عقدة "المكونات" في العراق: هل بات العرف السياسي مقصلة للديمقراطية؟

قاسم محمد داود

عقدة "المكونات" في العراق: هل بات العرف السياسي مقصلة للديمقراطية؟

سيناريو صباحي يتكرر: يستيقظ المواطن العراقي في بغداد أو البصرة أو الموصل على صوت مولد كهرباء الجيران، بينما لا تزال صنابير الماء فارغة وطرقات المدينة تغرق بمياه الصرف الصحي. يُسرع إلى عمله أو بحثاً عنه، ماراً بأكوام النفايات التي لم تُرفع منذ أسابيع. في المساء، يشعل شمعة أو يعتمد على بطارية هاتفه الخلوي ليبحث في الأخبار: "لا جديد في تشكيل الحكومة". تمرّ الشهور تلو الشهور على إغلاق صناديق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة (نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، وبينما ينتظر الشارع العراقي حلولاً عاجلة لأزمات السكن المتفاقمة (التي تجاوزت نسبة العجز فيها 2.5 مليون وحدة سكنية)، والبطالة المزمنة (التي تلامس 35% بين الشباب)، وتردي الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصحة، تظل الغرف السياسية المغلقة مسرحاً لشدّ وجذب لا ينتهي.
أكثر من خمسة أشهر مضت، والإطار التنسيقي – بوصفه المظلة الجامعة للقوى الشيعية الرئيسية – ظل عاجزاً عن حسم تسمية مرشح موحد لمنصب رئاسة الوزراء، رغم تجاوز بعض المهل الدستورية وتأجيل الاجتماعات المتكرر لأكثر من 20 مرة. هذه العقدة ليست مجرد خلاف شخصي أو تنافس على الأسماء، بل تكمن في صميم "نظام المكونات" (المحاصصة الطائفية-الإثنية) الذي بات يلتهم جسد الدولة العراقية ويعيد إنتاج أزماتها بصورة دورية، كما حدث في كل دورة انتخابية سابقة منذ عام 2005.
تعطيل بنيوي وليس مجرد تأخير
المشكلة هنا لم تعد مجرد تأخير سياسي عادي، بل تحوّلت إلى حالة "تعطيل بنيوي" للدولة بأكملها؛ حيث تتوقف قرارات مصيرية تتعلق بالأمن والاقتصاد، وتتراكم الملفات المالية والخدمية، وتُجمَّد مشاريع حيوية مثل البنية التحتية والاستثمارات، بانتظار توافقات قد لا تأتي إلا بعد استنزاف الوقت والموارد العامة. وزارة التخطيط قدرت، في تقرير داخلي مسرب، أن كل شهر تأخير في تشكيل الحكومة يكلف الاقتصاد العراقي حوالي 2.5 مليار دولار من الفرص الضائعة. والنتيجة؟ مواطن يشعر بأن الدولة تدور في حلقة مفرغة، بينما تتآكل ثقته بالعملية السياسية يوماً بعد يوم.
الدستور الصامت والعرف الناطق: مفارقة قاتلة
المفارقة الكبرى في المشهد العراقي تكمن في أن الدستور الدائم لعام 2005 لا يحتوي على نص واحد يُلزم بتوزيع المناصب السيادية (رئاسة الوزراء، الجمهورية، البرلمان) على أساس طائفي أو إثني. بل على العكس، تؤكد المادة (14) منه على أن "العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو الطائفة أو العرق". ومع ذلك، تحول "العرف" إلى دستور موازٍ وأكثر صرامة وفعالية من الدستور نفسه؛ حيث أصبح من المسلمات غير القابلة للنقاش أن رئاسة الوزراء "حصة" الشيعة، ورئاسة الجمهورية "حصة" الكرد، ورئاسة البرلمان "حصة" السنة.
هذا التحول لم يكن بريئاً أو عفوياً، بل جاء نتيجة تراكم سياسي بعد سقوط النظام السابق عام 2003، حيث جرى تثبيت مبدأ "التمثيل المكوناتي" كحل مرحلي مؤقت لتفادي الصراعات الطائفية الحادة في مرحلة انتقالية هشة. لكنه مع الوقت – ومع تكرار الدورات الانتخابية – تحوّل إلى قاعدة دائمة شبه مقدسة، بل صارت انتهاكها بمثابة "خط أحمر" يهدد بتفكيك النظام بأكمله. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ما بدأ كحل انتقالي للتوازن أصبح قيداً دائماً يخنق الديمقراطية ويفرغها من مضمونها.
صراع البيت الواحد ومعاناة التشكيل
إن هذا التمادي في الأعراف جعل من منصب رئيس الوزراء ساحة لصراع "البيت الواحد" داخل المكون الشيعي نفسه، فالمشكلة لم تعد في الاتفاق مع المكونات الأخرى (السنية أو الكردية)، بل في الحصول على مباركة داخلية متفق عليها داخل المكون، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً في ظل تناحر أجنحة الإطار التنسيقي مما يحول عملية التشكيل إلى سلسلة لا تنتهي من "الفيتوات" المتبادلة. هذه الفيتوات تشل حركة الدولة، وتؤخر تشكيل الحكومة، وتجعل الانتخابات مجرد محطة لإعادة توزيع النفوذ بدلاً من أن تكون بوابة للتغيير الحقيقي.
لماذا يتمسك الكبار بـ "المحاصصة" رغم فشلها الذريع؟
هنا يطرح المواطن العراقي العادي سؤالاً مشروعاً وبسيطاً: إذا كان هذا النظام ينتج أزمات دورية ويُعطّل التنمية، فلماذا لا نغادره نحو "فضاء وطني" يعتمد على الكفاءة والبرامج؟ الإجابة تكمن في ثلاثة عوائق هيكلية عميقة الجذور:
أولاً: درع الحماية الطائفي – تنظر الأحزاب التقليدية إلى المحاصصة بوصفها الضمانة الوحيدة لعدم تهميشها أو فقدان نفوذها. فالانتقال إلى الفضاء الوطني يعني الاحتكام إلى معايير الكفاءة والبرنامج السياسي والأداء، وهو ميدان قد تخسر فيه هذه الأحزاب التي بنت شرعيتها على تمثيل "الهوية" (الطائفية أو الإثنية) أكثر من تمثيل "المشروع الوطني".
ثانياً: اقتصاديات الأحزاب – نظام المكونات لا يوزع المناصب السيادية فحسب، بل يوزع النفوذ الاقتصادي والمالي. فالوزارات تتحول إلى شبه "إقطاعيات" حزبية تُدار من خلالها شبكات التعيينات (أكثر من 80% من التعيينات الحكومية تخضع لكوتا حزبية غير معلنة)، والعقود الحكومية، والاستثمار السياسي. أي انتقال نحو دولة مؤسسات حقيقية يعني قطع هذا الشريان الحيوي للأحزاب، وهو ما يجعل مقاومة التغيير شديدة ومستمرة، بل ومسلحة أحياناً بأدوات الضغط والفيتو المسلح أحياناً.
ثالثاً: فوبيا الأغلبية – هناك خشية متجذرة تاريخياً من أن يؤدي الانتقال إلى نموذج "الأغلبية السياسية" إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة، أو تهميش المكونات الأصغر (التركمان، المسيحيون، الصابئة، الشبك، الأيزيديون). هذه المخاوف – وإن كانت مفهومة في سياق التاريخ العراقي المضطرب – تُستخدم اليوم كذريعة للإبقاء على "توافق هش" يمنع الحسم الديمقراطي، ويحول دون بناء معارضة حقيقية داخل النظام. لكن الأخطر من ذلك كله أن هذا النظام لا ينتج "شراكة وطنية" حقيقية، بل ينتج "شللاً جماعياً"، حيث يمتلك الجميع جزءاً من السلطة، لكن لا أحد يتحمل المسؤولية الكاملة عن الفشل أو النجاح.
حين تتحول الديمقراطية إلى إجراء بلا نتائج
في التجارب الديمقراطية الناضجة، تُفضي الانتخابات إلى حكومة واضحة المعالم، ولها برنامج تنفيذي محدد، وتكون خاضعة لمحاسبة شعبية لاحقة. أما في العراق، فإن الانتخابات كثيراً ما تتحول إلى مجرد محطة لإعادة توزيع النفوذ والحصص داخل الغرف المغلقة، دون تغيير جوهري في بنية الحكم أو تحسين واقع المواطن.
وهنا تتجلى الأزمة الأخطر: عندما يشعر المواطن أن صوته لا يغيّر شيئاً ملموساً، وأن نتائج الانتخابات تُعاد صياغتها وفقاً لتوازنات المكونات، فإن الثقة بالنظام الديمقراطي تبدأ بالتآكل تدريجياً. هذا التآكل يفتح الباب واسعاً أمام العزوف السياسي المتزايد (نسبة المشاركة في انتخابات 2025 لم تتجاوز 34%، مقارنة بـ 62% في 2018)، أو – في أسوأ الحالات – الانفجار الاجتماعي والاحتجاجات التي رأيناها في تشرين 2019 والتي أودت بحياة المئات.
الفضاء الوطني: الممر الإجباري للإصلاح الحقيقي
إن الخروج من عنق الزجاجة هذا يتطلب شجاعة سياسية استثنائية تكسر جدار "المكونات" لصالح "المواطنة المتساوية". نظام انتخابي يشجع على تشكيل كتل عابرة للطوائف والمدن والإثنيات هو وحده الكفيل بإنتاج رئيس وزراء "عراقي" ببرنامج تنفيذي واضح، بدلاً من رئيس وزراء "مكوناتي" مهمته الأساسية ترضية الأطراف وتوزيع الحصص.
ولا يعني ذلك إلغاء التعددية أو الهويات الفرعية، بل إعادة تنظيمها ضمن إطار وطني جامع يحترم التنوع ويضمن تمثيلاً عادلاً من خلال دوائر انتخابية متعددة الأعضاء على مستوى المحافظات، مع وجود كوتا مؤقتة للأقليات البيولوجية (وليس السياسية). بحيث تكون المنافسة السياسية على أساس البرامج والرؤى والأداء، لا على أساس الانتماء الهوياتي. الاستمرار في نهج المحاصصة يعني استمرار الأزمات بشكل أكثر تعقيداً: تأخير مزمن في تشكيل الحكومات (وسطياً 8 أشهر بعد كل انتخابات)، تعطيل إقرار الموازنات العامة (موازنة 2026 لا تزال عالقة)، شلل في المشاريع الاستراتيجية، وتآكل مطرد للثقة الشعبية بالنظام السياسي برمته.
سؤال ينتظر إجابة
العراق اليوم أمام مفترق طرق حقيقي ومصيري؛ إما البقاء في شرنقة "العرف" التي تخنق الدولة وتؤجل الحلول إلى ما لا نهاية، أو الشروع في إعادة تعريف السياسة على أساس "الدولة والمواطن" لا "المكونات والحصص". فالانسداد الحالي ليس مجرد أزمة مرشح لرئاسة الوزراء، بل هو مؤشر خطير على أن النظام السياسي وصل إلى حدوده القصوى، وأنه يحتاج إلى إصلاح جذري يتجاوز الترقيع – ربما من خلال مؤتمر وطني يضع "ميثاقاً جديداً للجمهورية الثالثة". كل تأخير إضافي في معالجته يعني مزيداً من فقدان الوقت الثمين، ومزيداً من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
إن السؤال لم يعد: "من يحكم العراق؟"
بل أصبح: "كيف يُحكم العراق؟"
وهذا هو السؤال الذي سيحدد إن كانت الديمقراطية العراقية ستبقى إطاراً شكلياً فارغاً، أم تتحول فعلاً إلى أداة حقيقية لبناء دولة قادرة، عادلة، ومستقرة تخدم كل مواطنيها دون تمييز.
والسؤال لك أيها القارئ قبل أن تغلق الصفحة: كم سنة إضافية من الانسداد السياسي أنت مستعد لتحملها، ومتى تقول كفى للمحاصصة؟

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

690 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع