعزز الموقف التفاوضي للدولة.
يمثل هذا المشهد المتغير علامة فارقة في تفكير الدول المتقدمة تجاه أمنها القومي وعلاقتها بمواطنيها.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

679 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك