
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

سيرانوش الريحاني أيقونة عراقية في عالم الطب- الجزء الثاني
تُعد الطبيبة الرائدة سيرانوش ناصر الريحاني (1920-2012) واحدة من أهم الطبيبات الرائدات في العراق، وقد قدّمت خدماتها الطبية الجليلة للمجتمع العراقي، وظلت الذاكرة العراقية تذكرها بحب واعتزاز لما قدمته على مدى أكثر من نصف قرن لبلدها.
لقد كان لمسيحي الموصل موقعا رياديا في العديد من المجالات الحضارية على مستوى العراق. فقد كان أول طبيب عراقي (بالمعنى الحديث) من مسيحيي الموصل، هو الدكتور سليمان غزالة المولود سنة 1853 والمتخرج من باريس. وكان أول رئيس لجامعة بغداد هو الدكتور متي عقراوي، وهو رائد وعرّاب التعليم الإلزامي في العراق، وهو من مسيحيي الموصل أيضا.
وكان أول وزير صحة عراقي من مسيحيي الموصل، وهو الدكتور حنا بهنام خيّاط، وكان أيضا أول عميد عراقي للكلية الطبية الملكية العراقية وشغل منصبه عام 1934. وكان أول طبيب عراقي حصل على اختصاص من لندن هو من مسيحيي الموصل كذلك، وهو الدكتور عبد الله قصير.
وكانت أول طبيبة عراقية تخرجت من كلية الطب في بغداد من مسيحيي الموصل، وهي الدكتورة سيرانوش ناصر ريحاني، وإن تخرجت قبلها من بيروت آنا ستيان وهي من أرمن بغداد. وكذلك كانت أول مهندسة عراقية من مسيحيي الموصل، وهي جوزفين غزالة.
تُعد الدكتورة سيرانوش الريحاني واحدة من أشهر طبيبات النسائية في زمانها على مستوى العراق، وهي أول طبيبة نسائية وتوليد متخصصة في الموصل.
و"سيرانوش" كلمة فارسية مؤلفة من كلمتين: (سير) وتعني (راض وسعيد) و (أنوش) وتعني (خالد). والدكتورة سيرانوش من الأسماء الراسخة في أذهاننا حيث حفضنا اسمها منذ نعومة أضفارنا لأن والداتنا كانت تراجعها باستمرار في عيادتها. وقد نشرتُ سيرتها الكاملة، موثّقة بصور تاريخية نادرة، في كتابي الأخير ((نساء موصليات)) والصادر عام 2025.
ويُذكر أن الدكتورة سيرانوش كانت أول امرأة والوحيدة في الموصل التي تقود سيارة في خمسينات القرن الماضي، حيث كان لديها سيارة شوفرليت مكشوفة تحمل الرقم (170 موصل)، وكان بيتها على الصعدة مال فندق الرافدين قرب محطة القطار، وقد اشترى بيتها الشيخ شعلان ولا زال البيت موجود إلى الآن.
ولدت سيرانوش الريحاني في محلة الساعة في الموصل وأنهت تعليمها الابتدائي والثانوي في الموصل، ودخلت كلية الطب في جامعة بغداد وتخرّجت منها بتاريخ 1944/6/22 وكانت الأولى على دورتها.
عملت الدكتورة سيرانوش طبيبة نسائية وتوليد في مستشفيات الموصل بعد تخرجها حتى العام 1961، وكان لها عيادة في السرجخانة/ شارع نينوى وكانت كشفيتها ربع دينار وكانت تساعد الفقراء، كما كانت ذات شهرة واسعة وقدّمت خدمات جليلة للمجتمع.
تزوجت الدكتورة سيرانوش من قريبها المهندس الميكانيك زكي الريحاني سنة 1948 بعد تخرجها بأربع سنين، وقد رُزقا بأربعة الأولاد:
- أسامه الريحاني: اختصاص فيزياء/جيولوجيا.
- ندى الريحاني: اختصاص تصميم.
- أثيل الريحاني: ماجستير بتروكيماويات.
- ريم الريحاني: إدارة أعمال.
سافرت الدكتورة سيرانوش إلى لندن لاستكمال دراستها التخصصية، ثم عادت عام 1961، وشهدت تلك الفترة اضطرابات في الموصل في أعقاب ثورة الشوّاف 1959، فعملت الدكتورة سيرانوش في البصرة وفي بغداد في مستشفى السعدون ومستشفى الراهبات.
بقيت تعمل في العراق لغاية العام 2001 مع بدء الحصار الجائر على العراق، ثم هاجرت مع عائلتها إلى مدينة مادسن بالولايات المتحدة الأمريكية وبقيت هناك حتى وفاتها سنة 2012 عن عمر يناهز 92 سنة.
من الذكريات الجميلة التي لا زالت عالقة في وجدان النساء العراقيات عن الدكتورة سيرانوش، أنهم كانوا يتغنون باسمها ويقولون:
عيني سعد عيني وعد
عيني سيرانوش ... دقتلي سكة بالحوش
أي أن المرأة أصبح عندها أولاد أسماءهم (سعد) و (وعد) وأن الدكتورة سيرانوش هي من قامت في علاجها ورعايتها.
يذكر الصديق أبو عمّار السبعاوي: "إن خير من ذُكرت هي الطبيبة سيرانوش الريحاني، أنا كنتُ أراها في المستشفى الجمهوري بالموصل منذ العام 1956 ولغاية سنة 1962، ثم جاءت فترة الاغتيالات بعد ثورة الشوّاف، مما تسبب في تهجير بعض شرائح المجتمع من الموصل.
ويصف أبو عمار الدكتورة سيرانوش بأنها كانت لطيفة وتملك من الإنسانية بشكل لا يُصدّق، وهي طبيبة في قمة الأخلاق والإنسانية، وكانت تساعد الفقراء وتضحي بوقتها لأجل راحة المرضى، ولها فضل علينا وعلى عائلتي خاصة. وكانت هي والطبيبات شفيقة الملّاح وتماضر العزاوي ومُدركة الخطيب من النماذج الراقية في الطب النسائي في الموصل.

الدكتورة فكتوريا عبد الأحد مطلوب (1920-2004):
هي فكتوريا عبد الأحد مطلوب من مواليد الموصل، وهي من جيل الدكتورة سيرانوش الريحاني (1920-2012). درستا في مدرسة واحدة، وكلاهما طبيبتان مشهورتان درستا الطب في الكلية الطبية الملكية العراقية في بغداد: الدكتورة سيرانوش الريحاني عملت في الموصل ثم عملت في بغداد ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة وتوفيت هناك سنة 2012. أما الدكتورة فكتوريا عبد الأحد مطلوب فقد عملت في الموصل وكركوك ثم انتقلت إلى البصرة وكانت من الأطباء الرواد فيها وقد عاشت آخر أيامها في لبنان وتًوفيت فيها.
لقد أرسل لنا أحد الأصدقاء المقيمين حاليا خارج العراق بعض الصور الشخصية عن سيرانوش الريحاني وفكتوريا عبد الأحد مطلوب عندما كانتا طالبتين في مدرسة واحدة في الدراسة الإعدادية.
الصورة أعلاه صورة تاريخية عمرهما تسعة عقود ومأخوذة سنة 1937 في سفرة مدرسية ربيعية في (منطقة بعشيقة) الشهيرة ببساتين الزيتون، وكانت السفرة بسبب إحراز المدرسة بطولة رياضية. ومن ضمن الطالبات الظاهرات في الصورة: سيرانوش الريحاني وفكتوريا مطلوب. وهذا مؤشر على أن سيرانوش الريحاني وفكتوريا مطلوب كانتا من الناشطات في مجال الرياضة النسوية في شبابهما.
لقد تحدث الأستاذ الدكتور سالم الدملوجي عن الدكتورة فكتوريا مطلوب في كتابه الموسوم "الكلية الملكية العراقية من خلال سيرة ذاتية"، الجزء الأول 1940-1946، الطبعة الأولى 2003، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت. وقد أشاد بها الدكتور الدملوجي وذكر أن الدكتورة فكتوريا مطلوب كانت تعمل بكل جد ونشاط بين ردهات التوليد في مستشفى كركوك.
https://www.facebook.com/reel/1021423083399182

814 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع