
بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
6 أيار 2026
بين الخيط الأبيض والأسود تكمن الحقيقة الغائبة
( حين تختلط الحقيقة بالدعاية والتشويه كانت قصة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بين المخفي والمعلن )
توطئه : على العرب إدراك الحقيقة الغائبه قبل ان يغادرهم التاريخ .. التقارب عبر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران يعني أن الصراع لا يُحسم دائمًا بالقوة، بل بإعادة ترتيب المصالح. هذا التقارب قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة بشكل يؤثر مباشرة على الدول العربية.
إذا بقي العرب في موقع المتفرج، فقد تُتخذ قرارات مصيرية دون مشاركتهم.إدراك الحقيقة يعني فهم أن السياسة تحكمها المصالح لا الشعارات.أما مغادرة التاريخ فتعني خسارة القدرة على التأثير في مستقبل المنطقة وترك الآخرين يحددون مسارها..اتمنى ان يدرك ابناء عمومتي ماوراء الحدث .
١. حتى اليوم 6 مايو 2026، يمكن تلخيص نتائج الحرب والمواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة بأنها لم تُحسم لصالح طرف بشكل نهائي، بل انتهت مؤقتًا إلى هدنة هشة قابلة للتمديد وجمود استراتيجي أكثر من كونها نصرًا واضحًا لأي طرف. البيت الأبيض قال إن الأعمال القتالية “انتهت” بعد وقف إطلاق النار، لكن داخل واشنطن نفسها هناك جدل لأن الحصار البحري والتهديد باستئناف الضربات ما زالا قائمين ويمكن النظر اليها من المعطيات ادناه:
أ.عسكرياً: الهجمات الجوية الأمريكية والإسرائيلية أضعفت قدرات إيران العسكرية التقليدية وألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية والصناعية الدفاعية، لكن الهدف الأكبر المعلن أمريكيًا ( إغلاق طريق إيران نحو السلاح النووي نهائيًا لم يتحقق بالكامل ) . تقارير استخبارات أمريكية قالت إن التقدير الزمني لقدرة إيران على إنتاج سلاح نووي لم يتغير كثيرًا خلال شهرين من الحرب، وأن جزءًا مهمًا من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ما زال يمثل مشكلة قائمة.
ب. سياسيًا : لم تحقق واشنطن تسوية نهائية، ولم تُجبر طهران على قبول الشروط الأمريكية الأساسية، لذلك تبدو النتيجة الحالية أقرب إلى مأزق تفاوضي. حتى التقارير الأمريكية نفسها تتحدث عن احتمال تحول الوضع إلى (نزاع مؤجل طويلا ) مع بقاء فجوات كبيرة بين الطرفين.
ج. أقتصادياً: إيران تعرضت إلى أضرار اقتصادية كبيرة جدًا بضغط على الصادرات النفطية، تراجع في العملة، تضخم، وتعطل أعمال ومهن داخلية. لكن في المقابل، لم يحدث انهيار سريع للدولة أو للنظام؛ إذ ساعدتها الإمدادات الداخلية، التجارة البرية مع الجيران، والاحتياطيات المتاحة على الصمود مؤقتًا رغم الخسائر. بمعنى آخر ( إيران تألمت اقتصاديًا بشدة، لكنها لم تنهَار بسرعة وكما كان متوقع ).
د. الانعكاسات : الحرب سببت اضطرابًا في أسواق الطاقة ورفعت الأسعار عالميًا، خصوصًا بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة النفط العالمية.مما جعل كلفة الحرب لا تتحملها إيران وحدها، بل امتدت إلى الولايات المتحدة وحلفائها عبر ارتفاع أسعار الوقود والضغط السياسي الداخلي.
١. حسابات الربح والخسارة : من حيث النتائج حتى الان فالإجابة الأدق هي ( لا يوجد رابح واضح حتى الآن.
أمريكا أضعفت إيران عسكريًا لكنها لم تُنهِي الملف النووي ولا النفوذ الإيراني بالكامل ) أما أيران رغم الضربات والخسائر، أثبتت ( أنها ما تزال قادرة على التحمل وامتلاك أوراق ضغط استراتيجية، خصوصًا في ملف الطاقة والملاحة ) وعليه يمكن توصيف النتيجة الحالية هي استنزاف ( متبادل وهدنة غير مستقرة ) بلا نصر حاسم.
١. تأثير الحرب على المنطقة العربية:، الحرب كشفت
بأنه أقرب إلى ( أسوأ سيناريو ) لدول الخليج لم يعد الخطر نظريًا، بل أصبح واقعًا يمس الأمن والطاقة والتجارة والحياة اليومية. الهجمات والصواريخ والقلق من توسع الحرب هزّت الإحساس بالاستقرار في المنطقة، وأظهرت هشاشة الاعتماد على الهدوء الدائم في الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية.
١. المعادلات على طاولة مضيق هرمز : إيران أظهرت قدرة فعلية على تعطيل المرور في واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم، ما أدى إلى احتجاز وتأخير أعداد كبيرة من السفن وخلق أزمة ثقة عند شركات الشحن والتأمين، حتى بعد الهدنة. هذا لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل يعني أيضًا أن الخليج باجمعه يُنظر إليه كمنطقة ذات مخاطر عاليه على المدى الطويل اقتصاديًا..دول الخليج دفعت ثمنًا لم تبدأه بنفسها. ..مطارات وفنادق وموانئ ومنشآت نفطية وعسكرية تعرضت للهجوم أو للاضطراب، مع إلغاء نحو 40 ألف رحلة جويه وتضرر السياحة والتجارة وثقة المستثمرين التي أهتزت…اقتصاد الخليج لا يعتمد على النفط فقط بل أيضًا على حالة الاستقرار لجذب الأعمال والسياحة ورؤوس الأموال.حتى البنية التحتية التي صُممت لتجاوز معضلة هرمز لم تعد آمنة بالكامل.حتى باستخدام خطوط أنابيب ومنشآت ومرافئ بديلة، بما فيها خط الأنابيب السعودي ( شرق-غرب ) وكذلك هجمات متكررة على مسارات تصدير النفط خارج مضيق هرمز. هذا يعني أن فكرة “البديل الآمن” لم تعد مضمونة كما كانت سابقًا. سياسيًا، الحرب أضعفت ثقة بعض العواصم الخليجية في الضمانة الأمنية الأمريكية. فالعلاقة التقليدية كانت تقوم على الحماية مقابل الشراكة الاستراتيجية، لكن الحرب أظهرت أن الارتباط ( بواشنطن ) قد يجعل هذه الدول نفسها أهدافًا إيرانية، حتى لو لم ترغب أصلًا في الحرب. لذلك تتحدث التقارير عن اتجاه خليجي إلى ( تنويع الشركاء الأمنيين ) وعدم الاعتماد الكلي على واشنطن.
٢. تأثير الحرب على المنطقة العربية:
أ. الخليج العربي : الحرب كشفت ان الخطر لم يعد نظريًا، بل أصبح واقعًا يمس الأمن والطاقة والتجارة والحياة اليومية. الهجمات والصواريخ والقلق من توسع الحرب هزّت الشعور بالاستقرار والامن في المنطقة، وفضحت هشاشة الاعتماد على الهدوء الدائم في الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية.
ب. مضيق هرمز: إيران أظهرت قدرة فعلية على تعطيل المرور في واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم، ما أدى إلى احتجاز وتأخير أعداد كبيرة من السفن وخلق أزمة ثقة عند شركات الشحن والتأمين، حتى بعد الهدنة. هذا لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل يعني أيضًا أن الخليج أصبح يُنظر إليه منطقة ذات مخاطر أعلى على المدى الطويل.
ج. اقتصاديًا: دول الخليج دفعت ثمنًا لم تبدأه بنفسها. أن مطارات وفنادق وموانئ ومنشآت نفطية وعسكرية تعرضت للهجوم المباشر أو للاضطراب، مع إلغاء نحو 40 ألف رحلة وتضرر السياحة والتجارة وثقة المستثمرين. وهذا مهم جدًا لأن اقتصادات الخليج لا تعتمد فقط على النفط، بل أيضًا على صورة “الاستقرار” لجذب الأعمال والسياحة ورؤوس الأموال.حتى البنية التحتية التي صُممت لتجاوز هرمز لم تعد آمنة بالكامل..
د.سياسيًا : الحرب أضعفت ثقة بعض العواصم الخليجية في الضمانة الأمنية الأمريكية. فالعلاقة التقليدية كانت تقوم على الحماية مقابل الشراكة الاستراتيجية، لكن الحرب أظهرت أن الارتباط بواشنطن ( التي عبر عنها الرئيس حسني مبارك بالقول من يحتمي بامريكا عريان ) قد يجعل هذه الدول نفسها أهدافًا إيرانية، حتى لو لم ترغب أصلًا في الحرب. لذلك تتحدث التقارير عن اتجاه خليجي إلى تنويع الشركاء الأمنيين وعدم الاعتماد الكلي على واشنطن. قد يكون اجراء سليم بالرغم من أنه جاء متإخراً.
تأثيرات الحرب كانت أمنية واقتصادية وخدمية أكثر من كونها مواجهة مباشرة شاملة وكما يلي:.
أ.العراق لم يكن ساحة الحرب الرئيسية، لكنه تأثر لأنه يقع بين إيران والولايات المتحدة، مع وجود فصائل مقاومة مسلحة تستهدف المصالح الامريكية أينما وجدت في المنطقة ، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان الاقتصاد ، الطاقة ، وحركة الطيران ) مرتبط بشكل مباشر بما يجري في أزمة الخليج ومضيق هرمز.
ب.أمنيًاً : العراق يمر في حالة توتر شديد وخطر انزلاق إلى ساحة صراع أوسع،
ج. اقتصاديًا :
أولاً.النفط :يعتبر مصدر الاقتصاد الرئيسي معظمه يمر عبر مضيق هرمز البيئة البحرية المشتعله حالياً
وقد أعلن العراق حالة القوة القاهرة على الحقول التي تديرها شركات أجنبية بعد أن تعطلت الصادرات بشكل كبير. ووفق ( رويترز ) وصلت طاقة التخزين إلى حدودها القصوى مع توقف التصدير رغم جاهزية شركة التسويق العراقية سومو التي أضطرت الى النقل المحدود براً عبر سوريا والاردن عن طريق البحر الابيض المتوسط وخط جيهان عبر تركيا وجميعها لا تشكل نسبة ٢٥٪ من حجم التصدير .كنا أن إنتاج شركة نفط البصرة هبط إلى 900 ألف برميل يوميًا بعد أن كان نحو 3.3 ملايين بسبب توقف الصادرات من الموانئ الجنوبية. وبما أن الدولة العراقية تعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيراداتها تقريبًا، فهذه النتيجة كانت خطيرة جدًا على المالية العامة، والرواتب، والإنفاق الحكومي، والاستقرار الاقتصادي عمومًا.
ثانياً.الكهرباء والطاقة: تعتمد بنسبة على الغاز الإيراني. وبعد استهداف حقل جنوب فارس الإيراني، توقفت إمدادات الغاز إلى العراق مؤقتًا، ثم عادت بمستوى منخفض جدًا بلغ نحو 5 ملايين متر مكعب يوميًا فقط، مقارنة بحوالي 50 مليون متر مكعب متعاقد عليها. هذا يعني أن الحرب هددت مباشرة استقرار الشبكة الكهربائية ، قبل أن تعود الإمدادات جزئيًا وتساعد على تثبيت الإنتاج عند نحو 14 ألف ميغاواط. وعليه ، فإن الحرب ضغطت على الخدمات الأساسية، خصوصًا الكهرباء، لأن اعتماد العراق على الطاقة الإيرانية يجعله هشًا أمام أي تصعيد كبير ومستمر في الحرب .
ثالثا الطيران والحركة الجوية: من النتائج المباشرة أيضًا تعطّل المجال الجوي العراقي.
ج . النتيجة : ان معضلة العراق يمكن تلخيصها بوصف عام أنه ( لم يدخل حربًا شاملة على مستوى الدولة ) لكنه دفع ثمنها على الامن الداخلي، والاقتصاد ومصادر الطاقة والطيران ..بالاضافة الى الاستقرار السياسي. يتضح أن العراق يتضرر بسرعة من الحرب،وهو لم يقرر الدخول فيها .
١. السؤال المنقوص الاجابه : من الخاسر الاكبر إيران أم أمريكا..يصعب تحديد ذلك حالياً ولكن ممكن المقارنة مع بعض الحقائق وكما يلي :
أ. إذا كان المقياس هو الخسارة العسكرية والاقتصادية المباشرة : فإيران تبدو الخاسر الأكبر. الهجمات أضعفت قدراتها العسكرية التقليدية، والبنية التحتية والاقتصاد تعرضا لضغط شديد، مع خسائر بشرية كبيرة وأزمة معيشية متفاقمة. كما أن الحرب فاقمت وضعًا اقتصاديًا كان أصلًا هشًا بسبب العقوبات والاختناقات الداخلية.
ب.إذا كان المقياس هو تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية : امريكا لم تحقق نصرًا واضحًا. لإن أهدافًا أساسية بقيت غير مكتملة لا حسم نهائي للملف النووي، ولا إنهاء واضح لنفوذ إيران الإقليمي، ولا استعادة كاملة لحرية الملاحة في هرمز، بل إن التقديرات الاستخباراتية الأمريكية نفسها قالت إن الجدول الزمني المتعلق بقدرة إيران النووية لم يتغير كثيرًا في المرحلة الأخيرة من الحرب.
ج. داخليًا : في أمريكا، الحرب أصبحت عبئًا سياسيًا أيضًا. بحسب استطلاع Reuters/Ipsos، انخفضت شعبية ترامب إلى 34%، مع تزايد الاستياء من الحرب ومن ارتفاع كلفة المعيشة، بينما قفزت أسعار البنزين بأكثر من 40% إلى نحو 4.18 دولار للغالون بعد اندلاع الحرب وتعطل جزء مهم من تجارة النفط العالمية. هذا يعني أن واشنطن دفعت ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا داخليًا، حتى لو لم تتعرض أرضها لدمار مثل إيران.
د.الواقع النهائي:
إولاً : إيران : خسرت على الأرض ( قتلى، دمار، ضغط اقتصادي، وتراجع في القدرات ).
ثانياً.أمريكا : خسرات مما كانت تريد استراتيجيًا ( كلفة عالية، أهداف غير مكتملة، أزمة طاقة، وتراجع سياسي داخلي وحرج مع الحلفاء. ) .
ثالثاً. لا يمكن وصف النتيجة بأنها ( نصر أمريكي حاسم ) ولا ( صمود إيراني مريح ) بل هي أقرب إلى ( استنزاف متبادل ) الخليج والمنطقة العربية أكبر من دفع الثمن الجانبي المباشر.
د.هل يمكن أن تتحول هذه الهدنة إلى حرب أكبر في الشرق الأوسط. المفاجأة واردة ولكن الحقائق على الارض ومنها ما تم التصريح عنه اليوم بالتوصل الى مرحلة نقاش ثلاثون يوما يعني تهدئة
١. الخلاصة : أن أهم نتائج الحرب بين إيران وأمريكا حتى الآن تتمثل بما يلي:
أ. وقف إطلاق نار هش بدل حسم نهائي.
ب.إضعاف إيران عسكرياً من دون إنهاء كامل للبرنامج النووي.
ج.خسائر اقتصادية كبيرة لإيران ولا تؤشر انهيار سريع .
د.أزمة طاقة وضغط اقتصادي وسياسي عالمي بسبب مضيق هرمز وتصدير النفط .
ه.النتيجة العامة: تعادل (مرهق للطرفين وجموداً أكثر من أنه انتصارًا واضحًا ).ولكن للمفاجأة دور حاسم في ذلك .
٩ .أن المنطقة العربية، وخصوصًا الخليج، دفعت ثمنًا مباشرًا وكبيرًا، لكن إذا سألنا: من خسر أكثر بين إيران وأمريكا فالإجابة الأقرب هي أن إيران خسرت أكثر ماديًا وعسكريًا، بينما أمريكا خسرت أكثر سياسيًا واستراتيجيًا مما كانت تتوقع.
ولكن الاحتمال الاقرب قد يتضمن اتفاق على ايقاف الحرب وبدء المفاوضات مجدداً مع موافقة امريكا على رفع العقوبات عن أيران وتبقى باقي البنود بين الاخذ والعطاء.ان حصل ذلك يعني ان أيران قد كسبت الجولة الاخيرة بالرغم من الانهاك الذي أصابها سوف تتعافى ويبقى المرض المزمن في بيئة المنطقة .
وعليه سيكون الرابح من هذه الحرب هو المنتخب الوطني العراقي لكرة القدم بتأهله لكأس العالم 2026…الايام تحمل بين خفاياها لا يعلمه الا الراسخون في مراوغة وخدعة السياسة ومن المؤكد ان العرب خارج هذا التوصيف.

892 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع