هل قتلت إيران سرديتها حول "الأمن الجماعي الخليجي"؟

طارق الهاشمي

هل قتلت إيران سرديتها حول "الأمن الجماعي الخليجي"؟

إلى جانب ما عرض من معلومات صادمة عن خلايا تخريب وتجسس …!! وهي أنشطة لا تمارسها إلا دولة تصنف بأنها معادية !!. عرض برنامج "ما خفي أعظم" على قناة الجزيرة الفضائية بالصوت والصورة، مشاهد موثقة لعدوان ايران على دولة قطر، منذ ان تجددت الحرب في 28 من فبراير الماضي، وتأكد للجميع ان الهجمات وخلاف ادعاء ايران انما كانت تستهدف مواقع ومنشآت قطرية حصرا، تركزت حول المرافق العامة، مدنية وحيوية، كمطار حمد الدولي، ومنشآت طاقة ومياه، بنى تحتية، وفنادق، ومناطق سكنية. مرافق ومنشآت ما كانت اي منها أمريكية.

لم تكن الوقائع التي كُشفت مؤخراً مجرد تطورٍ عسكري عابر، بل لحظة كاشفة لما هو أعمق: سقوط صورةٍ كاملة بُنيت عليها علاقة معقدة بين قطر وإيران. هذه المعطيات لم تفتح باب التساؤل فحسب، بل دفعت إلى إعادة تقييمٍ جذرية لطبيعة العلاقة بين الطرفين.

فلسنوات، راهنت الدوحة بحسن نية على الدبلوماسية، وفتحت قنوات الوساطة، وسعت إلى تخفيف التوترات، وأسهمت في ملفات حساسة، خدمت فيها إيران، منها تبادل سجناء وإطلاق اموال مجمدة وتبريد ازمات ساخنة، والى وقت قريب، لم تتخذ دولة قطر جانب الحياد في حرب وشيكة على ايران، بل أعلنت رفضها الكامل ودعت إلى ضبط النفس واللجوء للمساعي السلمية في حل الخلاف، وفوق ذلك، حالها حال بقية دول مجلس التعاون، منعت استخدام أراضيها ومياهها وأجوائها في العدوان على ايران، غير أن ايران، رغم ذلك، لم ترد بالتقدير، بل اختارت ان تصنف دولة قطر كدولة معادية !!!! تعاديها سرا بزرع خلايا تجسس وتخريب، وعلنا بهجمات الصواريخ البالستية والمسيرات الانتحارية بل وحتى طائرات السوخوي القاصفة، وتمهيدا لذلك، كما كان للحرس الثوري بنك اهداف مختارة داخل إسرائيل، كان لديه أيضاً بنك اهداف قطرية !!! حيث هاجمت ايران دولة قطر مبكرا، وفي اليوم الاول للعدوان ب 64 صاروخا باليستيا و 12 طائرة مسيرة، من مجموع 537 هجمة جوية تعرضت لها دولة قطر، التي اختارت الحكمة على الرد المقابل.

موقف ايران، لا يمكن ان ينسجم إطلاقا مع، الشراكة، والثقة المتبادلة، ومبدأ حسن الجوار.

الأخطر من ذلك، أن الخطاب الرسمي الإيراني جاء معززا ومؤيدا للعدوان العسكري، ولم يترك للمراقب إلا الاعتقاد الجازم بان العدوان كان متعمدا، ومخططا له حتى قبل اندلاع الحرب، لقد خرج المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، لينفي العدوان على دولة قطر جملةً وتفصيلاً، متحدثاً بثقة مطلقة ورغم كثافة الأدلة المتداولة لا يبدو انه شعر بالحرج وهو يسرد الحجج المتهافتة والساذجة !!! وكان يسعه ان يبرر هذه الهجمات إلى خطأ فني غير مقصود، كحالة النيران الصديقة، أو إلى اجتهادٍ ميداني حصل من قطعات عسكرية باتت خارج السيطرة …الخ بل تبنى خطاباً لا ينفي الواقعة فحسب بل فوق ذلك يبررها !!!. وهذه المكابرة ليست تفصيلاً عابراً، بل تعكس نمطاً في إدارة الأزمات مع دول الجوار، يقوم على الإنكار كأداة، والغموض كمساحة للمناورة.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في سرديةٍ طالما روجت لها طهران:

وتعني بـ "الأمن الخليجي الجماعي”. فقد دعت إيران، مراراً، إلى بناء منظومة أمن إقليمي تتعهدها وتطورها الدول على ضفتي الخليج العربي حصرا، تقوم على اساس من الثقة والحوار والمصالح المشتركة، كبديل عن استدعاء الجيوش الأجنبية، على خلفية مخاوف امنية مزعومة !!!!.

كانت الرسالة قبل الحرب واضحة: لا تهديد من إيران، فهي “جارة مسلمة” !!! وبالتالي لا حاجة لطلب الحماية من الأغراب، والخليج يمكن ان يكون واحة سلام !! ينعم فيه الجميع بالامن !! هكذا !! …

لكن ما حدث عملياً نسف هذه السردية من جذورها؛ بل وربما برر الوضع السائد في فترة ما قبل الحرب ولا زال !! اما دولة قطر، ومعها دول مجلس التعاون فقد تنبهت إلى خطورة الوضع، وأدركت ان امنها هش، طالما بقي مكشوفا رهن صراعات دول اخرى، لهذا انخرطت في مراجعة تاريخية لمتطلبات امنها الجماعي، سواء على صعيد اعادة النظر بتسليح وتجهيز القوات المسلحة الوطنية والخليجية، للبناء على الأداء الرائع لقواتها المسلحة في التصدي للعدوان الإيراني، او مراجعة هيكلية تحالفاتها وشراكاتها مع الدول الشقيقة والصديقة، وتبني نهج واقعي اكثر استقلالية في ادارة الأزمات.

الامن لا يُبنى بالخطب، بل بالسلوك، ولا تُصان الثقة بالتصريحات، بل بالالتزام. وحين تتحول الدولة التي تدعو إلى الأمن المشترك إلى مصدر تهديد مباشر، فإنها لا تقوض مصداقيتها فحسب، بل تدفع الآخرين دفعاً إلى الخيار الذي كانت تحذرهم منه.

وهنا تتجلى المفارقة القاسية: إيران، بأفعالها العدوانية على دول مجلس التعاون، شكلت اكبر دافعٍ لاستمرار البحث عن مظلات أمنية خارجية، ورفع الحرج عن دول لازالت مترددة في التطبيع مع الكيان المحتل ! ايران تدعي انها ترفض ذلك، لكن افعالها تقود اليه !

من جانب آخر، لا ننسى ان بعدا جديدا نشأ في هذه الحرب عندما تلاعبت ايران بمقدرات الاقتصاد العالمي، وسعت إلى توسيع رقعة الحرب وتحميل العالم قسطا من تكاليف الحرب، اذ ستحاول الولايات المتحدة فيما بعد، شئنا أم أبينا، توسيع دائرة نفوذها في المنطقة عما كان عليه الحال قبل الحرب. ولا رغبة ولا مصلحة لأحد في ذلك بالطبع.

علمتنا الاحداث، ان سوء التقدير في العلاقات الدولية، غالبا ما يقود إلى تعظيم التحديات والإكراهات، وهنا يسأل سائل ماذا لو حصرت إيران ردها المقابل بالاطراف التي اعتدت عليها فعلا، الولايات المتحدة والكيان المحتل، واحترمت بنفس الوقت سيادة الدول الخليجية المجاورة، ولم تعرض امنها وسلامتها للخطر كما فعلت ! كم كانت صورتها ستبدو مغايرة ! لكنها اختارت تكريس نفس الصورة الذهنية القاتمة التي عرفتها عنها دول عربية ابتليت بنفوذها.

قد تتوقف الحرب، وقد تُستأنف المفاوضات، وربما تُعقد تفاهمات جديدة، لكن ما تغير فعلياً هو زاوية النظر إلى هذه المعادلة برمتها. فالأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على وعودٍ غير مدعومة بالسلوك، ولا على خطابٍ يناقضه الفعل. وحين تتسع الفجوة بين القول والعمل، يصبح الحديث عن “ثقة” مجرد عنوانٍ بلا مضمون، وتغدو العودة إلى العلاقات الثنائية التي كانت سائدة في فترة ما قبل هذه الأحداث من الأمور المستحيلة إن لم تبادر ايران وتراجع وتصوب رؤيتها وعلاقاتها مع الدول العربية عموما والخليجية على وجه الخصوص وتتخذ القرارات اللازمة بشجاعة ومسؤولية … عندها فقط يكون حديثها عن “الامن الخليجي الجماعي“ مفهوما.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1237 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع