الحرب الحديثة لا تُلغي القوة البرية … بل تعيد تعريفها

اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس
11 / 5 / 2026

 

الحرب الحديثة لا تُلغي القوة البرية … بل تعيد تعريفها

تقوم منظومة “القيادة الميدانية أثناء الحركة” (MCOTM) على اليسار، ومنظومة “تكامل الإنسان مع الدفاع الجوي قصير المدى المتحرك” (M-SHORAD Human Integration Machine - HMI) في الوسط، ومنظومة “العريف ستاوت” (SGT STOUT) على اليمين، بتنسيق التحركات التالية خلال مشروع “كونفرجنس – كابستون 5” (Project Convergence-Capstone 5 - PC-C5) في قاعدة فورت إيروين بولاية كاليفورنيا، أوائل شهر آذار/مارس 2025. (صورة للجيش الأمريكي بعدسة العريف ماريتا شواب)

مقدمة
لماذا أكتب عن هذا الموضوع الآن؟
في كل مرة تظهر فيها تكنولوجيا عسكرية جديدة، يعود السؤال القديم نفسه: هل اقترب زمن الجندي من نهايته؟ قبل أيام، لفت انتباهي مقال أمريكي حديث لكاتب عسكري متقاعد أعاد طرح سؤال قديم ويناقش الجدل المتصاعد داخل البنتاغون حول مستقبل القوات البرية الأمريكية في عصر الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والحروب متعددة المجالات. وقد أثار المقال اهتمامي ليس بسبب مضمونه الأمريكي فقط، بل لأنه أعاد طرح سؤال قديم يتكرر مع كل تطور تكنولوجي كبير في عالم الحرب: هل ما تزال القوات البرية ضرورية فعلًا؟ أم أن التكنولوجيا الحديثة بدأت تدفع الجيوش التقليدية تدريجيًا نحو التراجع وربما الزوال؟
ولعل هذا السؤال لم يعد نظريًا أو أكاديميًا كما كان في السابق، بل أصبح يُطرح اليوم بجدية بعد الحروب الأخيرة في أوكرانيا وغزة، والتصعيد بين إسرائيل وإيران، وما رافقها من استخدام واسع للطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والاستطلاع الفضائي، والضربات الدقيقة بعيدة المدى. حتى بات كثير من المحللين يتحدثون وكأن الدبابة التقليدية، والجندي، والتحشدات البرية الكبرى، أصبحت تنتمي إلى زمن آخذ بالانتهاء.
وفي الحقيقة، فإن هذا الاعتقاد ليس جديدًا تمامًا. فبعد حرب الخليج الثانية ( ام المعارك) عام 1991، ساد انطباع واسع بأن التفوق الجوي والتكنولوجيا الدقيقة قادران وحدهما على حسم الحروب. ثم عاد هذا التصور بقوة أكبر مع ظهور المسيّرات المسلحة، والأنظمة المستقلة، والذكاء الاصطناعي، حتى بدأ البعض يتحدث عن “حروب تُدار عن بُعد”، وعن مستقبل قد تختفي فيه الجيوش البرية الثقيلة لصالح الآلات والمنصات غير المأهولة.
غير أن التجارب العملية للحروب الحديثة تبدو أكثر تعقيدًا من هذه الصورة المبسطة. فالحرب، مهما تغيرت أدواتها، لا تتعلق فقط بتدمير الأهداف، بل تتعلق أيضًا بالسيطرة، وفرض الإرادة السياسية، وإدارة الأرض والسكان، وتحقيق نتائج مستقرة ودائمة. وهنا تحديدًا يعود السؤال القديم ليظهر من جديد: هل تستطيع التكنولوجيا وحدها أن تحقق هذه الأهداف؟ أم أن القوة البرية ما تزال، رغم كل شيء، العنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه في النهاية؟
إن الغرض من هذا المقال ليس الدفاع العاطفي عن الجيوش التقليدية، ولا التقليل من أهمية الثورة التكنولوجية الجارية في عالم الحرب، بل محاولة فهم ما الذي تغير فعلًا، وما الذي بقي ثابتًا، وكيف يمكن أن تبدو القوة البرية في المستقبل، في عالم أصبحت فيه الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي جزءًا يوميًا من ميدان القتال.

أوهام الحرب النظيفة: عندما ظن العالم أن التكنولوجيا ستكفي
مع نهاية الحرب الباردة، ثم الانتصار العسكري السريع الذي حققته الولايات المتحدة وحلفاؤها في حرب الخليج الثانية ( ام المعارك) عام 1991، بدأ العالم يشهد تحولًا كبيرًا في طريقة التفكير بالحرب الحديثة. فقد بدا للكثيرين يومذاك أن التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، والقوة الجوية الساحقة، والأسلحة الدقيقة بعيدة المدى، قادرة على حسم الحروب بسرعة ومن دون الحاجة إلى المعارك البرية التقليدية المكلفة التي عرفها القرن العشرون.
لقد كانت صور الصواريخ الذكية التي تدخل من نوافذ المباني، والطائرات الشبحية التي تضرب أهدافها بدقة، تبعث انطباعًا بأن العالم دخل عصرًا جديدًا من “الحروب النظيفة”، أي الحروب التي تُدار من مسافات بعيدة، وبخسائر بشرية محدودة، ومن دون الحاجة إلى زج أعداد كبيرة من الجنود في ميادين القتال. ومع مرور الوقت، بدأت هذه الفكرة تتحول تدريجيًا من مجرد انطباع إعلامي إلى ما يشبه العقيدة الفكرية لدى كثير من المخططين العسكريين والمحللين الاستراتيجيين.
ثم جاءت الثورة الرقمية، وتطور الأقمار الصناعية، وشبكات الاتصالات، والطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، لتمنح هذه الفكرة زخمًا إضافيًا. فالمسيّرات الصغيرة أصبحت قادرة على تنفيذ مهام كانت تحتاج سابقًا إلى طائرات مأهولة باهظة الكلفة، كما أن القدرة على جمع المعلومات الفورية عن أرض المعركة جعلت البعض يعتقد أن “الضباب التقليدي للحرب” بدأ يختفي تدريجيًا، وأن الجيوش باتت قادرة على رؤية كل شيء تقريبًا في الزمن الحقيقي.
ومع الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق، بدا في بعض المراحل وكأن التفوق التكنولوجي الهائل قادر فعلًا على إسقاط الأنظمة السياسية والجيوش النظامية خلال أسابيع قليلة. لكن السنوات اللاحقة كشفت شيئًا مختلفًا تمامًا. فقد تبين أن إسقاط النظام شيء، والسيطرة على الأرض والمجتمع وتحقيق الاستقرار السياسي شيء آخر أكثر تعقيدًا بكثير. وهنا بدأت تظهر أولى الشقوق في فكرة “الحرب النظيفة”. فالتكنولوجيا استطاعت تدمير الجيوش النظامية بسرعة، لكنها لم تستطع وحدها إنهاء التمردات المسلحة، أو منع عودة العنف، أو فرض نتائج سياسية مستقرة. ومع مرور الوقت، بدأت الحروب تتحول من عمليات عسكرية خاطفة إلى صراعات طويلة ومكلفة نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا. ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتوجه ضربة إضافية إلى كثير من التصورات القديمة. صحيح أن المسيّرات والذكاء الاصطناعي والاستطلاع الفضائي لعبت دورًا هائلًا في كشف التحركات واستهداف القوات، لكن الحرب أظهرت أيضًا أن الجيوش ما تزال تحتاج إلى السيطرة المادية على الأرض، وأن خطوط الدفاع والخنادق والمدفعية والقوات البرية لم تختفِ من المعركة كما كان يتخيل البعض. بل إن المفارقة الكبرى كانت أن التكنولوجيا نفسها جعلت ساحة المعركة أكثر خطورة وتعقيدًا، لا أقل. فأي تجمع كبير للقوات أصبح معرضًا للرصد والاستهداف خلال دقائق، والتحركات أصبحت أكثر صعوبة، والآليات الثقيلة أكثر عرضة للهجمات الدقيقة، الأمر الذي فرض على الجيوش إعادة التفكير في طريقة تنظيمها وانتشارها وتحركها. ومع ذلك، فإن الخطأ الذي وقع فيه كثير من المحللين لم يكن في ملاحظتهم لأهمية التكنولوجيا، بل في استنتاجهم النهائي بأن التكنولوجيا ستُلغي الحاجة إلى القوة البرية. فالحرب ليست مجرد عملية تدمير أهداف عن بُعد، بل هي في جوهرها صراع إرادات وسيطرة ونفوذ وفرض نتائج سياسية على الأرض. وهنا تحديدًا تظهر حدود فكرة “الحرب النظيفة”، لأن التكنولوجيا مهما بلغت من التطور تستطيع أن تُربك الخصم وتؤذيه، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحكم مدينة، أو تضبط مجتمعًا، أو تفرض استقرارًا سياسيًا دائمًا.

جدل يتجدد
وفي الحقيقة، فإن هذا الجدل ليس جديدًا بالكامل في تاريخ الفكر العسكري والاستراتيجي. ففي بدايات القرن العشرين، شهد العالم نقاشًا واسعًا بين عدد من أبرز المفكرين الاستراتيجيين حول أي نوع من القوة سيكون العامل الحاسم في حروب المستقبل. فقد رأى المفكر البحري الأمريكي ألفرد ماهان أن القوة البحرية ستكون أساس السيطرة العالمية، بينما اعتقد الإيطالي جوليو دوهية أن القوة الجوية ستجعل الجيوش البرية أقل أهمية، بل وربما تدفع الحرب مستقبلًا نحو الحسم من السماء مباشرة. أما الجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر، فقد أعاد التأكيد على أهمية السيطرة البرية والجغرافيا القارية في تحديد ميزان القوة العالمي. لكن حروب القرن العشرين، من الحربين العالميتين إلى الحرب الباردة، أثبتت في النهاية أن أياً من هذه القوى لم يستطع أن يُلغي الآخر بصورة كاملة، وأن الحروب الكبرى كانت تُحسم غالبًا عبر التكامل بين القوى البرية والجوية والبحرية والاقتصادية والسياسية معًا. وربما يعيد الجدل الحالي حول المسيّرات والذكاء الاصطناعي طرح السؤال القديم نفسه بصيغة جديدة، دون أن يغيّر الحقيقة الأساسية ذاتها: وهي أن الحرب أكثر تعقيدًا من أن يحسمها نوع واحد من القوة وحده.

أوكرانيا وغزة وإيران: ماذا كشفت الحروب الحديثة فعلًا؟
إذا كانت العقود الماضية قد شهدت جدلًا نظريًا واسعًا حول مستقبل الحرب، فإن الحروب الأخيرة جاءت لتضع كثيرًا من تلك النظريات تحت اختبار عملي مباشر. فالحرب في أوكرانيا، وما جرى في غزة، ثم المواجهة المفتوحة نسبيًا بين إسرائيل وإيران، لم تكن مجرد صراعات سياسية أو عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى مختبرات حقيقية لاختبار شكل الحرب الحديثة، وحدود التكنولوجيا، ومستقبل القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين. ولعل أكثر ما لفت الانتباه في هذه الحروب هو الدور الهائل الذي لعبته الطائرات المسيّرة. فقد أصبحت هذه المسيّرات، بمختلف أحجامها وأنواعها، جزءًا يوميًا من المعركة، وليس مجرد وسيلة مساندة كما كان الحال في السابق. بعضها استخدم للاستطلاع والمراقبة، وبعضها للهجوم المباشر، وبعضها لتصحيح نيران المدفعية، بل إن بعضها تحول إلى ما يشبه “الذخائر الانتحارية” القادرة على مطاردة الهدف وضربه بدقة عالية وبتكاليف منخفضة نسبيًا مقارنة بالأسلحة التقليدية الباهظة الثمن.
وفي أوكرانيا تحديدًا، شاهد العالم كيف استطاعت المسيّرات الصغيرة أن تؤثر في سير العمليات العسكرية بصورة لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة فقط. فالوحدات الصغيرة باتت تمتلك قدرة على الرصد والاستهداف كانت حكرًا في السابق على الجيوش الكبرى والطائرات المأهولة والأقمار الصناعية. كما أن صور الفيديو المباشرة القادمة من أرض المعركة جعلت الحرب تُدار أحيانًا في الزمن الحقيقي، بحيث يتم اكتشاف الهدف وتحليله واستهدافه خلال دقائق معدودة.
لكن المسيّرات وحدها لم تكن العنصر الوحيد في هذا التحول. فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والمعلومات الفورية، والربط الشبكي بين الوحدات القتالية، أصبحت كلها عناصر أساسية في إدارة العمليات الحديثة. لقد تحولت الحرب تدريجيًا من مجرد مواجهة بين قوات وسلاح، إلى مواجهة بين شبكات معلومات وقدرات على جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرار بسرعة أكبر من الخصم.
وهنا ظهرت ظاهرة جديدة ومهمة جدًا، يمكن وصفها بـ “شفافية ميدان القتال”. ففي الحروب التقليدية القديمة، كان من الممكن أحيانًا إخفاء التحشدات، أو المناورة بالقوات، أو تحقيق عنصر المفاجأة عبر الحركة والتمويه. أما اليوم، فقد أصبح الاختباء أكثر صعوبة من أي وقت مضى. فالأقمار الصناعية، والمسيّرات، وأجهزة الاستشعار، والتنصت الإلكتروني، والهواتف المحمولة، وحتى الصور التجارية المتاحة للعامة، جعلت ساحة المعركة شبه مكشوفة بصورة دائمة. وقد أدى ذلك إلى نتائج عسكرية مهمة جدًا. فالتحشدات الكبيرة أصبحت أهدافًا سهلة نسبيًا، والتحرك المكشوف بات محفوفًا بالمخاطر، والآليات الثقيلة أصبحت أكثر عرضة للاستهداف الدقيق، الأمر الذي أجبر الجيوش على إعادة التفكير في أساليب الانتشار والحركة والتمويه وحتى في حجم الوحدات العسكرية نفسها. وفي الوقت نفسه، أعادت هذه الحروب شيئًا آخر كان كثيرون يعتقدون أنه أصبح من الماضي، وهو حرب الاستنزاف الطويلة. فبدل الحروب الخاطفة القصيرة التي بشرت بها بعض النظريات الغربية بعد نهاية الحرب الباردة، عادت الحروب لتتحول مرة أخرى إلى صراعات طويلة ومكلفة تُستهلك فيها الموارد والذخائر والاقتصادات والإرادات السياسية على مدى أشهر وربما سنوات.
وربما كانت الحرب الأوكرانية المثال الأوضح على ذلك، حيث تحولت المعارك تدريجيًا إلى مواجهة استنزاف واسعة تشمل الصناعة العسكرية، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والاقتصاد، والإرادة الوطنية، وليس مجرد مواجهة ميدانية بين وحدات قتالية. وحتى في غزة، ورغم الفارق الهائل في القدرات العسكرية والتكنولوجية، لم تستطع القوة النارية وحدها أن تحقق حسمًا سياسيًا سريعًا ونهائيًا كما توقع البعض في البداية.
أما في المواجهة بين إسرائيل وإيران، فقد ظهر بوضوح كيف أصبحت الضربات بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، أدوات رئيسية في إدارة الصراع والضغط المتبادل، لكنها بقيت حتى الآن عاجزة عن إنتاج نتيجة سياسية نهائية أو فرض إرادة كاملة على الطرف الآخر.
وهنا تحديدًا تظهر الحقيقة الأهم التي كشفتها الحروب الحديثة: فالتكنولوجيا غيّرت شكل الحرب فعلًا، لكنها لم تُلغِ طبيعتها الأساسية. فالضربات الجوية والصاروخية تستطيع إيقاع خسائر كبيرة، والمسيّرات تستطيع إرباك الجيوش واستنزافها، والذكاء الاصطناعي يستطيع تسريع القرار العسكري، لكن كل ذلك لا يعني بالضرورة حسم الحرب بصورة نهائية.
وفي النهاية، بقيت السيطرة على الأرض، والوجود البشري، والقدرة على فرض النفوذ والاستقرار، عناصر لا يمكن تجاوزها بسهولة. فالحروب قد تبدأ من الجو، وقد تُدار عبر الشاشات والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، لكنها غالبًا ما تصل في لحظاتها الحاسمة إلى السؤال القديم نفسه: من يسيطر على الأرض في النهاية؟

لماذا لا تزال القوة البرية ضرورية؟
رغم كل ما شهدته الحروب الحديثة من تطور هائل في مجالات الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والذكاء الاصطناعي، والاستطلاع الفضائي، فإن سؤالًا جوهريًا ما يزال يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت التكنولوجيا قادرة على كشف الأهداف وضربها من مسافات بعيدة، فلماذا لا تزال الجيوش الكبرى تحتفظ بقوات برية ضخمة؟ ولماذا ما يزال الحديث عن السيطرة على الأرض يحتل هذا الموقع المركزي في التفكير العسكري والسياسي حتى اليوم؟ في الواقع، يكمن جزء كبير من الإجابة في الفرق بين “تدمير الهدف” و”تحقيق النتيجة السياسية”. فالحرب ليست مجرد عملية تقنية لتدمير مواقع أو آليات أو مراكز قيادة، بل هي في جوهرها وسيلة لفرض إرادة سياسية على الخصم. وهنا تبدأ حدود القوة الجوية والضربات بعيدة المدى بالظهور تدريجيًا، مهما بلغت دقتها وتأثيرها. فالطائرات والصواريخ والمسيّرات تستطيع أن تدمر، وتربك، وتستنزف، وتفرض كلفة باهظة على الطرف الآخر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحتل أرضًا، أو تفرض استقرارًا دائمًا، أو تدير مجتمعًا وسكانًا، أو تضمن السيطرة السياسية على منطقة متنازع عليها. فالقوة العسكرية، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بقدرتها على الإيذاء، بل بقدرتها على فرض واقع سياسي وأمني مستقر يخدم أهداف الدولة أو الطرف الذي يستخدمها.
وقد أثبتت الحروب الحديثة هذه الحقيقة بصورة متكررة، حتى لدى أكثر الدول تقدمًا تكنولوجيًا. فالولايات المتحدة مثلًا استطاعت خلال أسابيع قليلة إسقاط نظامي طالبان وصدام حسين بفضل التفوق الجوي والتكنولوجي الساحق، لكنها وجدت نفسها لاحقًا أمام تحدٍ أكثر صعوبة وتعقيدًا، يتمثل في السيطرة على الأرض، وضبط الأمن، وإدارة السكان، ومنع عودة التمرد والعنف. وهنا اكتشفت واشنطن، كما اكتشفت قوى كبرى أخرى قبلها، أن الحرب لا تنتهي دائمًا عندما تتوقف الغارات الجوية، بل عندما يتم فرض نظام سياسي وأمني مستقر على الأرض.
وفي أوكرانيا أيضًا، ورغم الدور الهائل للطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، بقيت السيطرة الفعلية على المدن والقرى وخطوط الإمداد مرتبطة بوجود القوات البرية. فالمناطق لا تُحسب في النهاية بعدد الصواريخ التي سقطت عليها، بل بمن يسيطر عليها فعليًا ويمسك بها على الأرض.
أما في غزة، فقد أظهرت الحرب مرة أخرى أن القوة النارية مهما بلغت شدتها لا تستطيع وحدها أن تحسم الصراع سياسيًا أو أمنيًا. فالقصف يمكن أن يدمّر البنية التحتية ويوقع خسائر كبيرة، لكنه لا يستطيع وحده إدارة مجتمع، أو القضاء على فكرة، أو فرض استقرار طويل الأمد من دون وجود بشري مباشر يسيطر ويتابع ويفرض النفوذ.
وهنا تبرز أهمية “الوجود البشري” في الحرب، وهي نقطة كثيرًا ما تُهمل في النقاشات التكنولوجية الحديثة. فالجندي لا يمثل مجرد أداة قتالية تحمل السلاح، بل يمثل أيضًا وجود الدولة وإرادتها وسلطتها على الأرض. والسيطرة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر التدمير عن بُعد، بل عبر الحضور الميداني، وإقامة نقاط السيطرة، وتأمين السكان، وضبط الحركة، وإدارة المساحات المتنازع عليها.
ولهذا السبب، فإن كثيرًا من الجيوش الحديثة بدأت تدرك أن التكنولوجيا لا تُلغي القوة البرية، بل تجعل استخدامها أكثر حساسية وتعقيدًا. فالقوات البرية المستقبلية لن تكون على الأرجح شبيهة بالجيوش الثقيلة التقليدية التي عرفها القرن الماضي، لكنها ستبقى مع ذلك عنصرًا لا غنى عنه لتحقيق النتائج النهائية للحرب.
ومن هنا يمكن فهم الحقيقة التي بدأت الحروب الحديثة تؤكدها مرة بعد أخرى: فالحروب قد تبدأ من الجو، وقد تُدار عبر الشاشات والمسيّرات والذكاء الاصطناعي، لكنها غالبًا ما تصل في نهايتها إلى الأرض، حيث تُحسم السيطرة، ويُفرض النفوذ، وتتقرر النتائج السياسية الفعلية للصراع.

المشكلة ليست في وجود الجيوش… بل في شكلها القديم
إذا كانت الحروب الحديثة قد أثبتت شيئًا مهمًا، فهو أن المشكلة لم تعد تكمن في وجود الجيوش البرية نفسها، بل في الطريقة التي صُممت بها بعض هذه الجيوش، وفي الأساليب التقليدية التي ما تزال تحكم طريقة تنظيمها وتسليحها وتحركها. فالكثير من الجيوش الحديثة ما يزال يحمل، بصورة أو بأخرى، إرث حروب القرن العشرين، حيث كانت الكتلة العسكرية الكبيرة، والتحشد الواسع، والارتال الثقيلة، تُعد علامات القوة الأساسية في ميدان المعركة. غير أن التطورات التكنولوجية الأخيرة بدأت تغيّر هذه المعادلة بصورة عميقة. فميدان القتال اليوم لم يعد يشبه الميدان الذي عرفته الجيوش قبل عقود. لقد أصبح أكثر انكشافًا وشفافية من أي وقت مضى، وباتت الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار المختلفة تراقب التحركات بصورة شبه دائمة، الأمر الذي جعل القدرة على إخفاء القوات أو المناورة الواسعة أكثر صعوبة وتعقيدًا.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، أصبحت التحشدات العسكرية الكبيرة أكثر عرضة للخطر. فالرُتل المدرع الضخم الذي كان يُنظر إليه يومًا بوصفه رمزًا للقوة، قد يتحول اليوم إلى هدف واضح يسهل رصده واستهدافه خلال وقت قصير. كما أن مراكز القيادة الكبيرة ومستودعات الإمداد التقليدية باتت أكثر هشاشة أمام الضربات الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات بعيدة المدى.
وقد ظهرت هذه الحقيقة بوضوح في الحرب الأوكرانية، حيث شاهد العالم كيف أصبحت الحركة البطيئة والتجمع لفترات طويلة في منطقة واحدة أمرًا شديد الخطورة. فالمشكلة لم تعد في قوة السلاح وحده، بل في قدرة الجيش على البقاء والتحرك والعمل تحت مراقبة مستمرة واستهداف دائم تقريبًا.
لكن هذا لا يعني أن الدبابة أو القوات البرية الثقيلة فقدت قيمتها بالكامل، كما يظن بعض المتحمسين لفكرة “الحرب التكنولوجية الخالصة”. فالقضية الحقيقية ليست إلغاء القوة البرية، بل إعادة التفكير في شكلها وطريقة استخدامها. فالحرب الحديثة لا تلغي القوة، لكنها تفرض عليها شروطًا جديدة للبقاء والفاعلية.
ولهذا السبب، بدأت الجيوش الحديثة تتجه تدريجيًا نحو نمط مختلف من التنظيم والقتال، يعتمد بدرجة أكبر على المرونة والانتشار والسرعة والقدرة على التكيف المستمر. فبدل الاعتماد المطلق على الكتل العسكرية الضخمة والبطيئة، بدأ الاهتمام يتزايد بالقوات الأخف والأكثر حركة، والوحدات الصغيرة القادرة على العمل بصورة مستقلة نسبيًا ضمن شبكة معلومات واتصالات متكاملة. كما أن الحروب الحديثة أعادت إحياء أهمية عنصر كان يُهمَل أحيانًا خلال فترات التفوق التكنولوجي السريع، وهو القدرة على التحمل والاستمرار لفترات طويلة. فالحرب في أوكرانيا مثلًا أظهرت أن الجيوش لا تحتاج فقط إلى أسلحة متطورة، بل تحتاج أيضًا إلى القدرة على تعويض خسائرها بسرعة، والحفاظ على تدفق الذخائر والمعدات، والاستمرار في القتال تحت ظروف الاستنزاف الطويل.
ومن هنا بدأ التفكير العسكري يتغير تدريجيًا، ليس فقط في طريقة استخدام القوات، بل حتى في فلسفة التسليح نفسها. فبدل الاعتماد الكامل على الأنظمة المعقدة والباهظة التي يصعب تعويضها عند خسارتها، أصبح هناك اهتمام متزايد بالأنظمة الأرخص نسبيًا، والقابلة للإنتاج الكثيف، والتي يمكن استبدالها بسرعة من دون أن يؤدي فقدانها إلى شلل القوة العسكرية.
وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما تواجهه الجيوش الحديثة هو نقص التكنولوجيا، بل الجمود الفكري وعدم القدرة على التكيف مع طبيعة الحرب الجديدة. فالجيوش التي تستمر في التفكير بعقلية الماضي قد تمتلك أسلحة متطورة فعلًا، لكنها قد تجد نفسها عاجزة عن استخدامها بكفاءة داخل ميدان قتال تغيّر بصورة جذرية. ولذلك، فإن مستقبل القوة البرية لا يرتبط فقط بامتلاك المزيد من السلاح، بل بالقدرة على إعادة تعريف شكل الجيش نفسه، ليصبح أكثر مرونة، وأسرع حركة، وأكثر قدرة على العمل داخل بيئة قتالية مكشوفة ومليئة بالمعلومات والاستهداف المستمر.

ملامح القوات البرية الجديدة
إذا كانت الحروب الحديثة قد كشفت حدود الجيوش التقليدية الثقيلة، فإنها في الوقت نفسه بدأت ترسم ملامح شكل جديد للقوة البرية، يختلف في كثير من تفاصيله عن الصورة الكلاسيكية التي عرفها العالم خلال القرن الماضي. فالجندي المستقبلي لن يكون مجرد مقاتل يحمل سلاحه ويتحرك داخل ميدان المعركة بالطريقة التقليدية المعروفة، بل سيصبح جزءًا من منظومة واسعة من المعلومات والاستشعار والاتصالات والقدرة على اتخاذ القرار السريع.
لقد بدأت الحرب الحديثة تتحول تدريجيًا إلى شبكة مترابطة من المجسات والبيانات والأنظمة الذكية، بحيث لم يعد العنصر الحاسم هو عدد الجنود أو الآليات فقط، بل القدرة على معرفة ما يجري في أرض المعركة بصورة أسرع وأدق من الخصم، ثم تحويل هذه المعلومات إلى قرارات وعمليات فعلية خلال وقت قصير جدًا.
ومن هنا، لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد سلاح إضافي يُلحق بالقوات البرية عند الحاجة، بل أصبحت جزءًا عضويًا من بنيتها اليومية. فالوحدة البرية الحديثة باتت تتحرك وهي تمتلك “عيونًا إلكترونية” ترافقها باستمرار، تكشف التحركات، وتراقب الطرق، وتحدد مواقع الخصم، وتوفر معلومات فورية للقادة والمقاتلين في الوقت نفسه. وفي بعض الحالات، أصبحت المسيّرات نفسها جزءًا من القوة النارية المباشرة للوحدة الصغيرة، وليس مجرد وسيلة استطلاع بعيدة.
وفي الوقت نفسه، بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل بصورة متزايدة في عملية إدارة المعركة واتخاذ القرار. صحيح أن القرار النهائي سيبقى في يد الإنسان في المستقبل المنظور، لكن الأنظمة الذكية أصبحت قادرة على تحليل كميات هائلة من المعلومات خلال ثوانٍ، واقتراح الأهداف، وترتيب الأولويات، وتوقع بعض التحركات المحتملة، وهو ما يمنح القادة قدرة أكبر على التعامل مع ميدان قتال سريع التغير ومتشبع بالمعلومات.
كما أن الاعتماد على المستشعرات والبيانات الفورية بات يغيّر طبيعة العمليات العسكرية نفسها. فالجيوش الحديثة لم تعد تعتمد فقط على ما يراه الجندي بعينيه، بل على شبكة واسعة من وسائل الرصد والمتابعة، تبدأ من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، ولا تنتهي عند أجهزة الاستشعار الإلكترونية والحرب السيبرانية وأنظمة الاتصالات الذكية.
وقد أدى هذا كله إلى تراجع الفاصل التقليدي بين المجالات المختلفة للحرب. فالمعركة الحديثة لم تعد برية أو جوية أو سيبرانية بصورة منفصلة، بل أصبحت ساحة مترابطة تتداخل فيها المعلومات الإلكترونية مع النيران التقليدية، وتؤثر فيها الهجمات السيبرانية أحيانًا بقدر تأثير المدفعية أو الصواريخ.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، بدأت الجيوش تعيد النظر أيضًا في طبيعة أنظمتها التسليحية. فالحرب الأوكرانية، على سبيل المثال، أظهرت أن الاعتماد الكامل على المنصات الضخمة والمعقدة والباهظة الكلفة قد لا يكون دائمًا الخيار الأكثر فاعلية، خصوصًا عندما تصبح هذه الأنظمة عرضة للاستهداف المستمر أو عندما يصعب تعويض خسائرها بسرعة.
ولهذا السبب، يتزايد الاهتمام اليوم بالأنظمة الأبسط والأرخص نسبيًا، والقابلة للإنتاج الكثيف، والتي يمكن استخدامها بأعداد كبيرة وتعويضها بسرعة عند فقدانها. فالحرب الحديثة لا تحتاج فقط إلى التكنولوجيا المتقدمة، بل تحتاج أيضًا إلى القدرة الصناعية واللوجستية على الاستمرار والتجدد تحت ظروف الاستنزاف الطويل.
وهكذا، فإن القوة البرية الجديدة لن تقوم على مبدأ “الكتلة الثقيلة” وحدها، بل على مزيج أكثر تعقيدًا يجمع بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين المرونة والسرعة، وبين المعلومات والنيران، وبين القدرة على القتال والقدرة على التكيف المستمر. وربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي تحاول الجيوش الكبرى في العالم فهمه اليوم، وهي تعيد النظر في شكل جيوشها وطريقة استعدادها لحروب المستقبل.

المعركة القادمة: صراع بين الجيوش التي تتكيف والجيوش التي تتجمد
ربما يكون الدرس الأهم الذي تكشفه الحروب الحديثة اليوم هو أن الصراع الحقيقي لم يعد فقط بين جيوش تمتلك أسلحة أفضل وجيوش تمتلك أسلحة أضعف، بل بين جيوش قادرة على التكيف السريع مع طبيعة الحرب الجديدة، وأخرى ما تزال أسيرة أساليب التفكير القديمة مهما امتلكت من معدات وتجهيزات متطورة.
فالتاريخ العسكري يبين لنا أن كثيرًا من الجيوش لم تُهزم بسبب نقص الشجاعة أو ضعف السلاح، بل لأنها عجزت عن فهم أن طبيعة الحرب نفسها كانت قد تغيرت كما في الحرب العالمية الأولى بالنسبة للجيش الفرنسي والبريطاني مقابل القوات المدرعة الألمانية التي تبنت مفهوم الحرب الخاطفة Blitzkrieg. وعندما يتغير شكل الحرب، فإن الأسلحة وحدها لا تكفي إذا بقي العقل العسكري يفكر بالطريقة القديمة نفسها. ولعل التاريخ العسكري الحديث يقدم أمثلة واضحة على ذلك. ففي حرب تشرين عام 1973، فوجئت إسرائيل بصورة كبيرة بالتغير الذي طرأ على طبيعة ميدان المعركة بعد الاستخدام المكثف للصواريخ المضادة للدروع والطائرات، وهو ما أدى في الأيام الأولى للحرب إلى إرباك عميق في العقيدة القتالية التي اعتمدت عليها القوات الإسرائيلية بعد حرب عام 1967. ولم تكن المشكلة يومذاك في نقص السلاح أو ضعف الكفاءة القتالية، بل في التأخر في استيعاب أن البيئة القتالية نفسها بدأت تتغير.
وبصورة مشابهة، أظهرت الحرب الروسية ـ الأوكرانية كيف يمكن حتى للجيوش الكبرى أن تواجه صعوبة في التكيف السريع مع ميدان قتال جديد تهيمن عليه المسيّرات، والاستطلاع الفوري، والضربات الدقيقة، والحرب الإلكترونية. فقد دخلت روسيا الحرب وهي تمتلك واحدة من أكبر الترسانات العسكرية في العالم، لكن الأشهر الأولى أظهرت أن الحجم الكبير والقوة النارية التقليدية لا يكفيان وحدهما عندما تصبح التحركات مكشوفة بصورة شبه دائمة، وعندما يتحول ميدان المعركة إلى شبكة مستمرة من الرصد والاستهداف.
أما الحرب بين أذربيجان وأرمينيا، فقد قدمت مثالًا آخر على هذا التحول، عندما استطاعت المسيّرات والقدرات الإلكترونية الحديثة أن تلعب دورًا حاسمًا في تغيير ميزان المعركة، وأن تقلل بصورة كبيرة من فعالية كثير من الأساليب التقليدية التي كانت تعتمد عليها القوات الأرمينية، خصوصًا في ما يتعلق بالتحصينات الثابتة والدروع الثقيلة.
وفي الحقيقة، فإن هذه الأمثلة المختلفة، رغم تباعد أماكنها وظروفها، تكشف حقيقة واحدة مشتركة، وهي أن الجيوش التي لا تواكب التحول في طبيعة الحرب قد تجد نفسها تمتلك السلاح، لكنها تفتقد القدرة على استخدامه ضمن بيئة قتالية تغيّرت قواعدها بصورة جذرية. ولهذا السبب، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الجيوش الحديثة ليس نقص التكنولوجيا، بل الجمود الفكري والعقائدي. فبعض الجيوش قد تنفق مليارات الدولارات على شراء الطائرات والمسيّرات والمنظومات الذكية، لكنها تستمر في إدارتها بعقلية تقليدية لا تنسجم مع طبيعة البيئة القتالية الجديدة. وعندها تتحول التكنولوجيا نفسها إلى مجرد أدوات باهظة الثمن تُستخدم داخل منظومة تفكير قديمة وغير قادرة على استثمار إمكاناتها الحقيقية.
إن الحرب الحديثة لا تتطلب فقط إضافة معدات جديدة إلى الجيوش القائمة، بل تتطلب قبل ذلك تغييرًا في طريقة التفكير، وفي مفهوم القيادة، وفي أساليب التنظيم والتدريب واتخاذ القرار. فالجيوش التي بُنيت على المركزية الثقيلة والبنى البيروقراطية المعقدة قد تجد نفسها عاجزة عن مواكبة ميدان قتال يتحرك بسرعة كبيرة ويعتمد على المعلومات الفورية وردود الفعل السريعة. ومن هنا، فإن الإصلاح الفكري والعقائدي يصبح أحيانًا أكثر أهمية من شراء السلاح نفسه. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، لا تعمل وحدها بصورة سحرية، بل تحتاج إلى عقل عسكري قادر على فهم طبيعتها وحدودها وطريقة دمجها داخل العقيدة القتالية بصورة صحيحة. ولهذا نرى اليوم أن كثيرًا من الجيوش الكبرى لم تعد تسأل فقط: “ما هو السلاح الذي نحتاجه؟”، بل بدأت تسأل أيضًا: “كيف يجب أن نفكر وننظم قواتنا ونقاتل في هذا العصر الجديد؟”
وفي الحقيقة، فإن العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان في الحرب ستكون من أكثر القضايا حساسية في العقود المقبلة. فالبعض يتصور أن الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة قد تجعل دور الإنسان أقل أهمية مع مرور الوقت، لكن التجارب العملية حتى الآن تشير إلى أن التكنولوجيا لا تُلغي العامل البشري، بل تجعل كفاءته وخبرته وقدرته على اتخاذ القرار أكثر أهمية وتعقيدًا في الوقت نفسه.
فالآلة تستطيع أن تجمع المعلومات وتحللها بسرعة مذهلة، لكنها لا تمتلك الإرادة السياسية أو القدرة على تحمل المسؤولية أو فهم التعقيدات النفسية والاجتماعية والإنسانية التي ترافق الحروب دائمًا. كما أن ميدان القتال، مهما أصبح رقميًا ومرتبطًا بالشبكات، يبقى مليئًا بالمفاجآت والظروف غير المتوقعة التي تحتاج إلى الخبرة البشرية والحكم الميداني والقدرة على التكيف. ولهذا، فإن الجيوش التي ستنجح في المستقبل لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من الأنظمة الذكية فقط، بل تلك التي تنجح في إيجاد التوازن الصحيح بين التكنولوجيا والعقل البشري، وبين السرعة التقنية والخبرة القتالية، وبين الآلة والإرادة الإنسانية. وفي المقابل، فإن الجيوش التي ترفض التغيير، أو تحاول مواجهة الحروب الجديدة بعقلية الماضي، قد تتحول تدريجيًا إلى هياكل ثقيلة وبطيئة ومكلفة، يصعب عليها البقاء في ميدان قتال يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. وربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي بدأت بالفعل داخل كثير من المؤسسات العسكرية في العالم اليوم: معركة التكيف قبل أن تكون معركة السلاح نفسه.

الخاتمة: الإنسان ما يزال في قلب الحرب
لقد غيّرت التكنولوجيا الحديثة شكل الحرب بصورة عميقة فعلًا. فالطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والاستطلاع الفضائي، والحرب السيبرانية، والقدرة على إدارة العمليات في الزمن الحقيقي، كلها عناصر لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل عقود قليلة فقط. كما أن ميدان القتال أصبح أكثر سرعة وانكشافًا وتعقيدًا، وباتت الجيوش مضطرة إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم والأساليب التي حكمت التفكير العسكري طوال القرن الماضي.
لكن، ورغم كل هذا التحول الهائل، فإن الحروب الحديثة لم تُلغِ الإنسان من المعادلة، ولم تجعل الصراع مجرد مواجهة بين آلات وأنظمة إلكترونية كما يتصور البعض أحيانًا. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، تبقى في النهاية أداة تستخدمها الإرادة البشرية، وليست بديلًا عنها. والحرب، في جوهرها، ما تزال صراع إرادات ومصالح وسيطرة سياسية قبل أن تكون مجرد تبادل للنيران أو للبيانات والمعلومات.
وربما يكون الخطأ الأكبر الذي وقع فيه بعض المحللين خلال السنوات الأخيرة هو الاعتقاد أن تطور التكنولوجيا يعني تلقائيًا نهاية القوة البرية أو اختفاء دور الجندي من ميدان المعركة. بينما تشير الوقائع العملية للحروب الحديثة إلى حقيقة مختلفة تمامًا، وهي أن الذي بدأ يفقد صلاحيته ليس فكرة القوة البرية نفسها، بل الشكل التقليدي القديم لبعض الجيوش الثقيلة والبطيئة التي لم تعد تنسجم مع طبيعة الحرب الجديدة.
فالحروب الحديثة لا تحتاج فقط إلى السلاح المتطور، بل تحتاج أيضًا إلى المرونة، وسرعة التكيف، والقدرة على العمل داخل بيئة قتالية متغيرة ومشبعة بالمعلومات والاستهداف المستمر. كما أنها تحتاج إلى جيوش قادرة على الدمج بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين الذكاء الاصطناعي والخبرة الميدانية، وبين النيران الدقيقة والقدرة على السيطرة الفعلية على الأرض وتحقيق النتائج السياسية المطلوبة.
ولهذا، فإن مستقبل الحرب لن يكون بالضرورة من نصيب الجيوش التي تمتلك أكبر عدد من الطائرات المسيّرة أو الأنظمة الذكية فقط، بل من نصيب الجيوش التي تنجح في بناء توازن جديد بين التكنولوجيا والعقل البشري، وبين التطور التقني والقدرة على فهم طبيعة الصراع الإنساني المعقد.
فالحروب قد تصبح أكثر رقمية، وأكثر ارتباطًا بالشبكات والذكاء الاصطناعي، لكنها ستبقى في النهاية مرتبطة بالإنسان نفسه؛ بقراره، وإرادته، وقدرته على الصمود والتكيف وفرض النفوذ والسيطرة على الأرض. وربما لهذا السبب بالذات، فإن السؤال الحقيقي في حروب المستقبل لن يكون: “هل ستختفي الجيوش البرية؟”، بل: “كيف يجب أن تتغير لكي تبقى قادرة على القتال والانتصار في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟”

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

831 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع